صحافة

لبنان.. "رهينة" الذعر الإسرائيلي

محمد السعيد إدريس

المشاركة
لبنان..

من اليسار... السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي ومساعد الرئيس ترامب نائب مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى يشاركون في جلسة التفاوض (أ.ب)

عندما أمر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بالمشاركة مع وزير دفاعه يسرائيل كاتس، الجيش الإسرائيلي بمهاجمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، ما أدى إلى حركة نزوح خاصة مع تواصل القصف الإسرائيلي على مدن وقرى وبلدات الجنوب اللبناني، كان السبب الإسرائيلي المعلن، وفقاً لبيان نتنياهو وكاتس، هو الرد على انتهاكات متكررة لوقف إطلاق النار في لبنان من جانب "حزب الله".

للوهلة الأولى لم يصدق أحد هذه المزاعم، لكن تزامن هذا التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان مع ما أخذ يتردّد في الصحافة الإسرائيلية عن الاتفاق الذي يجري الحديث عنه لوقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والذعر الذي أصاب دوائر صنع القرار الإسرائيلي، وفق ما كشفته تحليلات الصحافة والإعلام الإسرائيليين، تؤكد أن التصعيد الإسرائيلي في لبنان وتوسيع التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، ثم احتلال "قلعة الشقيف" التاريخية، له أسباب أخرى شديدة الأهمية.

من أبرزها، بالطبع، إفشال هذا الاتفاق الذي يراه الإسرائيليون يصب في مصلحة إيران، ويهدد الأمن والمصالح الإسرائيلية، والطموح للعودة مجدداً بقرار أمريكي إلى "سيناريو الحرب" ضد إيران لتحقيق الأهداف التي لم تتحقق بعد من الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على ايران، وخاصة التدمير الكامل للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وقطع أواصر العلاقة بين ايران و"حزب الله". من هذه الأسباب أيضاً، ما يسميه الإعلام الإسرائيلي بـ"سلخ" الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان من مشروع الاتفاق الأمريكي - الإيراني، ومنها أيضاً جعل لبنان مكسباً إسرائيلياً خالصاً تصول وتجول فيه إسرائيل، بحيث يكون لها الكلمة العليا، والوصاية على القرار اللبناني مقابل التوقيع الأمريكي على هذا الاتفاق.

التصعيد الإسرائيلي في لبنان يستهدف تفريغ الموقف التفاوضي الإيراني الذي يربط بين وقف الحرب على الجبهة الإيرانية بوقف الحرب في لبنان من مضامينه، حرصاً على نزع أيّ دور إيراني مأمول في لبنان، وقطع التواصل بين إيران و"حزب الله"، ومن هنا يجيء الترويج الإسرائيلي لمحصلة ضغوط مهمة تقوم بها إسرائيل على الرئيس الأمريكي، وإدارته، ومن بينها التأكيد أن التفاهمات الإسرائيلية - الأمريكية تنصّ على "حق إسرائيل في حرية التحرك" في مواجهة "حزب الله"، وأن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المناطق التي احتلها في الجنوب اللبناني، والبالغة مساحتها نحو 600 كيلو متر مربع، وتمتد في عمق يصل إلى 10 - 15 كيلومتراً عن الحدود بين البلدين، إضافة إلى قبول أمريكي لاحتفاظ إسرائيل بـ25 موقعاً عسكرياً في عمق الجنوب اللبناني إلى حين تتكلل المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية بالنجاح، وأن نتنياهو شدّد، خلال محادثاته مع ترامب، على أن "إسرائيل ستحافظ على حرية عملها ضد التهديدات على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان"، وأن ترامب "كرر دعمه لهذا المبدأ".

هذه المطالب والضغوط الإسرائيلية على الرئيس ترامب وادارته، هي في حد ذاتها تعبير عن الشعور بالخطر العميق إذا اختار الرئيس الأمريكي أن يقبل بالشروط الإيرانية، وفي مقدمتها الربط بين وقف الحرب على الجبهة الإيرانية وبين وقف الحرب في لبنان على نحو ما كتبه المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" العبرية، عاموس هرئيل، من أن الاتفاق الذي يجري الحديث عنه بين الولايات المتحدة وإيران، إذا تم توقيعه "يُعبّر عن انسحاب أمريكي ضخم من الحرب التي اندلعت، وهو يعكس أيضاً أفول التأثير الإسرائيلي في خطوات ترامب" واختتم هرئيل مقاله بعبارة عميقة الدلالة قال فيها: "يبدو أن الرئيس قرر أخيراً أن يقرر". والمعنى هنا أنه قرر مضطراً الرضوخ للأمر الواقع، والقبول بما تريده إيران.

خلفيات هذا الاضطرار بالقبول بـ"الأمر الواقع" وهو أن "الولايات المتحدة باتت عاجزة عن كسر إيران" كما أفصح المؤرخ والكاتب الأمريكي المحافظ روبرت كاغان في مجلة "ذا أتلانتيك" بقوله إن الولايات المتحدة "منيت بـ(هزيمة لُعبة شطرنج) أمام إيران". ووفقاً لكاغان: "لقد سُجلت خسارة استراتيجية، وسيكون من الصعب تداركها أو تجاهلها"، كما شدّد كاغان على مسألة السيطرة على مضيق هرمز، وأكد أن المضيق "لن يبقى مفتوحاً كما كان، وإذا سيطرت إيران عليه تصبح لاعباً رئيسياً في المنطقة والعالم".

متابعة القيادة الإسرائيلية لمثل هذه التحليلات، والذعر المترتب عليها، يشكل الخلفية الحقيقية لحالة الجنون التي تسيطر على القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، خشية أن تخسر إسرائيل كل شيء، ومن هنا يأتي التوجه نحو لبنان لجعله "رهينة" لوقف تداعي الخسائر الإسرائيلية، تحسباً لتطورات يرى الإسرائيليون أنها أضحت خطرة في ضوء التحذير الإيراني بإخلاء كامل شمال إسرائيل، رداً على التهديد الإسرائيلي بقصف بيروت والضاحية الجنوبية، وتجاوب الرئيس ترامب لهذا التحذير الإيراني، وضغوطه على نتنياهو لوقف خطة القصف. هذا التجاوب من الرئيس الأمريكي هو أكثر ما يقلق إسرائيل، ومن هنا كان قرار وضع لبنان رهينة للأحداث المتسارعة بين إيران والولايات المتحدة.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن