صحافة

الانتخابات الإسرائيلية ومراكز القوى

طارق فهمي

المشاركة
الانتخابات الإسرائيلية ومراكز القوى

 بدأت القوى الحزبية في إسرائيل الاستعداد للمعركة الانتخابية في 27 أكتوبر المقبل، وذلك على مختلف الهويات والألوان السياسية من اليمين إلى اليمين المتشدد، ما ينذر بأن إسرائيل ستشهد انتخابات مختلفة عن كل السوابق الماضية التي تشكلت فيها حكومات اليمين في السنوات الأخيرة بقيادة تكتل "ليكود"، وأن إسرائيل مقبلة على مرحلة حاسمة في تاريخها السياسي، الأحزاب اليمينية ستدخل الانتخابات البرلمانية من خلال برامج ثابتة لم تتغير منذ سنوات، وفي ظل مزايدات حزبية كبيرة حول من سيلي نتنياهو.

الأهم في رأي الاحزاب اليمينية، خاصة تكتل زعيم المعارضة يائير لابيد، ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينت، الإطاحة بشخص نتنياهو، ما يؤكد أن المعركة لن تدور بين أحزاب سياسية حقيقية قائمة بل تكتلات تضم المناوئين لنتنياهو، بما في ذلك الأحزاب العربية التي ستنضوي تحت لواء واحد من أجل تشكيل قائمة موحدة. أما أحزاب الحريديم، فإنها ستعمل وفق مقاربة محددة العمل معاً، والحفاظ على مخصصاتها ومكاسبها، ولن تجد في الساحة أفضل من نتنياهو للعمل معه بصرف النظر عن المسعى لحل الكنيست، والاتجاه إلى إجراء انتخابات مبكرة، سواء ستجرى في سبتمبر بصورة مبكرة أو في موعدها المتفق عليه في أكتوبر.

وإنْ كان الأخير سيرتبط في أذهان الجمهور الإسرائيلي بأحداث 7 أكتوبر، وما دار بشأنها، وهو ما يتخوف من تبعاته نتنياهو وتكتل ليكود، وسيدفعه للتحرك في كل الاتجاهات؛ إما لمعاودة الخيار العسكري في غزة أو إطالة أمد الحرب في لبنان؛ تحقيقاً لمكاسب كبرى يعمل عليها نتنياهو، والذي سيعمل أيضاً على ضرب وحدة الأحزاب العربية، وشيطنة مخططها، والتحريض على نهجها، والتأكيد علي تبعيتها لـ "الإخوان"، وغيرها لمواجهة الجمهور الإسرائيلي الذي ما زال متشككاً في ما يجري، خاصة أن استطلاعات الرأي التي تقوم بها بعض القنوات تميل إلى دعم نتنياهو على حساب المعارضة بكل رموزها الراهنة، مع التأكيد على تداعيات الفشل في مواجهة نتنياهو الذي يملك إرثاً سياسياً وحزبياً كبيراً سيدفعه للتعامل، وعدم التراجع في إطار حروبه الحزبية، وتخوفاً من إدانته في قضايا مازال يحاكم فيها منذ سنوات طوال.

ومن ثم فإنه، وفي سياق ما سيجري، ستظل مراكز القوى في إسرائيل ستعمل وتتحرك في دوائر محددة ومنضبطة، وستعلن عن نفسها ممثلة في مجموعة الحاخامات الكبار من جانب، وبعض القادة العسكريين السابقين والذين يعملون تحت لواء حركة باتت مهمة في إسرائيل تعرف باسم "قادة من أجل أمن إسرائيل"، ما يمكن أن يدفع أيضاً إلى مجموعات في "الهستدروت" في التحرك، إضافة إلى أعضاء الخدمة المدنية، والذي يعملون في إطار مؤسسي للدفاع عن مؤسسات الدولة في مواجهة المؤسسات السياسية والاقتصادية.

وسيكون لكل هذه التجمعات دور مؤثر في مواجهة المد الإعلامي الكبير الموجَه، والذي تقوده مجموعات كبيرة من خارج الحكومة الإسرائيلية، ولكنها تتحرك في دوائر مؤثرة تستطيع أن توجِّه الجمهور الإسرائيلي، بل وتحرك مزاجه العام نحو هذا الحزب أو ذاك، ما يجعل الإشكالية الحقيقية في أن الانتخابات ستجرى في محيط مختلف، وسيدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي للعمل في اتجاهات عدة، ودون أن يواجَه بإشكاليات حقيقية من سائر القوى الحزبية التي ستخسر المعركة الانتخابية قبل أن تبدأ حال الرهان الصفري على تغيير "ليكود" أو إقصاء نتنياهو، خاصة وأن إسرائيل قد تذهب - وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات المتوقعة- والتي تدور في إطار هندسي، وبدون أصول حقيقية فعالة، في الخريطة الانتخابية الراهنة بكل ما ستحمله من متغيرات واقعية، وتقسيمات شكلية وليست جوهرية.

ومن المؤكد أن إسرائيل الحزبية لن تختلف عن إسرائيل السياسية، وتداخل المصالح بين أطياف مجتمع منقسم شكلاً لكنه متماسك في المجمل مع قياداته أياً كانت، ورغم عشرات التحفظات على أداء الحكومة الراهنة، وما ارتكبته من أخطاء سياسية، إلا أنها نجحت - رغم التكلفة العالية – في استعادة - ولو لبعض الوقت - بعض الثقة، بدليل استمرار تصاعد عملياتها في الجنوب اللبناني، والسيطرة على قطاع غزة، ما يعني أن المشهد ليس ضبابياً، كما تحاول المعارضة الإسرائيلية نقله للجمهور الإسرائيلي المحبط، والذي يتابع ما يجري انطلاقاً من تخوفه على بقاء الدولة، ما سيدفعه لمراجعة مواقفه، والإشكالية الرئيسية ليست في بقاء أو رحيل نتنياهو، وإنما وضع إسرائيل ومقدراتها في يد مسؤولين مدركين لما يحيط بالدولة العبرية من مخططات ومخاطر يجب التعامل والاشتباك مع عناصرها خاصة.

ستبقى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مرتبطة ليس فقط بالأشخاص، فقد تجتمع إسرائيل - وكأحد الحلول المطروحة في حكومة واحدة- ولكن الأهم وفقاً لرؤية مراكز القوى في إسرائيل لكيفية العمل والتحرك للحفاظ على أمن إسرائيل، وبصرف النظر عن أي استطلاعات رأي حقيقية أو مضللة، فإن الحكومة المقبلة لن تخرج عن السياق، حيث لن يحل فيها أحزاب خارج منظومة اليمين المتشدد، والاختيار سيكون بين السيء والأسوأ، ومعادلة ليكود ستبقي على كل اليمين المتشدد في الحكم، مدعوماً بمراكز قوة تعمل دائماً وراء ستار للحفاظ على الدولة من أي انقسامات شكلية ليست مؤثرة قد تغيِّر من أسس المعادلة الراهنة.

(الاتحاد الإماراتية)

يتم التصفح الآن