على عكس تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، التي كانت تُبشّر بقرب التوصل إلى اتفاقٍ مع طهران، حملت الساعات الأخيرة الكثير من التصعيد، بعد عودة الضربات العسكرية وتهديد إيران بـ"قصفٍ عنيفٍ". يحدث كل ذلك وسط تساؤلاتٍ عن مصير المسار التفاوضيّ وقدرة واشنطن على تحريك "المياه الراكدة" وتسريع إبرام تسويةٍ، بفعل الضغوط الكبيرة المُمارسة على النظام الإيرانيّ للرضوخ والاستسلام. فيما يبدو هذا النظام "يتلوى" بسبب العقوبات وتشديد "الخناق" عليه، لكنه يصرُّ على الاستمرار في حالة المراوحة والتمسك بـ"خطوطه الحمراء"، من دعم "الوكلاء" إلى البرنامج النوويّ والحصول على الأموال المُجمّدة. وتُعتبر هذه الأموال من أهم البنود بالنسبة إليه بسبب الوضع الاقتصادي والمعيشيّ الضاغط في الداخل، والذي يُنذر بالأسوأ، على الرغم من محاولات إيران ضبط الأمور وفرض يدٍ من حديد على كل مفاصل الدولة وشؤونها. لكن هذا الصراع "الحامي الوطيس" يؤثر على جميع دول المنطقة، التي تُريد لهذه الحرب أن تنتهي، ومن هنا يأتي تدخلها العاجل لمنع الأمور من الانفلات أكثر.
فإلى جانب باكستان، الوسيط الأساسيّ لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، تؤدي قطر دورًا ملموسًا أيضًا في هذا الإطار. إذ، وبحسب المعلومات المتداولة، توجّه وفد قطري إلى العاصمة الإيرانيّة، في محاولةٍ جديدةٍ لدفع المفاوضات المُتعثرة ومعالجة "الخلافات المتبقية"، على الرغم من التصعيد العسكريّ الأخير بين الجانبين. وتأتي "حركة" الدوحة بالتنسيق مع الجانب الأميركيّ، الذي يُريد إتمام الصفقة والظهور بموقع المتقدّم على إيران. لكنه، في المقابل، يرفض تسوية لا تحمل أي "عناصر قوة" لكي لا يُتهم ترامب بتوقيع اتفاقٍ أشبه بذلك الذي "مزقه" خلال ولايته الأولى ووصفه بأنه "أقرب إلى الذّل"، وشنّ هجومًا عنيفًا على الرئيس الأسبق باراك أوباما. وهذه التفاصيل تُعقد الطريق المُحاط بـ"الألغام" من كل حدب وصوب وتُزيد مخاطر الإنزلاق نحو عودة لغة القصف على حساب الحوار والديبلوماسيّة، التي لم تفلح بعد في إزالة العوائق. وأمس، هدّد الرئيس الأميركيّ إيران "بعنفٍ شديد" إذا لم يُنجز اتفاق سلام نهائيّ، قائلًا "نريد اتفاقًا ذا معنى، نريد اتفاقًا يمكن إنجاحه". وذكر أن إيران وافقت بالفعل على عدم امتلاك سلاح نوويّ، لكن الاتفاق "لا يزال بحاجة إلى التوقيع". وجاءت هذه التهديدات بعدما شنّت الولايات المتحدة غارات جوية على عدة أهداف في جنوب إيران، وردت طهران بهجمات صاروخيّة ومُسيّرة استهدفت الأردن والبحرين والكويت. كل ذلك كان بمثابة "ردّ مدروس" على إسقاط مروحية هجومية قرب مضيق هُرمز وإتهام النظام الإيرانيّ بالوقوف خلف ذلك، فيما نفى الأخير تلك الإتهامات.
ولكن الضربات التي حصلت فجر الأربعاء، لم تكن الأخيرة بل فتحت تصريحات ترامب عن "الرّد العنيف" الباب أمام "جولة عنف" جديدة، حيث أعلنت القيادة المركزية الأميركيّة "سنتكوم" عن تنفيذها عمليات شملت استخدام ذخائر دقيقة التوجيه مستهدفة مواقع إيرانيّة اعتبرتها تُشكل تهديدًا مباشرًا للقوات الأميركيّة ولحركة الملاحة التجارية. ووضعت القيادة ما يجري في إطار الرّد على "العدوان الإيرانيّ المُستمر وغير المبرّر"، مشيرة إلى أن قواتها لا تزال في "حالة يقظة وجاهزية عالية، مع قدرة مستمرة على تنفيذ ضربات حاسمة عند الحاجة". هذا وكان وزير الحرب بيت هيغسيث أكد أن الرئيس ترامب منح إيران فرصة للتوصل إلى صفقة، لكنه مستعد لاتخاذ خيارات عسكرية إذا رفضت الاستجابة، مضيفًا أن القيادة المركزية جاهزة لتنفيذ ضربات جديدة بأوامر رئاسيّة إذا استمر ما وصفه بـ"المماطلة". وشدّد على أن واشنطن تحتفظ بسرية خططها العسكرية، مع تطوير مستمر لبنك الأهداف استنادًا إلى معلومات استخباراتيّة مُحدثة. ورأى أن أمام إيران خيارين، فإما الاستجابة للمفاوضات أو مواجهة المزيد من التصعيد العسكري. في المقابل، لم تتغير "وتيرة" الحديث الإيرانيّة، إذ قال المتحدث الأعلى بإسم القوات المُسلحة، أبو الفضل شكارجي، إن بلاده لن تتراجع أمام التهديدات، متوعدًا بأنها سترّد "بشكل أشد وأقوى" إذا تعرضت للمزيد من التهديدات. فيما ذهب الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان نحو التمسك بحقوق شعبه، معتبرًا أن استهداف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات النقل وقطاعا الكهرباء والمياه، لا يُمثل "استعراضًا للقوة"، بل يعكس "عجزًا أمام إرادة شعب".
في الأثناء، أفاد موقع "أكسيوس"، نقلًا عن مسؤول أميركيّ كبير، بأن الضربات الأخيرة على إيران هدفت إلى "إستعادة بعض النفوذ" في المفاوضات، لكن بصورة "مدروسة ومحدودة" لا تؤدي إلى سقوط قتلى أو إغلاق باب التوصل إلى اتفاق. وبحسب الموقع عينه، فقد أبلغ البيت الأبيض الإيرانيين قبل الضربات أن "الوقت بدأ ينفد" للحصول على جواب واضح بشأن المقترح الأميركيّ الأخير، لكن طهران قالت إنها لا تزال بحاجة إلى مزيدٍ من الوقت. وطلب البيت الأبيض إدخال تعديلين على مسودة التفاهم، يشملان خفض تخصيب اليورانيوم الإيرانيّ خلال 60 يومًا، كما تعهد طهران بعدم فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هُرمز، مقابل السماح بخفض التخصيب داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدوليّة للطاقة الذرية. وفي ظل هذا المشهد الساخن، كشف ترامب أن الجيش الأميركيّ نفذ "مهمة سرية" ساعدت على تأمين عبور أكثر من 100 مليون برميل من النفط الخام عبر مضيق هُرمز، منوهًا بأن هذه الجهود ساعدت على استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالميّة. ولم يُعرف الكثير من التفاصيل، ولكن ما يجري يؤكد حقيقة أن هذا الممرّ الحيويّ والحساس دخل في أتون الأزمة وبات "عقدة" تحتاجُ إلى حلّ، بعد أن كرسته طهران كـ"ورقة إبتزاز" تستخدمها ضمن أوراقها التفاوضيّة. في غضون ذلك، استدعت الهند القائم بالأعمال الأميركيّ في نيودلهي وقدمت احتجاجًا شديد اللهجة إثر هجوم على سفينة قبالة سواحل عُمان أسفر عن فقدان 3 هنود من طاقمها.
بدوره، أدان المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجيّ، الاعتداءات الإيرانيّة على البحرين والكويت والأردن، التي وقعت صباح الأربعاء، واعتبرها "عدوانًا سافرًا على سيادة الدول وأمن شعوبها وسلامة أراضيها، وانتهاكًا صارخًا للقانون الدوليّ وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار". وأكد المجلس الخليجيّ، في ختام اجتماعه في العاصمة البحرينيّة المنامة، أن أمن دول مجلس التعاون كلٌّ لا يتجزأ، وأنّ أيّ اعتداءٍ على إحداها هو اعتداءٌ عليها جميعًا. واستخدم "نظام الثورة الإسلاميّة" مُسيراته من أجل قصف دول الجوار دون أن يتراجع عن هذه الخطوة التي تُسبب المزيد من الفراق وتُزيد من حجم الخلافات، رغم تأكيد هذه الدول بأنها ليست طرفًا في الصراع الدائر. وما تخلّفه هذه الأزمة سيكون ذات تداعيات طويلة الأمد بعدما اختبر "الخليج العربي" معنى التهديدات الإيرانيّة وقدرتها على ضرب "العمق" متذرعة بحقها المشروع في الدفاعِ عن النفس. في سيّاق ذات صلة، وافق مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على قرار دعمته الولايات المتحدة يطالب إيران بالإعلان عن مخزوناتها الباقية من اليورانيوم المُخصب والسماح للمفتشين بالتحقق منها، وهو ما يُزيد "الطين بلّة". وينصُ القرار، الذي جرت الموافقة عليه بأغلبية 21 صوتًا ومعارضة ثلاثة أصوات وامتناع 10 عن التصويت (من بينها روسيا والصين) في المجلس الذي يضم في عضويته 35 دولة، على أن إيران يجب أن "تزود الوكالة بمعلومات كاملة عن مخزوناتها من المواد النووية" وأن تمنحها حق الوصول الذي تحتاج إليه للتحقق من ذلك "دون تأخير". يُشار إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن، الأربعاء، أن قادة كل من مصر والسعودية وقطر والإمارات سيشاركون في إحدى جلسات قمة مجموعة السبع المقرّرة، يوم الثلاثاء، في إيفيان لبحث الحرب في الشرق الأوسط.
كل هذه المستجدات المتعلقة بطهران تكتسب زخمًا في إسرائيل، التي تشهد حالة من الإنقسام ورفض السيّر بـ"إملاءات ترامب". وأظهرت مداخلات الوزراء في اجتماع "الكابينت" الأمنيّ - السياسيّ المُصغر الذي انعقد ليل الثلاثاء - الأربعاء بمشاركة جميع أعضائه الـ15، وفق التسريبات، تصاعدًا في سقف الدعوات إلى توسيع الحرب كما التمسك بالخطط الموضوعة على الجبهة اللبنانيّة التي تشهد المزيد من الأعمال العسكرية رغمًا عن المسار التفاوضيّ الذي لم تنجح بعد مباحثات واشنطن في إحداث خرق لتداخل عدة عوامل، بدءًا من التعنت الإسرائيليّ ودخول طهران "بقوة" على خط الازمة خوفًا من خسارتها "هذه الساحة" إلى جانب رفض "حزب الله" المتكرّر الجهود اللبنانيّة والعمل على إفشالها، بينما يؤكد التعويل على مسار مفاوضات إسلام آباد، سعيًا وراء إبقاء الملفين متصلين ببعضهما البعض على عكس الجهود اللبنانيّة لفصلهما. وتبرزُ مواقف رئيس الجمهورية – وكذلك الحكومة – سقفًا عاليًا من الرفض للتمدّد الإيرانيّ وتوظيفه لبنان وشعبه في "بازار" تحسين شروطه. وفي أخر تصريحاته، جدّد الرئيس جوزاف عون تمسكه بمسار التفاوض مع إسرائيل، مشددًا على أنه اتخذ هذا القرار عن قناعة وسيواصله حتى نهايته انطلاقًا من حرصه على ترسيخ سيادة الدولة اللبنانيّة واستعادة دورها الكامل. وفي سياق حديثه، رفض الأخير بشكل قاطع العودة إلى أي شكل من أشكال الوصاية الخارجيّة، مؤكدًا ترحيب لبنان بالدعم والمساندة من الدول الصديقة، لكنه دعا إلى ضرورة التمييز بين المساعدة المشروعة والتدخل في الشؤون الداخليّة بما يتعارض مع المصلحة الوطنيّة.
ويدقُ كلام الرئيس عون "ناقوس الخطر" بعد التغول الإسرائيليّ وتكثيف الضربات وتوسيعها في الأسابيع الأخيرة، إلى جانب إنذارات الإخلاء التي لا تتوقف يوميًا. وجدّد جيش الإحتلال، أمس، دعوة الأهالي في ثلاث قرى جنوب لبنان، وهي حومين الفوقا والغسانية وأنصارية إلى ترك منازلهم، فيما شنّ غارات جوية أسفرت عن مقتل 13 شخصًا وإصابة 15 آخرين. كما استهدفت مُسيّرة سيارة في مدينة صيدا وتسببت بسقوط قتيلين، وأدت إلى اشتعال عدد من السيارات، كما استهدفت مُسيّرة أخرى أوتوستراد الزهراني بالقرب من جسر الصرفند. وإضافة إلى الضربات المتواصلة، أوردت "الوكالة الوطنية للإعلام" أن دورية إسرائيليّة اقتادت "عضو بلدية كفرشوبا محمد حسن الحاج والعامل أحمد صلاح ذياب إلى جهة مجهولة، وذلك في أثناء قيامهما بأعمال ضخ المياه" إلى بلدتهما المحاذية للحدود. وفي بيان لاحق، قال الجيش الإسرائيليّ إن جنوده رصدوا "شخصين مشتبه بهما اقتربا من المنطقة حيث يعملون في جنوب لبنان"، مضيفًا "بعد رصدهما، وللتأكد من عدم وجود تهديد، ألقت القوات القبض على المشتبه بهما، ونُقلا إلى الأراضي الإسرائيلية لمزيد من الاستجواب". وتقع بلدة كفرشوبا في قضاء حاصبيا قرب الحدود مع إسرائيل، وهي من القرى القليلة التي بقي السكان فيها منذ بدء الحرب متمسكين بأرضهم رغم كل المخاطر المحدقة بهم. و"وحشية إسرائيل" المُتعاظمة واعتمادها مبدأ التدمير والتهجير الممنهج ترافقت مع دعوة أطلقها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى اللبنانيين للانضمام إلى إسرائيل في حربها ضد "حزب الله"، معتبرًا أن البلد أصبح "رهينة" بيد الحزب. وقال الأخير، في رسالة مصورة: "إسرائيل ليست في حالة حرب معكم (أي الشعب اللبنانيّ)، نحن في حالة حرب مع "حزب الله"... إسرائيل تريد السلام معكم، مع لبنان".
محاولات نتنياهو من أجل الاستمرار في الحرب و"تمييع" المفاوضات تتزامن مع إعلان حزب "الليكود" أن الأخير سيخوض الانتخابات المقبلة، مؤكدًا أنه سيفوز بها، وذلك في معرض ردّه على تشكيك الرئيس ترامب في فوز نتنياهو إذا ترّشح. ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيليّ إنتقادات داخليّة مستمرة بشأن إدارته لعدة حروب وصراعات مُتزامنة مع ارتفاع تكاليف الصراعات وتبعاتها ولكنه يصرّ على الحفاظ على مسيرته السياسيّة متخطيًا حتى جلسات محاكمته بقضايا الفساد والرشاوى. في إطار متصل، رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السقف عاليًا بمواجهة تل أبيب، ليرسم ما وُصف بخطوط حمراء تركية لمواجهة ما تعتبره أنقرة مشروعًا توسعيًا إسرائيليًا. وقال أردوغان إن "أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية أو من ولاية هاطاي، بل من حلب ودمشق وبيروت"، مؤكدًا "أن بلاده لن تسمح بفرض أمر واقع على الدول الشقيقة أو بتنفيذ مخططات تسمح بأوهام أرض الميعاد". وحذّر من أنه "إذا لم يتم وضع حدّ لبلطجة إسرائيل فإن ثمن ذلك لن تدفعه المنطقة وحدها إنما الإنسانيّة بأسرها". وما يحصل في لبنان من تصعيد وتوسيع المنطقة العازلة في سوريا وتزايد الاعتداءات الإسرائيليّة لا يغيب عنه قطاع غزّة والضفة الغربية التي تعيش "نكبة" مستمرّة مع مواصلة اعتداءات الجيش والمستوطنين. تزامنًا، إتهمت "منظمة العفو الدولية"، إسرائيل بتنفيذ حملة "تطهير عرقيّ" ضد التجمعات البدوية في الضفة، من أجل تسريع ضمّ الأراضي الفلسطينيّة.
في الأخبار الأخرى، حّددت الحكومة العراقية أيلول /سبتمبر المقبل موعدًا لإكمال تنفيذ خطتها لحصر السلاح بيد الدولة. وشدّد رئيس الوزراء، علي الزيدي، على مواصلة هذه الخطوات، معربًا عن تقديره للقوى السياسيّة الداعمة لمسار الاستقرار والإصلاح. وتواجه الخطة عوائق وتعفيدات كبيرة ولكنها تأتي في مرحلة شديدة الحساسيّة مع تزايد الضغوط الأميركيّة ومحاولات بغداد تحييد نفسها عن الصراعات السياسيّة الدائرة من حولها. دوليًا، انتقد بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر مفهوم "الحرب العادلة"، قائلا إنه "عفا عليه الزمن"، في إشارة ضمنيّة إلى الحروب التي تشنّها الولايات المتحدة، في موقف متمايز جديد يُزيد التباعد بين واشنطن والفاتيكان.
الجولة الصباحية على الصحف العربيّة الصادرة اليوم تعكس اهتمامًا بالمواضيعِ والعناوين التالية:
كتبت صحيفة "الخليج" الإماراتية "مازال صناع القرار في طهران يصرون على تصدير أزماتهم الداخلية إلى الجوار وصرف الأنظار عن استحقاقات إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، فضلًا عن الخسائر العسكرية والاقتصادية الفادحة التي تكبدوها في الأشهر الثلاثة الأخيرة. وبدل الانخراط بنوايا صادقة والتجاوب مع الجهود الدولية والإقليمية لخفض التصعيد، لا تبدو البوصلة الإيرانية تتجه إلى برّ الأمان، فيما تتزايد المؤشرات التي تدل على رغبة طهران في الحفاظ على وتيرة التصعيد الإقليمي كأداة للمساومة، مما يضع أمن واستقرار منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط أمام منعطف تاريخي حرج"، مؤكدة أن " استمرار هذه الحرب لم يعد يُحتمل، وتمادي الاعتداءات الإيرانية الغادرة على دول الجوار لعبة خطرة قد تجر مزيدًا من الويلات. وعلى كل المتلاعبين والعابثين بمصائر الدول والشعوب أن يدركوا أن الحفاظ على استقرار هذه المنطقة لايخضع لمزاج فرد أو زمرة، بل تصنعه إرادة جماعية تؤمن بقوة الحق والردع المشروع"، وفق تعبيرها.
صحيفة "الدستور" الأردنية، بدورها، لفتت إلى أن "الحرب الأميركية - الايرانية سوف تنتهي، وما بعد الحرب بلا شك أن الاقليم سيكون أمام موازين قوى جديدة، وتغيير في كل شيء. مسارات التفاوض الأميركي / الايراني تفتح أسئلة كثيرة حول الحرب، ومآلات ما بعد الحرب، وقراءة المصالح الامريكية والايرانية وكيف سوف تترجم في اتفاق نهاية الحرب، وما الذي يدور في المفاوضات بين الادارة الامريكية والحكومة الايرانية"، مستنتجة أن "العرب هم الخاسر الأكبر سواء قوضت أيران أم توصلت الى تسوية وتفاهم واتفاق مع امريكا. مسار التفاوض يقول: أن نجاحه لا بد ان يوازيه تنازل أمريكي لايران، وفرضها في قوى ناعمة وخشنة استراتيجيًا واقتصاديًا، وامنيًا.
وفي الشأن اللبنانيّ، أشارت صحيفة "اللواء" اللبنانية إلى أنه "لم تعد الحرب الدائرة بين إسرائيل و"حزب الله" مجرد مواجهة عسكرية على الحدود الجنوبية للبنان، بل تبدو اليوم نقطة تحوّل قد ترسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ لبنان والمنطقة. فالحروب الكبرى لا تنتهي عند وقف إطلاق النار، بل تخلّف وقائع سياسية وجغرافية جديدة، وتفرض توازنات قد تستمر لعقود طويلة". وأضافت "إسرائيل ليست بمنأى عن تداعيات الصراع. فالحروب الطويلة تستنزف الاقتصاد، وتعمّق الانقسامات الداخلية، وتضعف صورة الدول في الرأي العام العالمي. وقد أثبت التاريخ مرارًا أن التفوّق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار السياسي أو فرض السلام الدائم".
في سيّاق منفصل، رأت صحيفة "الرياض" السعودية أنه "لم يعد الحديث عن تحول المملكة إلى منصة لوجستية عالمية تربط القارات الثلاث مجرد خطط طموحة على ورق؛ بل هو واقع صلب يُصاغ اليوم برؤية قيادة حكيمة وعزيمة لا تلين، حيث تأتي مذكرة التفاهم للربط السككي الدولي بين المملكة وتركيا كترجمة عملية ومباشرة لذلك. فهذا المشروع ليس مجرد خطوط حديدية عابرة للحدود، بل هو مشروع قرن يعيد صياغة خارطة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، لاسيما في وقت يقف فيه العالم عاجزًا أمام تحديات الجغرافيا السياسية وارتهان المضائق المائية للحسابات العسكرية والسياسية الضيقة، مما يبرز المملكة كعمق إستراتيجي ونقطة ارتكاز إلزامية لأي ربط قاري كفؤ وآمن". وأوضحت "تكمن ضخامة هذا المشروع التاريخي في كونه يصنع خطًا تنمويًا متكاملًا وصولًا إلى تركيا ومنها نحو عمق الاقتصاد الأوروبي، وهذا المسار الطموح يعكس بوضوح قدرة الدبلوماسية التنموية السعودية على صياغة مسارات اقتصادية مستدامة تخدم نمو الشعوب وتفتح آفاقًا غير مسبوقة للتبادل التجاري والصناعي والسياحي".
(رصد "عروبة 22")

