خلال نحو 48 ساعة قدمت الدول الغربية دليلا جديدا على عنصريتها وازدواج معاييرها في التعامل مع باقي شعوب العالم، لكي تؤكد أن كل ما تردده هذه الأنظمة من كلام عن القانون الدولي ومبادئ الإنسانية والعدالة ليست إلا شعارات ترفعها لكي تبرر بها عدوانها على الدول الضعيفة. ففي الولايات المتحدة منعت السلطات الأمريكية حكم كرة القدم الصومالي عمر عبدالقادر أرتان، من دخول أراضيها للمشاركة في تحكيم مباريات كأس العالم المقرر انطلاقها يوم الجمعة المقبل، لمجرد أنه صومالي وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال عن الصومال الشقيق إنه "أسوأ دولة في العالم".
ولم يخرج من أي دولة غربية انتقاد أو إدانة للموقف الأمريكي المخالف لكل الأعراف والقواعد المنظمة لاستضافة مثل هذه الفعاليات الدولية، بما في ذلك ضمان حق وصول المشاركين إلى الدولة المضيفة، في حين عندما رفضت ماليزيا دخول الفريق الإسرائيلي المشارك في بطولة كأس العالم للإسكواش إلى أراضيها، قرر الاتحاد الدولي للعبة إلغاء البطولة. في المقابل رضخ الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" للقرار الأمريكي وأصدر بيانا لم يكن ليصدره لو كان الموقف من أي دولة أخرى غير الولايات المتحدة ورئيسها ترامب الحاصل على "جائزة الفيفا للسلام" قال فيه: "إن إجراءات الهجرة وإصدار التأشيرات تعد من الاختصاصات السيادية للدولة المضيفة، وإنه لا يتدخل في القرارات المتعلقة بمنح أو رفض التأشيرات لأي شخص، بما في ذلك الحكام والمسؤولون المشاركون في البطولات التي تقام تحت مظلته".
وبعد أقل من 48 ساعة على هذا الموقف ضد الحكم الصومالي اتفقت الدول الأوروبية والولايات المتحدة على طرح مشروع قرار على مجلس وكالة الطاقة الذرية يتهم إيران بعدم التعاون مع الوكالة، يجبرها على إبلاغ الوكالة بمصير مواقعها النووية التي تعرضت للقصف الأمريكي الإسرائيلي في الحرب الأخيرة واليورانيوم المخصب الذي كان مخزنا فيها، دون أي إشارة إلى الجريمة التي ارتكبها الأمريكيون والإسرائيليون عندما قصفوا المنشآت النووية الإيرانية بما تحويه من يورانيوم مخصب، وما يمكن أن يؤدي إليه من تلوث إشعاعي يمكن أن يضر ليس فقط بالشعب الإيراني وإنما بشعوب الدول المجاورة رغم أن القانون الدولي يُجرم قصف هذه المنشآت التي كانت خاضعة من الناحية الرسمية للتفتيش من خبراء الوكالة قبل الحرب.
قد تكون إيران غير ملتزمة بمعاهدة حظر الانتشار النووي، وقد لا تكون ملتزمة بقواعد حسن الجوار بالنسبة لدول الخليج، لكن الأمر المؤكد هو أن الموقف الغربي ضد إيران ينطلق من تلك النزعة العنصرية التي لا ترى في جرائم إسرائيل وامتلاكها لترسانة نووية ورفضها التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي مشكلة، في حين ترى أن محاولة أي دولة أخرى امتلاك المعرفة النووية خارج مظلة الغرب جريمة لا تغتفر.
ولم يكن صمت الغرب على حرمان الحكم الصومالي من حقه في المشاركة في كأس العالم، ومحاولته إدانة إيران أمام وكالة الطاقة الذرية، سوى تكرار للمواقف العنصرية الغربية التي ترى أن الرجل الأبيض هو وحده صاحب الحق والامتياز، وأن شعوب العالم الأخرى ليس لها أي حق. فعندما غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022 انتفضت الدول الغربية ضد موسكو ففرضت عليها العقوبات، واستصدرت من المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وعندما شنت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة بعد هجوم المقاومة الفلسطينية على القواعد والمستوطنات الإسرائيلية في غلاف القطاع في أكتوبر 2023 تسابقت الدول الغربية لدعم الجيش الإسرائيلي وتزويده بكل أدوات الإبادة وتوفير الغطاء السياسي لجرائمه، باستثناء بعض الدول الأوروبية التي تبنت مواقف نبيلة مثل حكومتي إسبانيا وأيرلندا.
(الشروق المصرية)

