النظريات بصورة عامة هي نظارة نستعملها لنرى ونفهم بها الأحداث، ولكل نظارة أبعاد معينة تدركها وتصلح لتفسيرها، فما هو طويل النظر لا يصلح لما هو قصير النظر والعكس صحيح. ولكل نظرية لحظة علو، يشعر الناس أنها هي التي تصلح لتفسير كل ما يجرى من حولنا، لكن ما من نظرية إلا وتأخذ وقتا وتصلح في سياق، ثم تتطور الأمور في أرض الواقع فتتجاوز النظرية، وإدراكها، وأبعادها، ويفرض الواقع نفسه، فنعود لتلميع النظارة أو حتى استبدال العدسات لعلنا ندرك ما لم ندركه من قبل.
منذ الحرب الباردة وحتى الآن توالت ثلاث نظريات رئيسية تفسر الكثير مما يجري فى العالم، وهى ليست كلها نظريات جديدة وإنما ارتفعت مكانتها طبقًا لمجريات الأمور. أول هذه النظريات هي نهاية التاريخ، وهي التي صاغها فرانسيس فوكوياما في نهاية الحرب الباردة والتي ترى أن الولايات المتحدة انتصرت بالليبرالية على ألمانيا النازية في النصف الأول من القرن العشرين، ثم على الاتحاد السوفييتي والشيوعية في النصف الثاني من القرن العشرين. يقع في القلب من هذه النظرية فكرة أنه كلما زاد عدد الديمقراطيات في العالم، على غرار الديمقراطية الغربية، كلما زاد السلام والاستقرار وتراجعت الحروب، وذلك لأن الديمقراطيات لا تحارب بعضها البعض وإنما تستعمل الأطر السلمية مثل المنظمات الدولية لحل خلافاتها، فيما يعرف بنظرية السلام الديمقراطي. ولكن هذه النظرية كانت على موعد مع أحداث 11 سبتمبر 2001 وما لحقها من حروب، والتي تبين منها أن دفع العالم للديمقراطية لم يصنع السلام، فتراجعت وأخذ الناس في البحث عن نظارة أخرى.
هنا حلت نظرية صراع الحضارات التي صاغها صامويل هنتنجتون، بعد نهاية الحرب الباردة واعتبرت أن أحداث العالم تجرى وفقًا للصراع بين الليبرالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وبين كل من حضارة الصين والحضارة الإسلامية. وفي القلب من هذه النظرية تأتي مسألة موجات انتشار الديمقراطية التى تواجه معضلات وتتراجع في العديد من الأماكن. لم تدرك هذه النظارة أهمية القوميات التي هي أعمق من الحضارات بالنسبة للدول. فالحضارة تمثلها الدولة الرائدة وتنتمى إليها العديد من الدول، ويتوزع عبء الدفاع عنها على عدة أطراف بقيادة الدولة القادرة أو التي ترفع راية الحضارة.
وفي حالة العالم الإسلامي فإن القوميات أهم من فكرة الحضارة بالنسبة للأمن القومي للدول، وذلك لأن أولويات الدول هي الدفاع عن نفسها والبقاء، وليس حماية الحضارة. ومن ثم فقد فشل تحليل هنتنجتون في إدراك أن البعد القومي أشد ارتباطًا بالأمن ومن ثم بالأحداث من الحضارة التي يدخل فيها أبعاد أخرى متنوعة. ومع عودة التنافس إلى أشده بين الدول الكبرى لاسيما روسيا والصين بعد انتخاب ترامب في مدته الأولى عام 2017، تبين أن مسألة القوميات أهم من الحضارات، ومن ثم بحث الناس عن نظارة أخرى أعمق نظرًا.
هنا بزغت نظرية قديمة متجددة، وهي توازن القوى، التي صاغها جون ميرشايمر عام 2001 في صورتها الجديدة باسم الواقعية الهجومية. في القلب من هذه النظرية أن العالم يخضع لتوازنات القوة، وأن الدولة التي تصل إلى الهيمنة على إقليمها لا تريد أن ترى أي مهيمن فى أي إقليم آخر، وذلك لأن المهيمن يدرك أن بزوغ مهيمن آخر لا يتوقف عند حدود إقليمه وإنما سيعمل على بسط هيمنته على الأقاليم الأخرى. تصلح هذه النظرية لتفسير الأحداث التي تقع في عالم متعدد الأقطاب، بمعنى وجود مهيمنين على الأقاليم. فمع رئاسة ترامب الأولى تحول من احتواء الصين إلى الضغط عليها، مع إدراكه أن احتواءها لن يمنع صعودها فى الإقليم لاسيما بعد تغير واقع الحكم في هونغ كونغ عام 2020 إثر تصديها لسلسلة من المظاهرات الحاشدة التى فشلت أمام سياسة الحكومة المركزية في بكين. ومن ثم تحول الواقع الاستراتيجي الإقليمي إلى الخطر فى تايوان وما يليها من جزر مثل اليابان والفلبين. كما صاحب ذلك عودة روسيا إلى سباق الدول الكبرى، بداية من اقتطاع القرم عام 2014، ثم التدخل في سوريا عام 2015، ثم الحرب الأوكرانية عام 2022.
اتصالًا بذلك، فإن الولايات المتحدة مهيمنة في الإقليم الغربي، وتعيد التذكير بقيادتها في الأمريكيتين عبر ما تفعله في فنزويلا وكندا والمكسيك وكولومبيا، والآن في كوبا. وتكرر نفس الشىء مع حلفائها في أوروبا عبر مسألة جزيرة جرينلاند، وأيضًا عبر إدارتها للحرب الأوكرانية التي كلفتها الكثير، فنقلت أعباءها على الأوروبيين دون أن تنسحب من المشهد. فهي لن تترك لروسيا مساحة للتمدد الإقليمي، بل ستبقى في حالة توازن مع أوروبا فقط. واستغلت مجريات الحرب لكى تبرم اتفاقًا للمعادن النادرة مع حكومة زيلينسكي، والذي بموجبه وضعت أيديها على موارد أوكرانية في منتهى الأهمية لصناعات المستقبل. كما تقوم بدور مشابه في الشرق الأوسط، فهى من ناحية انخرطت مع إسرائيل في حرب إبادة جماعية فى غزة، وسمحت لها بمواجهة كل جبهة على حدة من لبنان إلى اليمن إلى سوريا.
ثم شاركتها فى حرب إقليمية شرسة على إيران. لكن الأخيرة لم تُحسم بعد ووصلت إلى نتائج كارثية، فلا نظام إيران سقط، ولا هيمنتها في الخليج العربى تراجعت، بل زاد الطين بلة وتحكمت في مضيق هرمز. في هذا السياق نفهم تهديد ترامب لسلطنة عمان بتعرضها لضربات أمريكية حال اتفاقها مع إيران على إدارة مضيق هرمز. من فضلك أعد قراءة الفقرة السابقة، وأجب عن السؤال التالي: هل الولايات المتحدة جزء من أوروبا، أو الشرق الأوسط؟ من هنا تكتسب نظرية ميرشايمر قدرتها على التحليل. فأمريكا لا تريد بزوغ أي قطب في أي إقليم لأنها تدرك التبعات.
وقد يعتبر البعض أن انخراطها بهذا المستوى في أكثر من إقليم للحد من بزوغ أو صعود منافسين – مما يعبر عن تعدد الأقطاب – لا يمنعها من متابعة المنافسة مع الصين لدرجة التربص بها. صحيح أن مخزونات الأسلحة الأمريكية والذخائر في تناقص، وصحيح أن الصين ودولًا أخرى عديدة تدرس ما تقوم به الولايات المتحدة من استراتيجيات في حملاتها العسكرية وسياساتها لاحتواء صعود المنافسين، لكن هذا لا يعني أن أي قوة مما سبق استعراضها مستعدة لدفع ثمن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة إلا إذا فُرضت عليها مثل حالة إيران.
وبالنظر إلى منطقتنا بهذه النظارة، نرى أن آخر مرة كان في الشرق الأوسط قطب مهيمن كانت الدولة العثمانية التي انتهت منذ أكثر من 100 عام، ومن بعدها تواجدت أقطاب متعددة بعضها تراجع. وهذه البيئة الاستراتيجية من مفهوم الواقعية الهجومية هي بيئة مثالية لعدم الاستقرار وتكرار الحروب، لأن كل دولة لا تأمن للقوة الصاعدة في الإقليم، ولذلك تتوالى الحروب في منطقتنا. وطالما غاب أي توازن قوى مقابل المساندة الأمريكية لإسرائيل، فإن المشهد الحالي سيستمر لحين استحداث قوة التوازن.
(الشروق المصرية)

