مسارات الاتفاق الأميركي- الإيراني

قد يكون الذهاب إلى اتفاق مبادئ بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران مدخلاً مهماً لتسوية ما طرح طوال الأسابيع الأخيرة من اتصالات ومفاوضات بين طرفي المعادلة والأطراف المعنية. فصحيح أن التوصل لاتفاق أوّلي مهم، ولكن الأهم نجاح الطرفين في المُضي قُدماً في تنفيذه، خاصة مع استمرار التجاذب بين الطرفين على الأولويات التي تحكم كل طرف، كما أن العمل وفق إطار زمني سيحتاج إلى توقيتات أخرى ترتبط بسلوك كل طرف على حدة، ولعل الوسيط الباكستاني يدرك ذلك، وربما سيدخل وسطاء آخرون إلى جواره لاحقاً، خاصة أن التفاصيل ممتدة ولا تتوقف عند حدود البرنامجين النووي والفضائي، بل سيمتد إلى ملفات التعويضات والعقوبات، إضافة للسلوك الإيراني في الإقليم.

وفي المقابل فإن إيران لها حساباتها السياسية والاقتصادية والمتعلقة بمنظومة العقوبات وضرورة رفعها تدريجياً وفق تصور أميركي، لكن الواقع يفترض أن التوصل لحلول نهائية أمر صعب، وأن الاعتماد على مقاربات الحل المؤقت سيكون مطروحاً لبعض الوقت لحين اتضاح الصورة، خاصة أن هناك ردود فعل إسرائيلية ستتحرك في اتجاه آخر، وإنْ قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو تكتيكياً بالتوافق مع الاتفاق المبرم، بصرف النظر عن مضمونه.

في كل الأحوال ترى إسرائيل أن الحل ليس في اتفاق مرحلي أو دفعة واحدة، وإنما في ما هو آتٍ، خاصة أن لإسرائيل متطلباتها الأمنية التي لن تتراجع عنها، بل ستعمل على التعامل مع إيران انطلاقاً من أنها ستظل خطراً حقيقياً ينبغي التعامل معه بالكامل، وليس فقط التخوف من امتلاكها سلاحاً نووياً أو برنامجاً صاروخياً قادراً على إمطار إسرائيل بالصواريخ، الأمر الذي ينبغي التعامل مع تبعاته.

وتدرك إسرائيل أن الخلافات مع إدارة ترامب ستستمر، وأن استعادة حرب الظل مع إيران – حال تقبُّلها الاتفاق الراهن - سيكون حلاً مؤقتاً إلى حين التوصل إلى حل شامل للمعضلة الإيرانية بالكامل، ويمكن اعتبار روسيا والصين ضمن هذه الأطراف لحسابات متعلقة بالتعامل مع إيران كحليف مهم وشريك استراتيجي يتجاوز بالفعل ما يربط الأطراف الثلاث بإشكالية أمن الطاقة وملفات أخرى، فالعلاقات بين هذا الأطراف باتت تُشكّل محوراً مهماً قد يكون- حال انضمت إليه باكستان لاحقاً ، برغم بعض الخلافات في المواقف – مؤثّراً ومهماً، بل ومهدداً لمصالح إسرائيل في سياقها العام.

والسؤال الرئيسي: هل ستقبل إدارة ترامب حال التوصل لاتفاق بالمتطلبات الإسرائيلية وتتعامل معها، أم أنها ستراجع مجمل سياستها في حدود توافقاتها مع إسرائيل ومستوى العلاقات بين الجانبين، خاصة أن جهات عدة في إسرائيل، وعلى رأسها قيادات المؤسسة العسكرية باتت تطالب بحوار استراتيجي وفاعل بين الجانين؟ كما أن التوصل لاتفاق مع إيران، برغم المتطلبات الأمنية الإسرائيلية الملحّة، سيفرض مراجعة مجمل العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، وفي ظل ما سيجري في الإقليم من متغيرات بعد انتهاء الحرب والشروع في تنفيذ بعض بنوده، وفقاً لما سيتم التوصل إليه من الجانبين، وهو ما تدركه إسرائيل.

سيظل الخطر الإيراني مطروحاً، والأوضاع في إيران لن تهدأ، بل قد تتصاعد بالفعل صراعات كبرى قد تؤدي إلى تغيير النظام بأكمله، الأمر الذي قد يعوق تنفيذ الاتفاق الرئيسي مع واشنطن، خاصة أن مستوى التجاذب داخل الخريطة الإيرانية كبير وممتد، ويواجه بمعضلة رئيسة، أهمها أن وضع الداخل الإيراني محتقن ومتوتّر، ويكشف عن أزمة بنيوية في قلب النظام، وأن ما سيجري سيظل مرتهناً بالتعامل الرسمي والخروج من حالة التأزم إلى حالة أخرى من التوازن ولو الشّكلي، خاصة أن إدارة ترامب ستظل تراقب عن قرب، وستعمل على رصد كل المتغيرات الجارية داخل إيران، وستعمل على نقل رسالة إلى الشركاء بأنها لا تزال تمسك بزمام الأمور وعلي تهدئة الإقليم من التوترات الحالية، وهو أمر صعب التوصل إليه في ظل تصاعد النزعة العسكرية لدى إسرائيل ومسعاها لفرض خياراتها العسكرية، ما يجعل ما سيتم التوصل إليه من نقاط توافق خطوة في مسار طويل.

واستعادة إدارة ترامب للشركاء على وجه الخصوص ستحتاج إلى وقت وإلى إعادة بناء الثقة في ما هو جارٍ من العلاقات، الأمر الذي سيتم طرحه في سياق تساؤل مؤداه: هل الشركاء بالفعل في حاجة إلى علاقاتهم مع واشنطن، وليس مع إدارة ستذهب في وقت لاحق، الأمر الذي سيتعلق بمستقبل الوجود العسكري في المنطقة، وحاجة الشركاء لبناء منظومة إقليمية جديدة مع مراقبة السلوك الإيراني وكيفية التعامل معه؟ ما بعد التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، سيفتح الباب أمام ملفات عدة وحسابات مختلفة وتوجّهات ستعلن عن نفسها في إطار من المصالح الكبرى للشركاء المسؤولين في الإقليم وليس للولايات المتحدة فقط.

(الاتحاد الإماراتية)

يتم التصفح الآن