صحافة

"المشهد اليوم".. ترامب يَلْجمُ إسرائيلَ وإيرانَ ويَتَطَلَّعُ إلى "النَّصرِ المُطْلَق"!لبنانُ الرسميُّ يرفضُ تَوظيفَ طهرانَ "وَرَقَةَ لبنان".. والصين تُعيدُ ترتيبَ أوراقَها غَداةَ زيارةِ كوريا الشماليّة


من مشهد حطام صاروخ باليستي إيراني سقط داخل حقل مفتوح بجوار مستوطنة "ميفوت يريكو" في الضفة الغربية بوادي الأردن الاثنين (إ.ب.أ)

أوحَت الأحداثُ الأخيرةُ، بعدَ العمليةِ الإسرائيليّةِ على الضاحيةِ الجنوبيةِ لبيروتَ، وما تبعَهَا من تبادلِ ضرباتٍ بين تلّ أبيب وطهرانَ، بأنَ الأمورَ ستنفلتُ من عقالهَا، وسطَ مخاوف من مواجهةٍ واسعةٍ ونسفِ مفاوضاتِ إسلام آباد. لكن أعادَ الردُّ "المحدودُ" والإعلانُ عن انتهاءِ العملياتِ الأمورَ إلى نصابِهَا، من دونِ المزيدِ من التصعيدِ والتوترِ الذي تخشاه دولُ المنطقة. ولم تكنْ واشنطنُ بعيدةً عن هذا المشهد، فتدّخلَ الرئيسُ دونالد ترامب لـ"قمعِ" رئيسِ الوزراءِ الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو. ووضعَ ترامبُ خيارَ الديبلوماسيّةِ والحوارِ أولًا، رافضًا نسفَ المباحثاتِ مع إيرانَ، التي يُبشّرُ بين حينٍ وآخر بنجاحِهَا والإعلانِ عن اتفاقٍ قريبٍ، على الرغمِ من التباعدِ الواسعِ في الآراءِ واستمرارِ الملفاتِ المُعقّدةِ على حالِها. ويبدو "ثنائيُّ الحرب"، أي ترامب ونتنياهو، على خلافٍ في مقاربةِ الملفِ الإيرانيِّ من دونِ التعويلِ على الخلافاتِ الكبيرةِ بينهمَا، كما يُروّجُ البعضُ، بعد ما نُشرَ في وقتٍ سابقٍ عن مكالمةٍ "حاميةٍ" جرَت بينَ الطرفين. لكن هذه الدلالة لا تعني كسرَ التحالفِ العميقِ بينهمَا، بقدرِ ما تؤكدُ أن "ورطةَ" الحربِ على إيرانَ باتَت تضغطُ على الجميعِ من دونِ استثناءٍ، بما يشملُ "نظام الثورة الإسلاميّة" نفسه.

وضمن هذا السياق، كشفَ موقعُ "أكسيوس" أن المكالمةَ التي جَرَت بينَ الرئيسِ الأميركيّ ورئيسِ الوزراءِ الإسرائيليّ، بعدَ توجيهِ طهرانَ صواريخَ نحوَ تلّ أبيب، كانت أكثرَ هدوءًا من اتصالاتٍ سابقةٍ شهدَت توترًا كبيرًا، لكنهَا انتهَت من دونِ اتفاقٍ حاسمٍ بشأنِ خطواتِ الرّد. فاعتقدَ بعضُ المسؤولينَ الأميركيينَ أن ترامب نجحَ في كسبِ الوقتِ وتأجيلِ التصعيدِ، بينمَا فهمَ نتنياهو أن الأخيرَ لا يؤيدُ الضرباتِ لكنه لم يصدرْ أمرًا قاطعًا يمنعُهَا، ما أدَى إلى اتخاذِ قرارِ المضي في استهدافِ طهران. وبحسبِ الموقعِ عينِهِ، تلقَى ترامبُ اتصالاتٍ من خمسِ دولٍ في المنطقةِ هي السعودية، مصر، قطر، تركيا وباكستان، أعربَت عن قلقِهَا من انهيارِ الهدنةِ وتأثيرِ ذلكَ على المفاوضاتِ الجارية. كما تلقَت الإدارةُ الأميركيّةُ رسائلَ من الجانبِ الإيرانيِّ تُفيدُ باستعدادِهِ لوقفِ الهجماتِ، إذا التزمَت إسرائيلُ بالأمرِ عينِه. وتدفعُ واشنطنُ نحوَ تسويةٍ مرضيةٍ، وتعتبرُ أن الوقتَ والظروفَ تصبُّ في صالحِهَا، وأن "نظامَ الملالي" سيرضخُ إثرَ الحصارِ البحريِّ المُشدّدِ والعقوباتِ المتزايدة. ومن هنا، تختلفُ هذه المقاربةُ عن الرؤيةِ الإسرائيليّةِ الداعيةِ إلى استمرارِ الضغوطِ العسكريةِ، واعتبارهَا ضرورةً سياسيّةً وأمنيّة. وأمامَ هذينِ المسارينِ المتناقضينِ، يحبسُ العالمُ أنفاسَهُ في انتظارِ ما سيؤولُ إليه المسارُ التفاوضيُّ المُتشابكُ، وسطَ آمالٍ معقودةٍ على المساعي الجبّارةِ التي تبذُلُهَا باكستانُ لترتيبِ "اليومِ التالي".

وصرّحَ ترامبُ بأنه يعتقدُ أن تلّ أبيب لن تعودَ إلى الحربِ مع طهرانَ، مُبشرًا بأنَ أسعارَ النفطِ ستنهارُ "حينَ نعلنُ النصرَ الكاملَ على إيرانَ خلالَ الأسبوعينِ المقبلين". وكرّرَ القولَ إن "الإيرانيينَ يريدون التوصلَ إلى صفقةٍ جيدةٍ للغاية، وهم على استعدادٍ لمنحنَا كلَ شيءٍ، بما يشملُ عدم حصولِهِم على سلاحٍ نوويّ". أما نائبُهُ جيه دي فانس، فأكَدَ أن هناكَ "بعضَ الملفاتِ التي تتباينُ فيها مصالحُ الولايات المتحدة وإسرائيل، على الرغمِ من تشاركِهِمَا في الكثيرِ من المصالح". وإذ أوضحَ أنَ إيرانَ لا تريدُ استمرارَ الحربِ "لأنها لا تصبُّ في مصلحتِهَا"، أشارَ إلى أنهَا تطرحُ أمورًا جديةً على طاولةِ المفاوضات. ويمكن وضعُ هذه التصريحات "المُعادُ تدويرُهَا" في إطارِ فرضِ المزيدِ من الضغوطِ على طهرانَ لـ"الانصياعِ"، أكثرَ من حقيقةِ ما يجري في الغرفِ المغلقة. إذ إنَ الشروطَ لا تزالُ تُكبّلُ أيَّ إعلانٍ عن تقدمٍ في هذا الاتجاه. وتُعدُّ الأموالُ الإيرانيّةُ المُجمدةُ ورفعُ العقوباتِ من بينِ أعقدِ الملفاتِ، إلى جانبِ تمسّكِ طهرانَ بـ"ورقةِ لبنانَ" وتشدّدِهَا في ما تسميه "وحدة المسارِ والمصيرِ" وترابطِ الملفين. في الأثناءِ، شدّدَ الرئيسُ الإيرانيُّ مسعود بزشكيان على أن بلادَهُ "لن تتراجعَ أمامَ أيِّ تهديد". لكنه أشارَ إلى أنها "لم تغادرْ الميدانَ ولا طاولةَ التفاوض". بينما حمّلَ المتحدثُ باسمِ وزارةِ الخارجيّةِ الإيرانيّةِ إسماعيل بقائي الولاياتِ المتحدة "المسؤوليةَ المباشرةَ عن أيِّ إجراءٍ يتّخذُهُ الكيانُ الصهيونيُّ في ما يتعلقُ بانتهاكِ السلامِ والأمنِ في المنطقةِ وضدَ إيران"، مُحذّرًا من أن العالمَ يجب أن يشعرَ بالقلقِ إزاءَ اتساعِ رقعةِ الصراعِ في المنطقة.

وتتكرّرُ "السرديةُ" عينُهَا على لسانِ جميعِ المسؤولينَ في طهرانَ، بما تحملُهُ من معاني "شدِّ عصبِ" الشعبِ المُتخوّفِ من عودةِ القصفِ والغارات. إذ توجَّهَ رئيسُ البرلمانِ وكبيرُ المفاوضينَ محمد باقر قاليباف، في رسالةٍ صوتيّةٍ موجهةٍ إلى الإيرانيينَ، بالقولِ إنه "لا تفاوضَ من موقعِ الاستسلامِ، ولا الاكتفاءِ بالشعارات". كما أكدَ أن المساعي الجارية تهدفُ إلى الجمعِ بينَ ما أسماهُ "القوةَ والعقلانيةَ الإيرانيّة" لتحقيقِ "نصرٍ مهندسٍ وكامل". وشدّدَ على ضرورةِ أن تتحرّكَ إيران، في مواجهةِ خصومِهَا، ضمنَ أربعةِ ميادينَ مترابطة: العسكريّ، الدبلوماسيّ، حضور ومقاومة الشعب، وميدان خدمة الناس، معتبرًا هذه الميادين "نسيجًا واحدًا". في سياقٍ متصلٍ، نقلَت وسائلُ ​إعلامٍ رسميةٍ عن قائدِ "فيلقِ القدسِ" إسماعيل قآني قولَهُ إنه سيُنشَئُ "حزامٌ أمنيٌّ جديدٌ للمقاومةِ" يمتدُ من مضيقِ هُرمزَ إلى مضيقِ باب المندب قبالةَ السواحلِ اليمنيّةِ، ومن الخليجِ العربيِّ إلى البحرِ الأحمرِ، متوعدًا بأن "مغامرات" إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقةِ "لن تبقَى بلا ردّ". وجاءَ هذا الإعلانُ بالتزامنِ مع إطلاقِ إيرانَ دفعاتٍ من الصواريخِ باتجاهِ تل أبيب اعتُرِضَت جميعُهَا من دونِ أيِّ أضرار. في المقابلِ، ردَّ الجيشُ الإسرائيليُّ باستهدافِ بنًى تحتيّةٍ داخلَ مجمعِ معشور للبتروكيماويات في محافظةِ الأحواز، جنوب غربي إيرانَ، قائلًا إنها كانت تُستخدمُ لإنتاجِ وتصديرِ موادٍ خام تدخلُ في تصنيعِ الأسلحةِ والصواريخ الباليستيّة. وأوضحَ أن الغارات استهدفَت "مكوناتٍ أساسيّةً" للبنيةِ التحتيّةِ الداعمةِ لبرنامجِ الصواريخِ الإيرانيّ.

هكذا، انتهَت "المواجهةُ المحدودةُ" بتأكيدِ الطرفينِ، في محاولةٍ لـ"حفظِ ماءِ الوجهِ"، لأن إبقاءَ التهديداتِ الإيرانيّة من دونِ تنفيذٍ يُحرجُهَا أمامَ "جمهورِهَا المقاوم"، ويزيدُ الحديثُ عن تضعضعِ قوتِهَا. بينما ترفضُ تلّ أبيب الظهورَ بموقعِ "المتلقنِ" للتعليماتِ الأميركيّةِ، مع ما يواجهُهُ نتنياهو نفسُهُ من انتقاداتٍ حادةٍ في الداخلِ، وهو الساعي إلى الحفاظِ على موقعِهِ السياسيّ. إلى ذلكَ، دعا المديرُ العامُ للوكالةِ الدوليّةِ للطاقةِ الذريةِ رافائيل غروسي، النظامَ الإيرانيّ إلى "معاودةِ التواصلِ" مع الوكالةِ، بمَا يسمحُ باستئنافِ عملياتِ التفتيشِ في المواقعِ النوويةِ، التي قصفَتهَا الولاياتُ المتحدةُ وإسرائيلُ قبلَ عام. في الوقتِ عينِهِ، تقودُ واشنطنُ، بدعمٍ رسميٍّ من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مسعًى إلى دفعِ مجلسِ المحافظينَ إلى إصدارِ قرارٍ في وقتٍ لاحقٍ هذا الأسبوع، يأمرُ إيرانَ بتقديمِ "معلوماتٍ دقيقةٍ" عن المواقعِ التي تعرّضَت للقصفِ، وعن اليورانيومِ المُخصّبِ "من دونِ إبطاء". وتماطلُ طهرانُ في الاستجابةِ لهذه المطالبِ المُكرّرةِ وتتغاضَى عنها، بينما تواصلُ تهديدَ الملاحةِ البحريةِ في مضيقِ هُرمز. ونتيجةً للأضرارِ الاقتصاديةِ الكبيرةِ التي يُسبّبُهَا ذلكَ، أعلنَ الاتحادُ الأوروبيّ عن فرضِ عقوباتٍ على إيرانيينِ اثنينِ ووحدةٍ تابعةٍ لـ"الحرسِ الثوري". وعلّقَت مسؤولةُ السياسة الخارجيّة في الاتحادِ كايا كالاس، على هذه الخطواتِ بالقولِ إنَ "أفعالَ إيران غير مقبولة. وردًا على ذلكَ، وافقَت الدولُ الأعضاءُ على فرضِ عقوباتٍ على كياناتٍ وأفرادٍ إيرانيينَ مشاركينَ في تعطيلِ حركةِ العبورِ من مضيقِ هُرمز". وهذه هي المرةُ الأولَى التي يستخدمُ فيها التكتلُ صلاحياتٍ جديدةً لفرضِ عقوباتٍ على إيرانَ، بسببِ القيودِ على حريةِ الملاحة.

وسطَ هذه المعادلة المُعقدة، يبرزُ سؤالٌ، هو: لماذا قرّرَت إيرانُ الرّدَ على استهدافِ الضاحيةِ الجنوبيةِ لبيروتَ وانتظرَت كلَ هذه المدة، على الرغمِ من أنَ قرَى الجنوبِ والبقاعِ تُرّمَدُ وتتحولُ إلى ركام؟ وبينما هلّلَ أنصارُ "حزبِ الله" لصواريخِ إيرانَ، معتبرينَ أنها وفَت بتعهداتِهَا، تناسوا أن الحزبَ دخلَ الحربَ أصلًا لنصرةِ طهرانَ والثأرِ للمرشدِ علي خامنئي. لكن الكثيرَ من المحللينَ والخبراءِ يضعونَ ذلكَ في إطارِ توجيهِ رسائلٍ إلى الدولةِ اللبنانيّةِ، التي رفعَت سقفَ المواجهةِ إلى أعلَى مستوىً، وبشكلٍ لم تشهدْهُ العلاقاتُ بين البلدينِ من قبل، بعدمَا "بلغَ السيّلُ الزُبى". وجاءَ ذلكَ بعد مواقفِ رئيسِ الجمهوريةِ جوزاف عون، التي طالبَ فيها طهرانَ ومن خلفِهَا "حزب الله"، بوقفِ استخدامِ لبنانَ وشعبِهِ في حربٍ لا تمتُّ للبلادِ بصلة. وشدّدَ، في حديثٍ إلى شبكةِ "سي أن أن"، نُشرَ الجزءُ الثاني منه أمسِ الاثنين، على أن اهتمامات لبنانَ قد لا تتوافقُ مع اهتماماتِ إيرانَ، مضيفًا أن الشعبَ اللبنانيَّ يدفعُ الثمنَ، إذ "يُقتلُ وتُدمَّرُ منازلُهُ من أجلِ خدمةِ مصالحِكم، لا مصلحةَ البلد". ويترافقُ هذا "الصوتُ العالي" مع التصعيدِ الإسرائيليِّ، وعدمِ قدرةِ مفاوضاتِ واشنطنَ على تحقيقِ أي تقدّمٍ يُذكرُ، مع تعنّتِ تلّ أبيب ورفضِهَا الالتزامِ باتفاقِ وقفِ النارِ، ما يزيدُ من خطورةِ الوضعِ الداخلي. وبعدَ العملياتِ التصعيديةِ، كانت لافتةٌ الزياراتِ التي أجراهَا السفيرُ الأميركيُّ لدى لبنانَ ميشال عيسى، وشملَت الرؤساءَ الثلاثة، وأعلَنَ خلالهَا أن كلَّ ما يجري في واشنطنَ يصبُّ في صالحِ البلاد. وقالَ إنه "إذا أوقفَ حزبُ الله هجومَهُ على إسرائيلَ، فلن تستهدفَ الأخيرةُ الضاحية". وشرحَ ماهيةَ المنطقةِ التجريبيةِ، التي وردَت في الاتفاقِ الأخيرِ الذي أُعلِنَ عنه بعد جولاتِ المفاوضاتِ الأخيرةِ، موضحًا أنها "ستكونُ مفتوحةً أمام جميعِ أبناءِ البلدةِ، وسيكونُ أهالي الجنوب تحتَ حمايةِ الجيشِ، ولن تستهدفَهَا إسرائيلُ، كما ستبدأُ أعمالَ إعادةِ الإعمارِ وشقِّ الطرق".

في غضونِ ذلكَ، تحاولُ إسرائيلُ تكريسَ "معادلةِ الضاحيةِ مقابلَ المستوطناتِ الشماليّة" بهدفِ ردعِ "حزبِ الله". وهو ما عكستهُ تصريحاتُ وزيرِ الأمنِ الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، الذي أكدَ أن "قانونَ الضاحية هو عينه قانون مستوطنات الشمال"، مهددًا باستمرارِ عملياتِ الجيشِ ضدَّ "حزبِ الله"، مضيفًا أن "أيَّ محاولةٍ إيرانيّةٍ لربطِ الساحةِ اللبنانيّةِ بالساحةِ الإيرانيّةِ، أو مهاجمةِ إسرائيلَ، ستُقابَلُ بردٍّ قويٍّ كما حدثَ يومَ الأحدِ الماضي". ويعكسُ هذا الموقفُ الإسرائيليُّ تشدّدًا واضحًا، بينما تستمرُ العملياتُ العسكريةُ وترتفعُ وتيرتهَا، مع الإعلانِ عن سقوطِ المزيدِ من الضحايا والجرحى. وشنَّ الاحتلالُ غاراتٍ مكثفةً على جنوبِ لبنانَ، شملَت برج الشمالي والخرايب وخربة الدوير والمعشوق في صور وعربصاليم. لكن اللافتَ أن هذا التكثيف أتَى بعدَ بيانِ مقرِّ "خاتمِ الأنبياءِ"، الذي رسمَ حدودًا جديدةً للاشتباكِ، إذ لم يكتفِ بتثبيتِ معادلةِ الردِّ على استهدافِ الضاحيةِ فحسب، بل أضافَ عبارةً مفصليّةً تتعلّقُ بجنوبِ لبنانَ، حين ربطَ استمرارَ الاعتداءاتِ والفظائعِ هناكَ بإجراءاتٍ "أشدّ قسوة". لكن بقيَ ذلكَ في إطارِ البياناتِ لكسبِ الشعبيّةِ، من دونِ أن يتحولَ إلى واقعٍ ملموس. فلبنانُ وقراهُ تواجهُ وحيدةً العدوانَ الإسرائيليَّ الغاشم، في حينِ يستمرُّ "حزبُ الله" في الإعلانِ عن تنفيذِ سلسلةِ هجماتٍ ضدَّ قواتِ الاحتلالِ المتوغّلةِ في جنوبِ لبنانَ، مؤكدًا تحقيقَ إصاباتٍ في صفوفِها.

ورسائلُ النارُ هذه، التي يدفعُ لبنانُ فيها من رصيدِهِ الحيّ، تزيدُ الانقسامَ الداخليَّ، بينمَا يتماهَى الحزبُ مع إيرانَ التي تصرُّ على أنَ "لبنانَ في قلبِهَا"، فيما ينشرُ وزيرُ خارجيتِهَا عباس عراقجي، في استفزازٍ مُتعمّدٍ، صورةَ العلمينِ اللبنانيِّ والإيرانيِّ للتأكيدِ أنهمَا "متداخلينِ" في الهدفِ والرؤية. وتتزامنُ "مأساةُ" لبنانَ، التي تتعمّقُ، مع الأحداثِ في قطاعِ غزّة من تعمّدِ الاحتلالِ تنفيذَ غاراتٍ واستهدافَ المدنيينَ وزيادة معاناتِهِم الإنسانيّة. وفي أحدثِ بياناتِهَا، أعلنَت وزارةُ الصحةِ في غزّة، أن الخروقات الإسرائيليّةَ، منذ توقيعِ اتفاقِ الهدنةِ، أدَت إلى استشهادِ 961 فلسطينيًا وإصابة 3020 حتى الآن. بدورِهِ، أفادَ الأمينُ العامُ للأممِ المتحدةِ أنطونيو غوتيريش، بمقتلِ 136 من موظفي المنظمةِ أثناءَ أداءِ مهامِهِم خلالَ العامِ الماضي، من ضمنهِم 80 موظفًا كانوا يعملونَ في قطاعِ غزّة، موضحًا أن عددَ هؤلاء فاقَ عددَ من فقدتهُمْ المنظمةُ في أيِّ نزاعٍ أو كارثةٍ أخرى في تاريخها. وفي الأحداثِ العربيّةِ الأخرى، جدّدت الولاياتُ المتحدةُ وبلجيكا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة، في بيانٍ مشتركٍ، تأكيدَ الحاجةِ المُلحةِ إلى هدنةٍ إنسانيّةٍ في السودان، تُمهّدُ لوقفٍ دائمٍ لإطلاقِ النارِ. وشدّدَت، في الوقتِ عينِهِ، على أنه لا توجدُ حلولٌ عسكريةٌ للأزمةِ الراهنة.

دوليًا، أشارَ الرئيسُ الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي إلى أنه عقدَ نقاشًا "إيجابيًّا" مع المبعوثينِ الأميركيينِ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وأشادَ بما وصفَهُ بـ"استعدادهما" للعملِ على التوصلِ إلى تسويةٍ للحربِ في كييف خلالَ الأسابيعِ المقبلة. وتوقفَت المحادثاتُ، التي توسّطَت فيها الولاياتُ المتحدةُ بشأنِ الصراعِ المُتأزمِ مع موسكو، مع تركيزِ واشنطنَ الواضح على الصراعِ في إيران. إلى ذلكَ، لفتَت زيارةُ الرئيسِ الصينيّ شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ، التي تُعّدُ الأولى منذ سبعِ سنواتٍ، وتأتي في سياقِ تعزيزِ التواصلِ الاستراتيجيِّ وتعميقِ التعاونِ الوديّ. وذلكَ بهدفِ دفعِ العلاقاتِ إلى تطورٍ أوسعٍ يواكبُ المرحلةَ الجديدةَ في الشكلِ "الظاهري". أما هدفُ الزيارةِ "الباطنيّ" فيكمنُ في احتواءِ التمدّدِ الروسيِّ المُتعاظم.

جميعُ هذه التطوراتُ والمستجداتُ كانت محلَّ اهتمامِ الصحفِ العربيّةِ الصادرةِ اليوم الثلاثاء. وفي الآتي موجزٌ بأهمِها:

كتبت صحيفة "الخليج" الإماراتية: "تلقي جولة التصعيد الأخيرة بين إيران وإسرائيل بظلال من الشك على المشهد الإقليمي الذي يعرف حالة من الجمود والمراوحة المؤلمة بين نوايا التهدئة ونوازع التوتر، ما يثير مخاوف مستمرة من خروج الأوضاع عن السيطرة وانزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد، رغم الجهود الدبلوماسية الجارية لتجاوز هذه المرحلة". ونبهت إلى أن "هذه الدوامة العبثيّة من التصعيد المصطنع والهدوء الزائف، أرهقت المنطقة وتحولت إلى استنزاف ممنهج يستهدف مقدرات الشعوب ويتلاعب بمصائر الدول. وفي الوقت الذي ينشغل فيه بعض صنّاع القرار بتسجيل انتصارات وهمية عبر الخطب المتلفزة ومنصات التواصل، تدفع المجتمعات المسالمة ثمنًا باهظًا من أمنها واقتصادها ومستقبل أجيالها. ومهما تكن المبررات، فإن هذا الوضع لا يجب أن يستمر، وعلى المجتمع الدولي، ولا سيما العقلاء والمعتدلين فيه، أن يقف وقفة تاريخية للضغط الحقيقي والفعّال لإنهاء هذا الوضع المدمر".

صحيفة "الرياض" السعودية، من جانبها، رأت أن "هذه الحرب تُظهر التداخل الكبير بين ما يُسمّى بالجغرافيا السياسية والجغرافيا الاقتصادية نظرًا إلى ارتباط منطقة الخليج بالعالم واعتماد صحة الاقتصاد العالمي على السلم والاستقرار في منطقة الخليج". وأضافت أنه "ومع أن المملكة العربية السعودية ليست أكثر الدول تأثراً بإغلاق مضيق هرمز، لأن لديها منافذ أخرى لصادراتها عبر البحر الأحمر والطرق البرية، إلا أنها تستشعر المسؤولية تجاه المنطقة ومعظم دول العالم التي تضررت كثيرًا من استمرار الحرب، وتسعى إلى استعادة السلام والاستقرار، ما سيتيح للمنطقة أن تلتقط أنفاسها وتستأنف مسيرة التنمية التي تأثرت بالحرب".

أما صحيفة "الدستور" الأردنية، فأشارت إلى أن "عودة المواجهات الإيرانية - الإسرائيلية كشفت هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار، وهشاشة هدنة الحرب، وهشاشة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية وإعلان وقف إطلاق النار الذي لا تحترمه ولا تقيم إسرائيل له وزنًا". وتابعت أن "الردّ الإيراني أعاد إلى الواجهة حقيقة وحدة الجبهات، وبينما كانت أميركا وإسرائيل في مفاوضات واشنطن اللبنانية الإسرائيلية تسعى إلى تحويل وقف إطلاق النار إلى خيار سياسي يفصل بين الجبهات. ولكن ما بعد الرد الإيراني فإن النتائج جاءت معاكسة، حيث نجحت إيران في فرض معادلتها استراتيجيًا وفرضت قواعد للردع يبدو أنها بدأت تأتي بثمارها السياسية والعسكرية".

في سياقٍ متصلٍ، اعتبرت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "الرد الإيرانيّ على القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية أكثر من مجرد تضامن سياسي أو معنوي مع حزب الله كحليف استراتيجي. فقد حمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن الورقة اللبنانية لا تزال جزءًا من عناصر القوة التي تسعى طهران إلى الاحتفاظ بها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على الربط بين المسارين اللبناني والإيراني وأي تفاهمات إقليمية أو دولية أوسع، باعتبار أن التخلي عن هذه الورقة في هذه المرحلة يعني خسارة أحد أبرز عناصر النفوذ التي راكمتها إيران خلال العقود الماضية". ولفتت إلى أنه "بين الرغبة الإيرانية في التمسك بالورقة اللبنانية، والمسعى الإسرائيلي لإفشال أي تقارب أميركي إيراني، تبقى المصلحة اللبنانية الحقيقية في فك الارتباط بين مصير البلاد وصراعات الآخرين، وتحويل وقف إطلاق النار من هدنة مؤقتة قابلة للانهيار، إلى فرصة جدية لاستعادة الدولة لدورها".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن