صحافة

الاتحاد الأوروبي أمام تحديات جمة

ناصيف حتي

المشاركة
الاتحاد الأوروبي أمام تحديات جمة

نعيش اليوم في لحظة تاريخية تشهد تحولات رئيسية على المستويين العالمي والإقليمي (مختلف أقاليم العالم ولو بدرجات متفاوتة). تحولات نتجت وتنتج عنها سمات في العلاقات الدولية بعضها بدأ بالاستقرار كقواعد ناظمة مستقبلًا للعلاقات بين الدول وأخرى ما زالت في طور التشكل، في نظام عالمي جديد: نظام يوصف "بنظام ما بعد، بعد الحرب الباردة".

البعض "يستشرف" قيام نظام ثنائي القطبية (الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية)، باعتبار أن الأخيرة تعود من بوابة الجغرافيا الاقتصادية إلى الجغرافيا السياسية أيضًا. البعض الآخر يرى قيام نظام ثلاثي القطبية مع روسيا الاتحادية ولو في موقع أقل ثقلًا من القطبين الآخرين بسبب الضعف في الشق الاقتصادي مقارنة معهما. نظام يقوم على التفاهمات والتحالفات بالقطعة وليس التحالفات المقفلة أيًا كان الخطاب السياسي لهذا الطرف أو ذاك.

في هذا الإطار العالمي الجديد الذي يتشكل يبرز تراجع دور ووزن طرف دولي شريك أساسي في "القطب أو الحلف الغربي" في النظام الدولى الذي انتهى بشكل تدريجي، وهو الاتحاد الأوروبي. الطرف الذي كان يشكل نموذجًا للتعاون الإقليمي المتعدد الأبعاد والأهداف ولو أنه ما زال الأكثر تقدمًا في هذا المجال. عدة أسباب تقف وراء تراجع وزن ودور الاتحاد الأوروبي على الصعيد العالمي. من هذه الأسباب ما يعيده البعض إلى التوسع السريع بضم الدول الأوروبية التي ولدت سياسيًا من جديد إلى الاتحاد، بعد سقوط وانهيار الحلف الشرقي بقيادة موسكو السوفيتية والتكلفة الكبيرة خاصة على الصعيد الاقتصادي في تلك العملية رغم أهميتها السياسية.

البعض الآخر يرجع ذلك أيضًا إلى بروز عوائق موضوعية من "وطنية" تعكس أولويات مختلفة في السياسة والاقتصاد والدفاع والمال والأمن، قد تعبر عن رؤية مختلفة ناتجة عن تطورات رئيسية على الصعيد الوطني عند هذه الدولة أو تلك، رغم التفاهم على الأسس الاستراتيجية في عملية البناء الأوروبي. زاد فى مساحة الاختلاف تراجع، والبعض يقول وهن، دور القاطرة الأوروبية. الدور الذي كان يقوم به بشكل متكامل الثنائي الفرنسي الألماني في قيادة القطار الأوروبي.

يعود ذلك بالطبع أيضًا إلى اختلاف الأولويات وكذلك إلى تراجع الإمكانات الموظفة أو القابلة للتوظيف في هذا المجال عند كل من الدولتين المعنيتين. أضف إلى ذلك صعود قوى أخرى تبحث عن دور قيادي في هذا المسار. وبالطبع كلما ازداد عدد الأعضاء في "النادى الأوروبي" ازدادت إمكانات الاختلافات بين المقاربات والأولويات ولعبة التنافس ولو في البيت الواحد. من الأمور السلبية في هذا السياق أيضًا، الأزمة في "البيت الغربي" بين أوروبا والولايات المتحدة خاصة في ظل إدارة الرئيس ترامب وعقيدة الأحادية الحادة التي تطبع سياساته وأولوياته الدولية على حساب بلورة التفاهم خاصة في الأمور الاستراتيجية في البيت الأطلسي.

أبرز مثال على ذلك، الشعور الأوروبي بخيبة الأمل من الولايات المتحدة فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية التي تحظى بأولوية استراتيجية في أوروبا واعتبار كثير من الأوروبيين أن واشنطن تعقد تفاهمات مع موسكو في هذا المجال على حساب حلفائها في "البيت الغربي". واشنطن من جهتها تتهم أوروبا بعدم الوقوف معها كما يفترض بالحليف الاستراتيجي من حيث الدور وتوظيف الإمكانات والمواقف، في الحرب مع إيران.

عنصر آخر أضعف ويضعف عملية البناء الأوروبي وبالتالى دور "القطب الأوروبي" صعود اليمين المتشدد فى أوروبا وأولوياته البعيدة أو المتناقضة مع أولويات السياسات الأوروبية المشتركة سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي الأوروبي أو الداخلي الوطني مما يزيد من حدة الانقسامات المتعددة الأوجه والمترابطة النتائج من حيث انعكاساتها السلبية على مسار البناء الأوروبي. وأكثر ما يدل على ذلك هو شبه الغياب الأوروبي الكلي والفاعل عن "مسرحين" استراتيجيين أساسيين وتاريخيين بالنسبة لأوروبا أو بالنسبة لأهم دولها في أزمان مختلفة وهما الشرق الأوسط وإفريقيا.

الجماعة الأوروبية التي صارت الاتحاد الأوروبي والذي اعتبر عن حق النموذج الذي يفترض الاقتداء به في التعاون أو التكامل الإقليمي التدرجي المتعدد الأبعاد والأهداف، صار اليوم يعاني من العديد من التحديات الداخلية والخارجية المترابطة والمتداخلة. تحديات تساهم في إضعاف، والبعض يقول في تهميش دوره، على الصعيدين الداخلى التكاملي والخارجي الاستراتيجي، فيما يتعلق بقدرة التأثير بالأحداث والتطورات التي تهم الأمن الأوروبي، بمختلف أوجه، في لحظة تبلور النظام العالمي الجديد.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن