صحافة

"المشهد اليوم".. حَربُ استِنزافٍ في هُرْمُز وواشنطن تُشَدِّدُ حِصارَها البَحرِيّ! ترامب يَطلبُ مِن نتنياهو الانسِحابَ مِن سوريا ولبنان.. ويؤكِّدُ "انتِفاءَ" ضَرورَةِ الوجودِ العَسكَرِيِّ في العراق


سفينة في مضيق هُرمز كما تظهر من محافظة مسندم بسلطنة عُمان اليوم (رويترز)

على الرغمِ من المحاولاتِ المُضنية لإعلاء لغة الديبلوماسيّة والحوار، وعدم العودة إلى الحرب وتبعاتها، إلا أن "مذكرة التفاهم"، التي أوقفت القتال مؤقتًا، سقطت "بالضربةِ القاضيةِ"، وسطَ مؤشراتٍ متزايدةٍ على أن المواجهة بين واشنطنَ وطهران ستطول لاستمرار الملفات الخلافيّة على حالها. ويعتبر مضيق هُرمز أبرز هذه الملفات، مع إصرار النظام الإيرانيّ على الاحتفاظ بهذه الورقة الاستراتيجيّة وعدم التفريط فيها. بينما يرفض الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب هذا الأمر، مستخدمًا الضغط العسكريّ والاقتصاديّ لدفع طهران إلى تبديل مواقفها و"تليينها". وبين هذين الموقفين، يحبسُ العالمُ أنفاسه متخوفًا من تمدّد الصراع وخروجه من عقاله، لا سيّما بعد عودة التوترات في اليمن إلى واجهة الأحداث، أول من أمس الاثنين، مع دخول الحوثيين على الخط، وما يعنيه ذلك من التلويح بورقة باب المندب، التي تشكّل عاملَ ضغطٍ لا يقلُّ أهميةً عن مضيقِ هُرمز.

ويصعّب انعدامُ الثقة بين واشنطنَ وطهرانَ أيّ مسارٍ دبلوماسيٍّ لتبديد الهواجس، وبالتالي تحقيقِ خرقٍ ملموسٍ في المباحثاتِ، التي يبدو أنها دخلت في مرحلةِ "غيبوبةٍ"، مع أن الوساطات لم تتوقفْ لردمِ الفجواتِ وتقريبِ وجهاتِ النظرِ المتباعدة. لكن التصعيدَ الميدانيّ يبدو أسرعَ من المسارِ التفاوضيّ، مع استمرارِ الهجمات الأميركيّة على إيران، بالتزامن مع استئنافِ الحصار البحريِّ المفروضِ على الموانئ والسواحل الإيرانيّة، الذي يؤثر مباشرةً على اقتصادِها ويحرمها من تصدير نفطها. وفي هذا السياق، أعلنت القيادةُ المركزية الأميركيّة (سنتكوم) أن أكثر من 20 سفينةٍ حربيّةٍ تابعةٍ للبحريةِ ومئاتِ الطائراتِ العسكريةِ منتشرةٌ حاليًا في أنحاءِ الشرقِ الأوسط، وأن قواتها "تبقى متيقظة وقادرة على توجيهِ ضرباتٍ فتاكةٍ، وعلى أهبة الاستعداد". وتكشف خريطة الأهداف، أن واشنطن تُرّكز على المواقع المرتبطة مباشرةً بالمضيق والممرات المؤدية إليه. وتقع بندر عباس وجزيرة أبو موسى وميناء جاسك، على امتداد المجال البحريّ للمضيق، وتضمُّ كنارك وتشابهار قواعد ومرافق بحرية على بحرِ عُمان، بينما تُشكِّل بوشهر نقطةً مهمةً على الساحلِ الإيرانيّ في الخليجِ العربيّ. إلى ذلك، كشف ترامب أن الولايات المتحدة عقدَت محادثاتٍ مع طهرانَ، أمس الثلاثاء، وحثّتها على إبرامِ اتفاقٍ، قائلًا: "أبلغنا الإيرانيين أن عليهم التوصل إلى اتفاقٍ وإلا فلن يبقى لديهم شيء". وأضاف: "سنضربُ إيران بقوةٍ الليلة وغدًا وبعد غدٍ، وسنستهدفُ في المرحلة النهائيّة محطات الطاقة والجسور"، متوعدًا باستهداف "جميع جسورهم ما لم يوافقوا على العودةِ إلى طاولةِ المفاوضات". كما أشار إلى أن واشنطنَ تُراقبُ موقع جبل الفأس بعد "ورودِ معلوماتٍ عن وجود نشاطٍ فيه"، مهددًا بالرّد الفوريّ على أيِّ تحركٍ إيراني.

وتراجع الرئيس الأميركيّ عن خطوة فرض رسومٍ على السفن العابرة لمضيق هُرمز بنسبة 20 في المئة، لما تسببه من اضطراباتٍ وارتفاعٍ مطردٍ في الأسعار. لكنه أعلن، في المقابل، أنه سيستعيض عن ذلك بتوقيع اتفاقياتٍ تجاريةٍ مع دول الخليج "الحليفة". من جهته، عقد البرلمان الإيرانيّ جلسةً علنيّةً لمناقشة مشروع قانون يخصّ إدارة المضيق وتحديد مسارات العبور وتحصيل الرسوم من تقديم الخدمات، في تحدٍ جديدٍ لواشنطن. وتختصرُ هذه الجلسة، التي تُعّدُ الأولى منذ بداية الحرب، الخطوات المتخذة من جانب نظام "الثورة الإسلاميّة" لإضفاء صفة "الفورية" على مشروع قانونٍ يُحدّدُ ترتيبات الملاحة في هُرمز ويضعه في سلّم الأولويات. ويأتي ذلك بشكلٍ خاص، بعد اللقاء الذي جمع وزير الخارجيّة عباس عراقجي مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي خلال الأيام الماضية، لبحث آلية عبور السفن، لكن من دون تحقيقِ أيِّ تقدمٍ جديٍّ في ظلِّ وجود تبايناتٍ بين مسقط وطهران. ولطالما لعبت سلطنة عُمان أدوارًا متقدمةً في المفاوضات والوساطات، ونُظر إليها باعتبارها أحد أبرز حلفاء النظام الإيرانيّ بين دول الخليج العربيّ. لكن ذلك لم "يشفعْ" لها، فتعرّضت أراضيها لاعتداءاتٍ بمُسيّراتٍ إيرانيّةٍ على مدار اليومين الماضيين، بشكلٍ يَطرحُ أكثر من علامةِ استفهامٍ حول كيفيةِ إدارةِ نظام "ولايه الفقيه" لعلاقاته بدولةٍ جارةٍ وصديقةٍ كان لا يزال يفاوضها قبل ساعاتٍ قليلة. ويكشف ذلك عن خللٍ شديدٍ في إدارة الأزمة، كما يؤشر على وجود مراكز متعددّة لصنع القرار داخل طهران، مع استمرار الغموض بشأن المرشد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر إلى العلن، ولو مرةً واحدةً، في توقيتٍ بالغ الحساسيّة تشهده البلاد.

لكن سطوة "الحرس الثوري" تبدو واضحةً على مختلف الأصعدة، ما يُعرقلُ المباحثات ويجعلها أشبه بـ"قنبلةٍ موقوتةٍ"، لأن ثمّة من يعتبر التفاوض "ضعفًا" والموافقة على البنود الأميركيّة "تنازلاتٍ"، ويتمسك بالخيار العسكريّ وتَحَمُلِ كلفة الحرب. وعلى العكس من ذلك، يرى الرئيس مسعود بزشكيان أن الأمور لا تحتملُ المزيد من المماطلة، وأن خيار التوافق مع الولايات المتحدة ضرويٌ ومطلوبٌ، للتخفيف من الأزمات التي تعاني منها البلاد. وأعلنت وزارة الخزانة الأميركيّة، أمس الثلاثاء، عن فرضِ عقوباتٍ جديدةٍ شملت عددًا من الأفرادِ والكياناتِ والسفنِ المرتبطة بإيران. فيما سمحَ الترخيصُ ‌‌‌‌العام، المُعلن عنه أيضًا، بإنهاء بعض الأنشطة وإجراء مُعاملاتٍ مُعينةٍ تتعلق بالسلامة والبيئة، وتفريغ شحناتٍ تضمّ أشخاصًا أو سفنًا محظورةً اعتبارًا من 14 تموز/يوليو الجاري. وانعكس التصعيد على أسواق النفط، فارتفع سعر برميل خام برنت بنسبة 5.1 في المئة ليبلغ 87.51 دولارًا، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3.9 في المئة إلى 81.21 دولارًا للبرميل. فبعد فترةٍ من التفاؤل، عادت الأمور إلى نقطة البداية، ما يُعَقِّدُ التوصلَ إلى حلولٍ سريعةٍ في ظلِّ عدم امتلاك أيٍّ من الطرفين القدرةَ على تحقيقِ أهدافه و"التفوق" على الآخر. وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، فإن النظامين الأميركي والإيراني عالقان في لعبةِ "حافة الهاوية"، إذ لا تستطيع واشنطن فرض فتح المضيق بالقوة، كما لا يمكن لطهران الاستمرار في إغلاقه من دون تحمل كلفةٍ اقتصاديةٍ وسياسيّةٍ مُتزايدة.

في هذه الأجواء، تبدو الدول الأوروبيّة مترددةً ممّا يُمكن أن يؤدي إليه هذا الصراع المُتجدّد، بينما تخشى دول الخليج الانجرار إلى مواجهةٍ مباشرةٍ مع إيران، خصوصًا أن منشآتها الحيوية تتعرّض لاستهدافاتٍ مباشرةٍ يُعلِنُ عنها "الحرس الثوري"، ويجد لها المبررات. في هذا السياق، أدانت السعودية بأشدّ العبارات الاعتداءات الإيرانيّة المتكرّرة على السفن التجارية في مضيق هُرمز، وعلى الكويت والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عُمان والأردن. وأكدت رفضها التام لاستمرار طهران في سلوكها المزعزع لأمن المنطقة، وانتهاكاتها لمبادئ القانون الدوليّ وميثاقي الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلاميّ، وقواعد حسن الجوار. وجاء هذا الموقف، الذي اتّسم بنبرةٍ عاليةٍ، خلال ترؤس ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان جلسةَ مجلسِ الوزراء، أمس الثلاثاء، في جدة. كما أتى بعد الأحداث الصباحيّة، حين أعلنت المنامة عن اعتراضِ وتدميرِ عددٍ من الصواريخ والطائرات المُسيّرةِ الإيرانيّةِ قبل وصولها إلى أهدافِها. بينما أكدت عُمَان اعتراضَ وإسقاط أربعة صواريخ دخلت مجالها الجويّ. أما الجيش الكويتيّ، فأفاد، مساء أمس الثلاثاء، بأنه تصدى لاعتداءاتٍ جويةٍ متكرّرة. وهذا الجوّ القاتم المُؤَهَّل للتفاقم يزيد ضبابية المشهد، خصوصًا بعد إبلاغ ترامب الكونغرس رسميًا بأن الضربات التي استُؤنِفَت في السابع من الشهر الحالي، تُمثّلُ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ من الأعمالِ القتاليّة ضد إيران. وبذلك، فتحَ مهلةً جديدةً من ستينَ يومًا يستطيعُ خلالها مواصلة العمليات العسكرية من دون تفويضٍ تشريعيٍّ صريح. بالتوازي، لا يغيب "طيف" رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو عن الأحداث، بوصفه من أبرز الرافضين للخيار الديبلوماسيّ ولطالما عوّل على فشل المحادثات والعودة إلى الحرب.

وتضاربت الأنباء بشأن الزيارة المُحتملة لنتنياهو إلى الولايات المتحدة الأسبوع المقبل ولقائه ترامب، فتحدّثت وسائل إعلام إسرائيليّة عن احتمال توجهه إلى واشنطن خلال الأيام المقبلة. في حين أوضح مسؤولٌ أميركيٌّ رفيع المستوى، أن الزيارة ليست مُدرجة حتى الآن على جدول أعمال ترامب. ويأمل نتنياهو مناقشة الخطوات المستقبليّة ضد إيران، إلى جانب التطورات الأخرى الجارية في المنطقة، خصوصًا بعد توالي المعلومات عن تبايناتٍ في وجهات النظر واختلافاتٍ في مقاربة العديد من الملفات. فموقع "أكسيوس" كشف مجددًا عن مكالمةٍ "عاصفةٍ" بين الرجلين، بعد طلب ترامب من نتنياهو البدء في سحب القوات الإسرائيليّة من الأراضي السورية، واتخاذ خطوةٍ مماثلةٍ في لبنان للتخفيف من حدّة التصعيد. لكن الأخير تذّرع بالحاجة إلى إقامة "مناطق أمنيّة على طول حدود إسرائيل"، بهدف منع تكرار أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ومن المستبعد أن يتّخذ نتنياهو خطواتٍ جوهريةً في هذا الإطار، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات، وسعيه إلى الحفاظ على مسيرته السياسيّة. لذلك، ستتصدّر المماطلة والتسويف المشهد، ما يتّضح من خلال المسار المُتَّبع في الملف اللبنانيّ. وعقد وسطاء أميركيون، أمس الثلاثاء، اجتماعًا في روما مع دبلوماسيين إسرائيليين ولبنانيين، لبحث تنفيذ اتفاق الإطار الذي وَقَعَهُ لبنان وإسرائيل قبل أسابيع. وشكّلت "المناطق التجريبية" وآلية العمل لتنفيذها محور الجلسة الأولى، التي عُقدت ظهرًا، بعد تأخر انطلاقها نحو ساعةٍ لأسبابٍ لوجستيّةٍ، من دون الإعلان بعدها عن التوصل إلى أيّ اتفاقٍ نهائيّ.

ويتمسّكُ الجانب اللبنانيّ بالبدء من مناطق تتمركز فيها إسرائيل جنوب نهر الليطاني، بينما يطرح الجانب الإسرائيليّ بلدات أخرى مختلفة، كالغندورية وفرون (في قضاء بنت جبيل)، وزوطر الغربية (في قضاء النبطية) شمال نهر الليطاني. ويؤكد المسؤولون في لبنان أن الجيش على أهبة الاستعداد لتسلّم المناطق، بعد انسحابِ قوات الاحتلال منها، ما عرضه الوفد في مفاوضات روما. في حين قال وزير الخارجية الإسرائيليّ جدعون ساعر: "نحن مستعدون للمضي قدمًا في هاتين المنطقتين التجريبيتين". وأضاف: "آمل، وأعتقد أن هذه الجولة من المناقشات ستدفع نحو إنجاز ذلك". لكن الأمور تبقى رهنًا بالتطورات مع استمرار الاستهدافات الإسرائيليّة والخروقات اليوميّة لوقف النار. إذ تعيش معظم القرى الجنوبيّة على وقع الغارات المستمرة، فضلًا عن النسف اليوميّ للبنى التحتيّة وحرق المنازل، في مشهدٍ يُعيد أحداث قطاع غزّة إلى الذاكرة. فتلّ أبيب تتباهى بالخراب، تمامًا كما تَفَاخَرَ وزيرُ الدفاع يسرائيل كاتس بالدمار الذي لحق بالقطاع، معتبرًا أنه أتى "كنتيجةِ سياسةٍ مدروسةٍ، وأن مشاهدته تمنحه شعورًا جيدًا". ومن هنا، تتسارعُ الخطوات اللبنانيّة لتجنيب البلاد المزيد من الفوضى، مستعينةً بعلاقاتها الديبلوماسيّة والخطوات الأميركيّة الداعمة في هذا المجال. لكن تصويب "حزب الله" المستمرّ على الدولة وأركانها يزيد الانقسام الداخليّ، ويُعقِّدُ إيجاد حلولٍ لمسألة سلاح الحزب، الذي يعتبر أولويةً قصوى في المرحلة الراهنة.

وتكرّست هذه الأولوية خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض، واللقاء الذي عقده مع ترامب. إذ شدّد خلاله على أن حكومته لن تسمح لأيّ جهةٍ بحمل السلاح خارج إطار الدولة، بعد انتهاء مهمة قوات التحالف الدوليّ نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل، مؤكدًا تسلّم أسلحةٍ من بعض الفصائل. وعبّر الزيدي عن رغبة العراق في نقل العلاقات الثنائيّة من إدارة الأزمات إلى بناء الفرص الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأميركيّة، مع الحفاظ على التوازن في علاقاته الإقليميّة. من جهته، أثنى ترامب على الزيدي، معتبرًا أن إيران تمثلُ "عبئًا كبيرًا" سيتخلّص منه العراق. وإذ أوضح أن تعزيز دور الدولة وإنهاء نفوذ الجماعات المسلحة سيفتح الطريق أمام مرحلةٍ جديدةٍ من الاستقرار، من دون الحاجة إلى وجودٍ عسكريٍ أميركيٍّ، أعلن عزمه الكشف عن شراكةٍ نفطيّةٍ كبيرةٍ الأسبوع المقبل. ولا تُقرأ زيارة الزيدي إلى واشنطن باعتبارها مجردَ محطةٍ دبلوماسيّةٍ في أول جولةٍ خارجيّةٍ له منذ توليه المنصب، بمقدار ما هي اختبارٌ سياسيٌّ يجري في توقيتٍ إقليميٍّ بالغ التعقيد، وفي ظلّ ضغوطٍ تُمارسها واشنطن على بغداد لكفّ يد طهران، والحدّ من نفوذها الإقليميّ. ومن الزيارة العراقيّة التي ستتكشف نتائجها تباعًا، إلى الأوضاع في غزّة، مع الإعلان عن سقوط المزيد من الشهداء والجرحى نتيجة الغارات الإسرائيليّة المتواصلة، على الرغم من الهدنة السارية منذ أشهر. واستهدفت الغارات، أمس الثلاثاء، مدير مركز شرطة جباليا، محمد سالم، وعددًا من الضباط والأفراد. وتسعى تلّ أبيب إلى نشر الفوضى بشكلٍ يتوافق مع خطة الاحتلال، القائمة ليس فقط على عدم الانتقال إلى المراحل التالية من خطة وقف الحرب، بل ربما على ما هو أبعد من ذلك، وسط التلويح بالعودة إلى الاستيطان في القطاع.

والدعوة للاستيطان في غزّة، التي تكرّرت على لسان عددٍ من المسؤولين الإسرائيليين مؤخرًا، تترافق مع توسّع هذا النوع من المشاريع في الضفة الغربيّة المحتلة. إذ أعلنت حكومة الاحتلال عن تخصيص 8.5 مليارات شيكل (أي نحو 2.8 مليار دولار) لتوسيع مستوطنات الضفة، وبناء آلاف الوحدات الاستيطانيّة الجديدة. ووصفت القناة الرابعة عشرة الإسرائيليّة الاتفاقيةَ بأنها خطوةٌ "عملاقةٌ" تهدف إلى توسيع المستوطنات و"تغيير وجه المنطقة". وتؤكد هذه الخطوات أن تلّ أبيب تضرب عرض الحائط بجميع قرارات الشرعيّة الدولية، وتستمر في مخططاتها التوسعيّة، مستفيدةً من الصمت الدوليّ والدعم الأميركيّ والانقسام الأوروبيّ. ويتمثّل أبرز مظاهر هذا الانقسام في التحفظ الألمانيّ، الذي حال حتى الآن دون تحويل الدعوات للمحاسبة إلى خطواتٍ عمليّة. وهذا ما يبقي المشروع الاستيطانيّ بعيدًا عن أي إجراءاتٍ رادعةٍ وحاسمة. في إطارٍ آخر، رفض الاتحاد الأوروبيّ التهديدات الموجّهة ضد محكمة الجنائيّة الدوليّة في ضوء الحملة الأميركيّة، الهادفة إلى القضاء عليها وتقييد عملها بشكلٍ غير مسبوق.

المستجدات الإقليميّة والمحليّة كانت محط اهتمام الصحف، التي صدرت في العالم العربي اليوم الأربعاء، إذ ركزّت على المواضيع الآتية:

كتبت صحيفة "الدستور" الأردنية أن "دول الخليج اليوم ليست في حالة بحث عن مواجهة مع إيران، بل تحاول بكل الوسائل تجنبها. فهي تدرك أن أي صاروخ يسقط في المنطقة لن يميز بين ناقلة نفط وميناء ومنشأة اقتصادية، وأن أي مواجهة عسكرية ستنعكس مباشرة على اقتصاداتها وأسواق الطاقة والاستثمار وحركة التجارة العالمية. لذلك فإن أولوياتها تختلف جذريًا عن أولويات واشنطن، التي تستطيع خوض صراعاتها على بعد آلاف الكيلومترات، بينما يعيش الخليج نتائجها في اليوم نفسه". وأضافت أن "المنطقة اليوم تحتاج إلى تهدئة، لا إلى تسعير الحروب. وتحتاج إلى بناء منظومة أمن إقليمي قائمة على الحوار والردع المتوازن، لا على فواتير الحماية. فالأمن لا يُباع ولا يُشترى، والاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يصنعه التفاهم بين الجيران قبل أي قوة عسكرية تأتي من وراء البحار".

وتحت عنوان "الطائرة الإيرانية تُسقط وهم الحوثي!"، أشارت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أن "واقعة منع طائرة الوفد الإيراني من الهبوط في مطار صنعاء شكّلت نقطة تحول سياسية وإعلامية بارزة، حيث أسقطت كليًا الادعاءات التي سعت طهران وجماعة الحوثي إلى تسويقها؛ بأن قرار الأجواء اليمنية ومطار العاصمة بات بأيديهم، حيث حاول التحالف الحوثي-الإيراني تصوير المشهد وكأنه إعلان لسيادة مفروضة بقوة الأمر الواقع، لكن الأحداث الميدانية أثبتت أن تلك الرواية لم تكن سوى دعاية سياسية واهية سرعان ما اصطدمت بواقع الترتيبات السيادية الحقيقية". وأوضحت أن "الآلة الإعلامية الإيرانية والحوثية وظفت واقعة الطائرة لخدمة أجندتها السياسية عبر أربع استراتيجيات دعائية رئيسة، بهدف التغطية على الإخفاق الميداني وتحويله إلى انتصار وهمي، وأول تلك الاستراتيجيات الادعاء بمظلومية الحصار، وإعادة إحياء خطاب الضحية لكسب التعاطف الشعبي، ومحاولة استمرار التصعيد؛ ليكتشف العالم بطلان هذا الادعاء الكاذب، وأن واقع السيادة اليمنية أقوى من محاولات التضليل والضجيج المفتعل تحت أي مبرر".

أما صحيفة "الخليج" الإماراتية، فلفتت إلى أنه "من الواضح أن النظام الإيراني بدأ يفقد صوابه، وأصيب بحالة من اليأس والخيبة نتيجة فشله في تحقيق أوهام العظمة التي يعيشها، وأصبح يعاني "البارانويا" التي تهيئ له أنه قادر على مواجهة العالم، فيما هو يعيش فشلًا وخيبة أمل". وأكدت أن "المنطقة والعالم تقف أمام لحظة مفصلية بات فيها القانون الدولي محل تساؤل، ولم يعد تحكمه القواعد والمبادئ التي ارتضاها العالم لتنظيم العلاقات بين الدول ذات السيادة، أو الإطار القانوني الذي يحكم القضايا العالمية بما يحقق الأمن والسلام الدوليين، بل تحول إلى ضحية للأطماع والصراع على النفوذ والسيطرة وتحقيق أهداف القوى الكبرى ومصالحها، وتلك التي ترى في نفسها أنها قادرة بما تملكه من قوة على فرض إرادتها على الآخرين". وخلصت إلى أنه "لم يعد أمام النظام الإيراني خيار إلا أن يعود إلى رشده ويتخلى عن أحلام الهيمنة والسيطرة، وعن أفكار ومبادئ باتت من الماضي، وأن يتعايش مع بيئته وجيرانه للخروج من عزلته، وإلا فسوف يجلب لنفسه وشعبه المزيد من الكوارث".

ورأت صحيفة "الصباح" العراقية أن "العراق لا يعيش في عزلة عن محيطه كما يعتقد بعض المهتمين والدارسين والباحثين في الشأن العراقي، بل يمثل نقطة التقاء لمصالح متشابكة تمتد من الخليج العربي إلى شرق البحر المتوسط، ومن آسيا الوسطى إلى أوروبا، عابراً كل جغرافية المشهد التكويني، ولذلك فإن أي تصعيد سياسي أو عسكري بين القوى الإقليمية، أو أي إعادة تشكيل للتحالفات الدولية، يفرض تحديات جديدة على صانع القرار العراقي، الذي يجد نفسه مطالباً بإدارة توازنات دقيقة تحافظ على مصالح الدولة، دون الانجرار إلى محاور الصراع أو الوقوع في دائرة الاستقطاب العبثي أو الضروري أحيانًا". وتابعت أن "مستقبل الاستقرار في العراق سيظل مقترنًا بقدرته على تحويل العلاقات الدولية والتحركات الإقليمية من مصدر للضغوط إلى مصدر للفرص، عبر دبلوماسية نشطة، واقتصاد متنوع، ومؤسسات رصينة، وسيادة وطنية راسخة. فالدول لا تختار دائمًا موقعها الجغرافي، لكنها تستطيع أن تختار كيفية توظيفه، والعراق اليوم أمام فرصة تاريخية ليجعل من موقعه الجيوسياسي جسرًا للتعاون بدلًا من أن يبقى ساحةً لتقاطع الأزمات".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن