ما هي الرسائل التي حملتها الصواريخ المتبادلة بين إيران وإسرائيل مساء الأحد الماضي، في أكبر تهديد للهدنة الهشة؟! في ظني أننا نخطئ كثيرا حينما نتخيل أن السبب الجوهري هو رد إيران على قصف إسرائيل للضاحية الجنوبية في بيروت معقل "حزب الله". وربما يكون الأدق أن كل طرف يريد إعادة تموضعه في الصراع الدائر وتعزيز الأوراق التي يملكها. القصف الصاروخي المتواصل بين إيران وإسرائيل يشير بوضوح إلى أنها المرة الأولى في تاريخ الصراع التي تبادر فيها إيران بقصف إسرائيل بعدما كانت الأخيرة هي المبادرة دائما.
أغلب الظن أن إيران تشعر أنها في موقع أفضل بكثير منذ انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها في 28 فبراير. هي تعرضت لضربات مؤلمة في البداية وتم اغتيال مرشدها الأعلى وكبار قادتها العسكريين في اللحظات الأولى من العدوان. ونتذكر أنها تعرضت لعدوان إسرائيلي أمريكي لمدة 12 يوما في يونيو من العام الماضي أدى لاغتيال العديد من كبار المسئولين السياسيين والعسكريين وعلماء البرنامج النووي.
لكن الذي حدث في نهاية حرب الـ40 يوما التى توقفت بهدنة هشة في 8 أبريل الماضي، هو أن إيران صارت في موقف سياسي واستراتيجي أفضل بكثير مما كانت عليه قبل بداية الحرب، والسبب صمود النظام أولا، واستخدام ورقة مضيق هرمز ثانيا، مما أربك معظم خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اكتشف أن فائض القوة العسكرية غير قادر وحده على حسم المعركة. في المفاوضات المستمرة، اكتشفت إيران أن ترامب في ورطة كبيرة، خصوصا بسبب ارتفاع أسعار الوقود في أمريكا، وتأثيرات ذلك على شعبيته وعلى فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، ومن أجل كل ما سبق بدأت إيران تحاول فرض معادلة جديدة للصراع.
إسرائيل من جهتها كانت تريد للحرب أن تستمر بمشاركة الولايات المتحدة، بحيث تنتهي بإسقاط النظام الإيراني واستنزاف قدرات إيران الشاملة مثلما فعلت في سوريا وتفعل الآن فى لبنان وقبل ذلك في غزة، وبحيث أيضا تنتهي الحرب بصراع عربي إيراني مستمر على غرار حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران 1980 – 1988 واستنزاف قدرات البلدين ومقتل أكثر من مليون شخص. ويحسب للسعودية أنها متنبهة للمحاولات الاسرائيلية. تل أبيب هي المتضرر الأكبر من توقف الحرب، خصوصا إذا انتهى بعدم إسقاط النظام الإيراني.
ونعلم أن طهران لوحت قبل أيام بأن أي استهداف للضاحية الجنوبية في بيروت سيقود لاستئناف قصفها لإسرائيل، ونعلم أن ترامب أقنع إسرائيل بعدم مهاجمة بيروت حتى يتم التوصل للاتفاق. وبالتالي فأغلب الظن أن إسرائيل حينما هاجمت الضاحية قبل أيام قليلة كانت أولا تختبر مدى جدية الخط الأحمر الإيراني، وثانيا جر إيران إلى قصفها، وبالتالي ترد بعنف، ويتم استئناف الحرب بصورة كاملة. هذا السيناريو الإسرائيلي هو الأقرب إلى المنطق، والمؤكد أنه تم بالتنسيق مع ترامب، لتحقيق أكثر من هدف أولها: تليين الموقف الإيراني المتصلب.
وثانيا: تدمير أكبر قدر مما تبقى في بنك الأهداف الإيرانية، قبل توقيع أى اتفاق محتمل. وثالثا: محاولة الفصل الكامل بين المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وملف جنوب لبنان، لأن قبول نتنياهو بهذا الأمر، يعنى سقوطه سياسيا في الداخل خصوصا أنه مقبل على الانتخابات العامة في أكتوبر المقبل. إيران تريد تنفيذ تعهدها وأن تبعث برسالة لـ"حزب الله" أنها لم ولن تتخلى عنه، وبرسالة إلى الحكومة اللبنانية أنها مستعدة للحرب مع إسرائيل من أجل لبنان، وبالتالى فهي تريد أن يكون وقف النار الكامل في لبنان أحد شروط أي اتفاق شامل فى المستقبل.
أين دور ترامب والولايات المتحدة في كل ما حدث؟ كالعادة ترامب متخبط ومتناقض وفوضوي. هو قال في بداية القصف الإيراني إنه طلب من نتنياهو ألا يرد على إيران، وأنه مستغرب من السلوك الإسرائيلي المنفلت في لبنان، لأنه يجهض الاتفاق المحتمل، وأنه كان سيعلن أن التوقيع على هذا الاتفاق سيتم خلال يومين أو ثلاثة. لكن هل كان نتنياهو سيقبل ألا يرد على إيران؟!
كان هذا سؤالا مهما ردده كثيرون منذ بداية القصف الإيراني. لكن الذي حدث أن الجيش الإسرائيلي رد وبعنف واستهدف مصانع للبتروكيماويات وطلب إذن ترامب لاستهداف بقية منشآت الطاقة الإيرانية. في حين يريد ترامب أن يكون بعيدا عن التصعيد الراهن. ما حدث في الساعات الأخيرة أن كل طرف يحاول تحسين موقفه العسكري أو التفاوضِي أو السياسي، وأغلب الظن أن السلام الحقيقي بعيد تماما عن هذه المنطقة المنكوبة وشعوبها البائسة.
(الشروق المصرية)

