بصمات

نَحوَ عَقدٍ مُواطنِيٍّ جَديد!في مُواجَهَةِ "القِنانَةِ" الرَّقمِيَّةِ والفَقرِ والاستِبدادِ والتَّدَهوُرِ البيئِي

مُنْذُ نِهايَةِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ في عامِ 1945، تَعاقَبَ على العالَمِ نَوْعانِ مِنَ العَقْدِ الِاجْتِماعِيّ. عُنِيَ النَّوْعُ الأَوَّلُ بِالبُعْدِ الِاجْتِماعِيِّ لِلمُواطِن - أَوْ ما أَطْلَقْنا عَلَيْهِ المُواطِنَ الِاجْتِماعِيَّ - مِنْ خِلالِ دَوْلَةِ الرَّفاهِ والتَّنْمِيَة. أَمّا النَّوْعُ الثّاني فَقَدْ مَثَّلَ انْقِلابًا على دَوْلَةِ الرَّفاهِ والتَّنْمِيَة، إِذْ حَلَّ السّوقُ كَطَرَفٍ رَئيسٍ في هَذا العَقْدِ الذي فَرَضَهُ ما يُعْرَفُ بِإِجْماعِ واشِنْطُن - إِجْماعُ دُوَلِ المَرْكَزِ الرَّأْسِمالِيِّ وَمُؤَسَّساتِهِ الدَّوْلِيَّة - في ثَمانينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، وَتَعامَلَ مع المُواطِنِ في هَذا العَقْدِ كَمُسْتَهْلِكٍ وَزَبون. واليَوْم، يَقِفُ العالَمُ على عَتَبَةِ صِياغَةِ عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ جَديدٍ بِفِعْلِ التَّحَوُّلِ إلى الزَّمَنِ الرَّقْمِيّ.

نَحوَ عَقدٍ مُواطنِيٍّ جَديد!
في مُواجَهَةِ

تُشيرُ المُراجَعَةُ الدَّقيقَةُ لِمَسارِ العَقْدَيْنِ الِاجْتِماعِيَّيْنِ الأَوَّلَيْنِ إلى أَنَّ البِداياتِ المُبَشِّرَةَ لِلعَقْدِ الأَوَّلِ والتي أَدَّتْ إلى تَحْقيقِ قَدْرٍ مِنَ التَّوازُنِ النِّسْبِيِّ بَيْنَ النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيِّ والعَدالَة، قَدْ تَآكَلَتْ نَتيجَةَ الأَخْذِ بِسِياساتِ اللّيبيرالِيَّةِ الجَديدَة، ما فاقَمَ الفَقْرَ وَأَدّى إلى لامُساواةٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ بَيْنَ القِلَّةِ الثَّرَوِيَّةِ والكَثْرَةِ المُواطِنِيَّة.

من المنتظر أن يتحوّل المواطن إلى قِنٍّ خوارزمي في منظومة الإقطاع الرقمي

اليَوْم، وَبِحُلولِ الزَّمَنِ الرَّقْمِيِّ بِتِقْنِيّاتِهِ الفائِقَةِ التَّقَدُّمِ والذَّكاء؛ يَدْخُلُ العالَمُ إلى مَرْحَلَةٍ جَديدَةٍ يُديرُها "إِقْطاعٌ رَقْمِيّ"، حَيْثُ تَتَراكَمُ الثَّرْوَةُ وَتَتَمَرْكَزُ السُّلْطَةُ في أَيْدي أوليجارْكِيَّةٍ رَقْمِيَّةٍ كَوْكَبِيَّة، عابِرَةٍ لِلحُدودِ وَلِلأَثير، مالِكَةٍ لِمَراكِزِ البَيانات، والمَنْظومَةِ الذَّكِيَّةِ الدّائِمَةِ التَّطَوُّر، وَوَسائِلِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيّ، والمِنَصّاتِ الرَّقْمِيَّة... إِلَخ، ما يُتيحُ احْتِكارَ الِاقْتِصادِ الرَّقْمِيّ، وَضَخَّ المَعْرِفَة، وَتَشْكيلَ السُّلوكِ الإِنْسانِيّ، والتَّحَكُّمَ في كَثيرٍ مِنَ العَمَلِيّاتِ الحَياتِيَّةِ السِّياسِيَّةِ والإِعْلامِيَّةِ والثَّقافِيَّة.

في هَذا السِّياق، مِنَ المُنْتَظَرِ أَنْ يَتَحَوَّلَ المُواطِن - تَجاوُزًا - إلى قِنٍّ خَوارِزْمِيٍّ في مَنْظومَةِ الإِقْطاعِ الرَّقْمِيّ. إِنَّ أَخْطَرَ ما في هَذا التَّحَوُّل، حَسَبَ أَحَدِ البَاحِثين، أَنَّهُ يُهَدِّدُ جَوْهَرَ المُواطَنَة. فالمُواطِنُ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ عامِلٍ يُنْتِجُ السِّلَع، أَوْ مُسْتَهْلِكٍ يَشْتَري الخِدْمات، بَل أَصْبَحَ مُنْتِجًا دائِمًا لِلبَياناتِ التي تُمَثِّلُ المادَّةَ الخامَ لِلِاقْتِصادِ الرَّقْمِيّ. وَكُلُّ عَمَلِيَّةِ بَحْث، أَوْ تَواصُل، أَوْ تَنَقُّل، أَوْ مُشاهَدَة، تَتَحَوَّلُ إلى قيمَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَرَيْعِيَّةٍ تَسْتَفيدُ مِنْها المِنَصّاتُ الرَّقْمِيَّةُ العِمْلاقَة. وَمِنْ ثَمَّ، يُصْبِحُ المُواطِن، مِنْ دونِ أَنْ يَدْرِيَ، شَريكًا في إِنْتاجِ الثَّرْوَة، لَكِنَّهُ لا يُشارِكُ في عَوائِدِها، وَلا يَمْلِكُ سُلْطَةً على كَيْفِيَّةِ اسْتِخْدامِها (يُراجَعُ المَقالان المَنْشورانِ في "عُروبَة 22" تَحَوُّلاتُ العَقْدِ الِاجْتِماعِيِّ العالَمِيّ: مِنَ المُواطِنِ الِاجْتِماعِيِّ إلى المُواطِنِ المُسْتَهْلِك، وَ تَحَوُّلاتُ العَقْدِ الِاجْتِماعِيِّ العالَمِيّ: المُواطِنُ الخَوارِزْمِيُّ في دَوْلَةِ الإِقْطاعِ الرَّقْمِيّ).

وَلَعَلَّ السُّؤالَ الذي مِنْ حَقِّنا طَرْحُهُ في هَذا الإِطار، أَيُّ عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ نَحْنُ بِصَدَدِه؟

هَل سَتَرْضى الإِنْسانِيَّةُ وَمُواطِنو العالَمِ بِتَرْسيخِ "القِنانَةِ الرَّقْمِيَّة" (Digital Serfdom)؛ (القِنانَةُ أَدَقُّ مِنَ العُبودِيَّة، حَيْثُ الشَّخْصُ لَيْسَ مَمْلوكًا كَشَخْصٍ وَغَيْرُ حُرٍّ في مُغادَرَةِ الأَرْضِ وَيُؤَدّي لِلسَّيِّدِ الإِقْطاعِيِّ الرَّيْعَ والعَمَلَ الإِجْبارِيَّ، بَيْنَما العَبْدُ يَكونُ مَمْلوكًا لِسَيِّدِهِ دونَ شَرْطِ انْخِراطِهِ في أَيِّ عَمَلِيَّةِ إِنْتاجِيَّة) بِأَنْ يَكونوا "أَقْنانًا" في دَوْلَةِ الإِقْطاعِ الرَّقْمِيِّ التي انْطَلَقَت تُمارِسُ دَوْرَها بِالفِعْل. أَخْذًا في الِاعْتِبارِ أَنَّ مُواطِني العالَمِ يَحْمِلونَ على ظُهورِهِمْ فَقْرًا وَلامُساواةً وَتَراجُعًا ديموقْراطِيًّا وَتَدَهْوُرًا بيئِيًّا جَرّاءَ العَقْدِ الِاجْتِماعِيِّ السّوقِيِّ الذي فُرِضَ عَلَيْهِمْ على مَدى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ عُقود.

العقد الاجتماعي المطلوب صياغته يحتاج إلى نزعة مواطنية

لا مَناصَ مِنْ صِياغَةِ عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ جَديدٍ/بَديلٍ يُعيدُ الِاعْتِبارَ لِلمُواطَنَةِ بِأَبْعادِها. الأَمْرُ الذي لَنْ يَتَحَقَّقَ ما لَمْ يَتَحَرَّرِ العَقْدُ مِنَ "الهَيْمَنات" وَ"الإِخْضاعات" وَ"الخِياراتِ الحَدِّيَّةِ" المُتَراكِبَةِ التّالِيَة: أَوَّلًا: الهَيْمَنَةُ السُّلْطَوِيَّة، وَثانِيًا: الهَيْمَنَةُ الِاقْتِصادِيَّةُ الِاحْتِكارِيَّة، وَثالِثًا: الهَيْمَنَةُ الخَوارِزْمِيَّةُ/الإِقْطاعِيَّةُ الرَّقْمِيَّة، وَرابِعًا: الثُّنائِيَّةُ المُتَعَسِّفَةُ التي حَصَرَتْ خِياراتِ التَّنْمِيَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ والسّوق. وَيَبْدو لي أَنَّ تَحْريرَ هَكَذا عَقْدٍ يَحْتاجُ إلى أَنْ يَكونَ المُواطِنُ شَريكًا فاعِلًا في صِياغَتِهِ لِضَمانِ أَنْ تَعْكِسَ بُنودُهُ تَطَلُّعاتِ المُواطِنينَ الواقِعِيَّةَ والحَقيقِيَّة، لا المُتَخَيَّلَةَ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَةِ السِّياسِيَّةِ أَوِ الطَّبَقَةِ المُسْتَغِلَّةِ أَوِ الإِقْطاعِ الرَّقْمِيّ. بِهَذا المَعْنى، يُصْبِحُ العَقْدُ الِاجْتِماعِيُّ تَجْسيدًا لِلفِعْلِ القاعِدِيِّ واحْتِياجاتِ المُواطِنينَ وَتَطَلُّعاتِهِم.

إِنَّ العَقْدَ الِاجْتِماعِيَّ المَطْلوبَ صِياغَتُهُ لا يَحْتاجُ إلى المُواطنِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، التي تُمارَسُ في ضَوْءِ ما هُوَ قائِمٌ فَرَضَتْه، وَما زَالَتْ تَفْرِضُه، "الهَيْمَناتُ" المُخْتَلِفَةُ وَ"الإِخْضاعاتُ" المُتَعَدِّدَةُ، بَل إلى نَزْعَةٍ مُواطنِيَّة (Citizenism)؛ تَتَّسِمُ بِالدّينامِيَّةِ والرّاديكالِيَّةِ والفاعِلِيَّةِ والقُدْرَة، في سَبيلِ بَلْوَرَةِ الخِياراتِ الكُبْرى الِاقْتِصادِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّة، وصِناعَةِ السِّياساتِ واتِّخاذِ القَراراتِ والعَمَلِ على تَنْفيذِها. وَتُعَدُّ النَّزْعَةُ المُواطنِيَّةُ حَرَكِيَّة: "فَوْقَ إيدْيولوجِيَّة"؛ - لا تَنْفي الإيدْيولوجِيَّةَ وَحُرِّيَّةَ المُواطِنينَ في تَبَنّي ما يَرَوْنَهُ - تَضَعُ الأَفْكارَ الأَساسِيَّةَ المُلْهِمَةَ لِلإيدْيولوجِياتِ المُخْتَلِفَةِ التي تُعَزِّزُ مُواطَنِيَّةَ الإِنْسان. كَذَلِكَ "فَوْقَ مُؤَسَّسِيَّة"؛ لا تَمْنَعُ أَيَّ شَكْلٍ مِنْ أَشْكالِ التَّنْظيم، وَلَكِنْ تَدْعَمُ المَأْسَسَةَ التي مِنْ شَأْنِها جَعْلُ الأَفْكارِ المُعَزِّزَةِ لِلمُواطَنَةِ مَوْضِعَ التَّنْفيذِ الفِعْلِيّ.

العقد المواطني الجديد يهدف إلى تحرير المواطن

بِلُغَةٍ أُخْرى، لَيْسَ مِنْ مَسْؤولِيَّةِ النَّزْعَةِ المُواطنِيَّةِ فَرْضُ إيدْيولوجِيَّةٍ بِعَيْنِها، وَإِنَّما عَلَيْها ضَمانُ تَوْجيهِ الإيدْيولوجِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ إلى الِانْشِغالِ بِالمُواطِنِ وَكَرامَتِهِ وَحُرِّيَّتِهِ وَعَيْشِه. وَلَيْسَ مِنْ مَسْؤولِيَّتِها إِصْلاحُ مُؤَسَّسَةٍ بِعَيْنِها بِقَدْرِ دَفْعِ جَميعِ المُؤَسَّساتِ إلى أَنْ تَعْمَلَ مِنْ أَجْلِ أَيِّ مُواطِنٍ وَكُلِّ مُواطِن؛ وَتَحْقيقِ المُواطَنَةِ بِأَبْعادِها مِنْ دونِ انْتِقاصٍ أَوْ تَغْليبٍ أَوْ إِلغاء.

إِنَّ العَقْدَ المُواطنِيَّ الجَديدَ الذي نَدْعو إِلَيْهِ يَهْدِفُ إلى تَحْريرِ المُواطِنِ مِنْ أَنْ يَكونَ شَيْئًا، أَوْ زَبونًا/مُسْتَهْلِكًا، أَوْ مادَّةً خامًا لِلخَوارِزْمِيّات، وَإِنَّما مَصْدَرًا لِلشَّرْعِيَّةِ وَمَرْجِعًا مُوَجِّهًا لِلدُّوَلِ والشَّرِكاتِ والأَسْواقِ وَمُلْهِمًا لِلخُطَطِ والسِّياسات، وَقَبْلَ ذَلِكَ طَرَفًا أَوَّلًا فاعِلًا مُقَاوِمًا لِلْقِنانَةِ الرَّقْمِيَّة، إِضافَةً إلى التَّحَرُّرِ مِنْ أَعْباءِ الماضي المُسْتَدامَة: الفَقْرِ والِاسْتِبْدادِ واللّامُساواةِ والِانْهِيارِ البيئِيِّ والتَّدَهْوُرِ المُناخِيّ...

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن