صحافة

"المشهد اليوم".. تَصعيدُ هُرْمُز يُحاصِرُ المُفاوَضات وطهرانُ تَخشى الانقِسامات!إسرائيلُ تُسابِقُ المُفاوضاتِ مَعَ لبنانَ بِتوسيعِ دائرةِ القصفِ والتَّوَغُّلِ جنوبًا.. ونتنياهو للسيطرَةِ على 70% مِن قِطاعِ غَزَّة


رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة بينما يعرض صاروخ باليستي في ميدان آزادي غرب طهران (أرشفية - رويترز)

بين اتفاقٍ لم يُقرّْ وتصعيدٍ مُستمرٍ في التصريحاتِ، يعيشُ العالمُ في قلقٍ وتوجسٍ ممَّا ستؤدي إليهِ التطوراتُ بينَ واشنطنَ وطهرانَ، في ظلِّ تبادلِ الضرباتِ العسكريةِ وتقاذفِ الاتهاماتِ السياسيّةِ. فبعدَ كلِّ حديثٍ عن قربِ إبرامِ تسويةٍ تعودُ الأمورُ إلى نقطةِ الصفرِ، بسببِ وجودِ ملفاتٍ عدةٍ عالقةٍ بين الجانبين، لا يريدُ أيُّ طرفٍ التنازلَ عنهَا إرضاءً لجمهورِهِ وقاعدتِهِ الشعبيّةِ. إذ إن دائرة المشككين بنتائجِ الحربِ في الولاياتِ المتحدةِ بدأت تتسعُ، فيما يئنُّ شعبُ إيران، المتمسكة باستراتيجيةِ "الصمود"، من الحصارِ والعقوباتِ المتجدّدةِ عليه، من دونِ إغفالِ الفاتورةِ الباهظةِ التي تدفعُهَا المنطقةُ برمتها، بعدما وجدَت نفسَهَا في أتونِ صراعٍ طويلٍ ومريرٍ تضيقُ فيه الخياراتُ وتتعقّدُ فيه المطالبُ. ففيما كانت باكستان تعملُ على تمديدِ الهدنةِ بينَ طرفيِّ النزاعِ، حرّكَت قطرُ دبلوماسيتها سعيًا إلى إيجادِ مخرجٍ للأزمةِ، ووضعِ حدٍ لأيِّ توتراتٍ قد تقودُ إلى استئنافِ القتالِ. إلا أن التضاربَ يبقَى سيد الموقفِ في الوقتِ الراهنِ، مع حديثٍ أميركيٍّ عن بلورةِ "مذكرةِ تفاهمٍ" وانتظارِ موافقةِ الرئيس دونالد ترامب عليها، ونفيِ مصادرَ إيرانيّة ذلك.

هذا التباينُ ليس وليدَ اللحظةِ، بل هو جزءٌ من المسارِ الطويلِ الذي يعتمدُهُ النظامُ الإيرانيُّ ضمنَ تكتيكاتِ التفاوضِ، فيتقدّمُ خطوةً ويتراجعُ أخرى سعيًا إلى تحصيلِ المزيدِ من المكاسبِ. وكشفَ مسؤولون أميركيون لموقعِ "أكسيوس" عن توصّلِ الطرفينِ إلى اتفاقٍ مبدئيٍ بشأنِ مذكرةِ تفاهمٍ مدتها 60 يومًا. تهدفُ هذه المذكرةُ إلى تمديدِ وقفِ إطلاقِ النارِ الحالي، وفتحِ البابِ أمامَ مفاوضاتٍ موسّعةٍ تشملُ الملفَ النوويَ الإيرانيَّ. وبحسبِ التسريباتِ المتداولةِ، فإن المسودةَ، التي أُنجزَ معظمُ بنودِهَا، ترتكزُ على معادلةِ "الأمن البحريّ مقابلَ تسهيلاتٍ اقتصاديةٍ وإنسانيّةٍ". كما تتضمنُ بنودًا جوهريةً تشملُ التزامًا كاملًا بعدمِ تقييدِ الحركةِ عبرَ مضيقِ هُرمزَ، من دونِ دفعِ أيِّ رسومٍ أو مضايقاتٍ لشحناتِ التجارةِ الدوليّةِ. في المقابلِ، تبدأُ الولاياتُ المتحدةُ رفعَ حصارِهَا البحريِّ تدريجيًا، وبما يتناسبُ مع استعادةِ حركةِ الشحنِ التجاريِّ إلى طبيعتِهَا. وعن السلاحِ النوويِ، تتعهّدُ طهرانُ بعدمِ السعيِ إلى امتلاكِهِ، بينما تقرُّ واشنطنُ آليةً لمساعدةِ إيرانَ على تلقِي السلع والمساعدات الإنسانيّة ومناقشة تخفيفِ العقوبات والإفراج عن الأصولِ المُجمدةِ أثناءَ المفاوضاتِ. وتُبيّنُ تلكَ البنودُ أن الضغوطَ باتَت تحاصرُ الجميعَ من دونِ استثناءٍ، وأن العودةَ إلى الحربِ الموسعةِ أصبحت خيارًا غير مُمكن، باستثناءِ مناوشاتٍ من هنا أو هناك لتأكيدِ استمرارِ النفوذِ. وفي هذا الإطارِ، أكدَ الرئيسُ ترامب أنَ أيَ اتفاقٍ "مرهونٌ بتحقيقِ صفقةٍ جيدةٍ للولاياتِ المتحدةِ وهذا هو خطنَا الفاصل"، مجددًا الحديث عن "هزيمة إيران عسكريًا".

ويحاولُ "ساكنُ البيتِ الأبيض" استطلاعَ آراءَ مستشاريه للتأكدِ من أن الاتفاقَ، بصيغتِهِ الحاليّةِ، يمكنُ تقديمُهُ داخليًا على أنه أقوى من اتفاقِ 2015 النووي، الذي انسحبَ منه ترامب. يحدثُ ذلكَ وسطَ ضغوطٍ من "صقورِ" الحزبِ الجمهوريّ ورئيسِ الوزراءِ الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لعدمِ المضيِ قدمًا بأيِّ صفقةٍ قبلَ إزالةِ التهديدِ الإيرانيِّ بشكلٍ تام. وبين هذين الحدّين، أفادَ الديوانُ الأميري القطري أن أميرَ قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، تلقَى اتصالًا هاتفيًا من الرئيسِ الأميركيِّ، استعرضَا خلالَهُ المستجداتِ السياسيّةِ والأمنيّةِ الأخيرةِ والجهودِ الإقليميّةِ والدوليّةِ الراميةِ إلى خفضِ التصعيدِ وتعزيزِ الاستقرار، في ظلِّ تشديدِ الدوحة على ضرورةِ تغليبِ لغةِ الحوارِ ومنعِ أيّ تصعيدٍ مُحتملٍ. وعادَ الدورُ القطري إلى الواجهةِ مجددًا، على الرغمِ من تعرّضِ منشآتِهَا الحيويةِ والمدنّيةِ لضرباتٍ من المُسيّراتِ والصواريخ الإيرانيّةِ خلالَ فترةِ الحرب. إذ استقبلت وفدًا رفيع المستوى ضمَّ رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. ويمكنُ وضعُ نتائجَ هذه الزيارةِ ضمنَ إطارِ محاولةِ طهرانَ الحصولَ على أموالِهَا المُجمدة، التي تعتبرها شرطًا أساسيًا للقبول بأي اتفاقٍ مستقبليٍّ. ويؤكدُ دخولُ الدوحة في هذا "المخاض العسير" أنَ دولَ الخليجِ تهدفُ إلى نزعِ فتيلِ الأزمةِ، تهدئةِ الأمورِ، و"التعايشِ" مع نظامِ "الثورةِ الإسلاميّةِ" بحكمِ الجغرافيا وتداخلِ المساراتِ المشتركةِ.

ويتوافقُ هذا الدورُ مع مساعي إسلام آباد، التي لا تزالُ قائمةً باعتبارِهَا الوسيطَ الرئيسيّ، إذ أفادت وزارةُ الخارجيّةُ الأميركيّة أن الوزير ماركو روبيو سيلتقي نظيرَهُ الباكستانيّ محمد إسحاق دار في مقرِّ الوزارةِ في واشنطنَ صباح اليومِ الجمعة. وفي حين يُسابقُ الوسطاءُ الزمنَ لإنجازِ اتفاقٍ وإعلانِهِ، تبادَلَت الولاياتُ المتحدةُ وإيران ضرباتٍ قربَ مضيقِ هُرمزَ، بما يكشفُ مجددًا هشاشةَ الهدنةِ واتساعَ الخلافِ حولَ إدارةِ الممرِ المائيّ، خصوصًا أن النظامَ الإيرانيّ بدأَ يفرضُ "الإتاوات" مقابلَ ما يسمّيه "العبور الآمن". وفي التفاصيل، أطلق "الحرس الثوري" طلقاتٍ تحذيريةٍ باتجاهِ أربعِ سفنٍ وناقلةِ نفطٍ أميركيّةٍ حاولَت عبورَ المضيقِ من دونِ تنسيقٍ مع الجانبِ الإيرانيّ. وأدّى ذلكَ إلى تحركٍ أميركيٍّ مباشرٍ، فأعلنَت القيادةُ المركزيةُ إسقاطَ خمسِ طائراتٍ مُسيّرة واستهدافَ محطةَ تحكُّمٍ أرضيةٍ في بندر عباس كانت على وشكِ إطلاقِ مُسيّرةٍ سادسةٍ. وبعد الضربةِ الأميركيّةِ، استُهدِفَت قاعدةٌ في الكويت، التي أكَدَ جيشُهَا أن دفاعاتِهِ الجوية اعترضَت صاروخًا باليستيًا، ووصفت خارجيتُهَا الهجومَ بأنه تصعيدٌ خطيرٌ. وتزامنَ هذا الاستهدافُ مع تصريحاتِ المرشدِ الإيرانيِّ مجتبى خامنئي عن "خطةِ العدوِ لإحداثِ انقساماتٍ لتعويضِ الهزائمِ العسكرية"، معتبرًا أن البلادَ تحتاجُ إلى "تعاونٍ أوسعٍ" بين مؤسساتِ الدولةِ لترسيخِ الوحدةِ الداخليّةِ.

في غضونِ ذلكَ، فرضَت واشنطنُ المزيدَ من العقوباتِ على إيرانَ، وشملَت هذه المرة شركاتٍ وسفًنا دوليةً. وأشارَ وزيرُ الخزانةِ الأميركيّ سكوت بيسنت إلى أن بلادَهُ ستمنعُ شركاتِ الطيران الإيرانيّة من الوصولِ إلى مهابطِ الطائراتِ، بالإضافة إلى إجراءاتٍ أخرى. وجاء ذلك بعد ساعاتٍ على وضعِ "هيئةِ مضيقِ الخليجِ" الإيرانيّةِ، وهي وكالةٌ جديدةٌ استحدثتهَا طهرانُ لتقاضي رسومٍ على عبورِ السفنِ من مضيقِ هُرمزَ، على قائمةِ العقوباتِ أيضًا. ويؤكدُ تضييقُ الخناقِ على "نظامِ الملالي" أن الولاياتِ المتحدة ليست في واردِ تقديمِ تنازلاتٍ كبيرةٍ، خصوصًا في ما يتعلقُ بالمضيقِ الاستراتيجيِّ، الذي باتَ اليوم في قلبِ الصراعِ. ووجّهَ الرئيسُ ترامب تهديدًا شديدَ اللهجةِ إلى سلطنة عُمان إذا وقفَت إلى جانبِ إيرانَ في قضيةِ إعادةِ فتحِ المضيقِ، مهددًا بـ"نسفهِم إذا لم يُحسنُوا التصرّف". والغريب أن يُوَجَّه هذا التحذير العالي النبرة إلى العاصمةِ مسقط، الحليف الأساسيّ للولايات المتحدة، التي كان يُنظرُ إليها طوالَ المرحلةِ الماضيةِ بوصفها وسيطًا موثوقًا لإدارةِ التفاوضِ. وكلامُ ترامب، الذي وصفَ فيه الشارعَ العربي بـ"البلطجي"، لم يختلفْ عن كلامِ وزيرِ الخزانةِ الأميركيِّ، الذي قالَ إنه "على سلطنةِ عُمان، على وجهِ الخصوص، معرفة بأننا سنستهدفُ بقوةٍ أيّ جهةٍ متورطةٍ، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، في تسهيلِ فرضِ رسومِ العبورِ في مضيقِ هُرمزَ، وسيُعَاقَبُ أيّ شريكٍ متواطئ".

ومع هذه التصريحاتِ، أعلنت وزارةُ الدفاعُ الإسرائيليّة عن انتهاءِ مشاوراتٍ موسّعةٍ تناولت جبهات القتال كافة. وحضر الاجتماع رئيس الأركان إيال زامير، وكبار ضباط هيئة الأركان، وقادة شعبات التخطيط والاستخبارات والعمليات والأبحاث والجبهة الداخلية، وممثلين عن جهازي الأمن العام "الشاباك" والمخابرات "الموساد". وتسعى تلّ أبيب إلى عرقلةِ إنجازِ أيّ تسويةٍ عبر التحذيرِ من مخاطِرِهَا، على الرغمِ من أن العديدَ من الوسائلِ الإعلاميّةِ تحدثَت عن عدمِ قدرةِ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على التأثيرِ في قراراتِ ترامب الآنية، على عكسِ المرحلةِ الماضية. وتُعدُّ أسبابُ ذلكَ متعددةً، لكن هذا الأمر لا يحولُ دونَ حمايةِ واشنطنَ لمصالحِ إسرائيل واستمرار الدفاع عنها. والدليلُ الأبرزُ على ذلك هو موافقتها الضمنيّة على استمرارِ انتهاكاتِ اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ في لبنان، الذي يترّنحُ أمام التصعيدِ الإسرائيليِّ المُوسّعِ. ويرفضُ نتنياهو أن تُشمَلَ الجبهةُ اللبنانيّةُ بالاتفاقِ مع طهرانَ، ويسعى، في حال جرى الاتفاق، إلى الحفاظِ على بندِ حريةِ الحركةِ بذريعةِ منعِ إعادةِ "حزبِ الله" تسليح نفسه. لكن، عمليًا، يعني ذلك خسارة لبنان المزيد من أمنِهِ وعدمِ قدرتِهِ على إطلاقِ خطةِ إعادةِ الإعمارِ، التي تحتاجُ في المرتبةِ الأولى إلى ضماناتٍ بعدمِ تكرارِ الحرب. ويسعَى الاحتلالُ إلى تكريسِ واقعٍ ميدانيٍّ وجغرافيٍّ شديدِ الخطورة، بالتزامنِ مع الجولةِ الجديدةِ من المفاوضاتِ المباشرةِ بين لبنانَ وإسرائيلَ برعايةٍ أميركيّةٍ، على الرغمِ من أن لا آمالَ كبيرة معقودة على هذه الخطوة بسبب التعنتِ الإسرائيليِّ والتماهي الأميركيّ.

ففي الميدانِ، واصلَ العدوُ إنذاراته المتكرّرة وغاراته المستمرة على مختلف القرى والبلدات الجنوبيّة، فيما أفرغ الجيش الإسرائيلي مدينتيّ النبطية وصور وجوارهما وصولًا إلى جنوب الزهراني من السكان، وسط مؤشراتٍ على توسيع المواجهة جنوبًا. ونقلت القناة 14 الإسرائيليّة عن نتنياهو قوله إن قوات إسرائيليّة عبرت نهر الليطاني، مضيفًا: "نوجه ضربات قوية جدًا في لبنان ونعمل على إيجاد حلّ لتهديدات حزب الله". في الأثناء، أفادت معلومات ميدانيّة بوجود تقدّمٍ لدبابات جيش الاحتلال من خلف مرجعيون، وتحديدًا من جهة البويضة، باتجاه بلدة دبين، التي تعرضت أمس لغاراتٍ عنيفةٍ جدًا. وعادت العاصمة بيروت، وتحديدًا الضاحية الجنوبية، إلى دائرة الأضواء بعد قصف شقةٍ سكنيّةٍ في منطقة الشويفات، من دون إنذارٍ مُسبق. وتمثّل هذه العمليّة التي استهدفت، وفق الإعلام الإسرائيليّ، مسؤول الوحدة الصاروخيّة في "لواء الحسين" التابع لـ"حزب الله"، تحوّلًا نوعيًّا في قواعد الاشتباك، بما يؤكد أن تلّ أبيب تضع كل المناطق اللبنانيّة ضمن نطاق بنك الأهداف، من دون أن تتقيّد باتفاق الهدنة. ولا يتوقف عداد الضحايا بعد المجازر المتنقلة، التي يرتكبها الاحتلال بحق عائلاتٍ كاملةٍ تُشطَبُ أسماؤها من السجل المدني، إسوةً بما جرى في قطاع غزّة على مدار عامين من حرب الإبادة. بدوره، أعلن "حزب الله" تنفيذ 4 هجماتٍ استهدفت مواقع وآلياتٍ عسكريةٍ إسرائيليّةٍ في البلدات الجنوبيّة، مؤكدًا أنها جاءت ردًا على الخروقات المتواصلة. وأعلن جيش العدو مقتل مجندة وإصابة 7 عسكريين أحدهم بجروحٍ خطرة، جراء هجماتٍ نُفذت بمسيّراتٍ مفخخةٍ ونيران مضادة للدروع على شمالي إسرائيل وجنوبي لبنان.

ويزيد هذا الواقع المُعاش من الضغوط المفروضة على الحكومة، مع غياب "مظلّة" الوحدة الوطنيّة الداخليّة. فـ"حزب الله" يُكرّس الدور الإيرانيّ ويُهاجم الدولة وأركانها، كما خصومه، ويتهمهم بالعمالة والتنازلات من دون طائلة، ويرفض مسار المفاوضات المباشرة معتمدًا على ما ستفضي إليه مشاورات إسلام آباد. ورفض فصل الملفين بعضهما عن بعض يُناسب طهران، الساعية إلى التمسك بمن تسميهم "الحلفاء". والمفارقة أنّ واشنطن تبدو في موقع الممسك بالعصا من الوسط. فهي لا تريد انفجارًا شاملًا يُعرقل حساباتها الإقليميّة، ولا تريد في الوقت عينه حرمان إسرائيل من أوراق ضغطٍ قبل التفاوض. وهذه "الطامة الكبرى" تُحاصر اللبنانيين كما الفلسطينيين، الذين يعيشون واقعًا مشابهًا إلى حدٍّ كبيرٍ، مع مواصلة إسرائيل تصفية كبار القادة التابعين لحركة "حماس" و"كتائب القسام" ومن يدور في فلكهما، وآخرهم القائد الجديد لـ"لواء الشمال" عزّ الدين البيك، ونائب قائد "لواء غزة"، عماد اسليم. وتتعرقل خطة ترامب وتتجرّد من مضمونها، كما تنحصرُ في إطار نزع سلاح الحركة الفلسطينيّة، التي تبدو عاجزة أمام آلة الحرب الإسرائيليّة المستمرة في قتل أهالي قطاع غزّة من دون هوادة، وتدمير ما تبقى من منازل وأبنية سكنيّة متصدعة، مع رفض إدخال أي مواد تتعلق بالإعمار. وفي تحدٍّ جديدٍ لاتفاق وقف النار، أعلن نتنياهو، أمس الخميس، أنه أصدر أوامر للجيش بتوسيع المناطق التي يسيطر عليها في القطاع إلى 70 في المئة من إجمالي المساحة العامة.

في سياقٍ متصلٍ، فرض مجلس الاتحاد الأوروبي عقوباتٍ على أربع كياناتٍ وثلاثة أفرادٍ بسبب انتهاكاتٍ ارتُكِبَت ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وذلك، على وقع استمرار هجمات المستوطنين وترهيبهم للفلسطينيين، والسطو على أرزاقهم وممتلكاتهم. والخطوة الأوروبيّة، التي طال انتظارها، توافقت مع أخرى اتخذتها الأمم المتحدة عبر إدراج إسرائيل على القائمة السوداء للعنف الجنسيّ المرتبط بالنزاعات، على الرغم من "الجهود الإسرائيليّة لعرقلة الخطوة" خلال الأسابيع الماضية. وردّت وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة بالإعلان عن قطع علاقاتها رسميًا مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اتهمته باستغلال منصبه "لفبركة اتهاماتٍ لا أساس لها من الصحة ضد إسرائيل". على الضفة الأخرى، أعلن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني عن تحقيق تقدّمٍ ملموسٍ جديدٍ في ملف إزالة مخلفات الأسلحة الكيميائيّة المرتبطة بحقبة النظام السابق. وأكد العثور على كمياتٍ من الذخائر والمواد والمعدات الخاصة بالتصنيع والتخزين، وتأمينها بالكامل تمهيدًا لإتلافها.

وركّزت الصحف العربية، الصادرة اليوم الجمعة، في عناوينها وتحليلاتها المنشورة على الآتي:

اعتبرت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "المفاوضات بين الطرفين لا تزال تتسم بالتعقيد، إذ تشهد حالة مستمرة من الشدّ والجذب حول تفاصيل البنود النهائية، فالولايات المتحدة تدفع باتجاه اتفاق يتضمن قيودًا صارمة وآليات رقابة دقيقة تحول دون تطوير إيران لقدرات نووية ذات طابع عسكري، بينما تسعى طهران إلى الحفاظ على مساحة من المرونة، تتيح لها الاستمرار في برامجها العسكرية". وقالت إن "إيران لا تبدو مستعدة للتخلي بسهولة عن أوراقها الرابحة، فشبكة الحلفاء والوكلاء في المنطقة تمثل ركيزة أساسية في سياستها الخارجية، والتخلي عنها أو تقليص دورها بشكل جذري يتطلب تحولًا عميقًا في العقيدة السياسية الإيرانية، وهو أمر لم تظهر له أي مؤشرات ملموسة بوضوح حتى اللحظة الراهنة".

وتحت عنوان "أميركا: الحليف الهشّ... والبديل"، كتبت صحيفة "الجريدة" الكويتية أن الحرب الأميركية - الإيرانية "كشفت هشاشة هذا الحلف مع دولنا، فقد كانت عقيدة أميركا الدفاعية والقتالية، ولا تزال، هي حماية أصولها وقواعدها وجيشها ومواطنيها! ولم تكن الدول العربية والإسلامية تمثّل همًّا لأميركا كي تحميها! ولولا الاستعداد الفائق والحيطة والحذَر والحكمة في التعامل مع هذه الحرب من قبل قياداتنا الخليجية لكان تدمير دولنا من قِبَل إيران سهلًا". ودعت إلى أما أسمته "الاستيقاظ قبل فوات الأوان، ورؤية الحقيقة كاملة جليّة بلا رتوش أو غموض أو تمويه. فكما بدأت أوروبا بالاعتماد على نفسها، فقد آن الأوان للدول العربية أن تعتمد على نفسها، وأن يكون تحالف السعودية وباكستان وتركيا ومصر منطلقًا لرسم إطار وسياسات تحالفاتنا الآنية والمستقبلية!".

على المقلب الآخر، رأت صحيفة "الأهرام" المصرية أن "عملية طوفان الأقصى كشفت الوجه القبيح لازدواجية المعايير الدولية في حماية حقوق الإنسان. والمشكلة الأكبر هي ضعف قدرات المنظمات الدولية خصوصًا مجلس الأمن، والأمم المتحدة، والأونروا، والصليب الأحمر، وغيرهما من المنظمات الأممية على تنفيذ صلاحيتها، وعدم قدرة تلك المنظمات الأممية على حماية تلك الصلاحيات، وتنفيذها". وشددت على أنه من بين أهم الخطوات الواجب اتخاذها "هو دعم دور المحكمة الجنائية الدولية، وضمان عدم تسييس إجراءات التحقيق والإحالة بها، وكذلك تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية دون تمييز".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن