صحافة

ما بعد "مذكرة التفاهم" بين أمريكا وإيران

مصطفى السعيد

المشاركة
ما بعد

رفع صورة كبيرة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ونجله مجتبى في طهران (أ ف ب).

ابتعد شبح الحرب المدمرة عن المنطقة مع الإعلان عن التوصل إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أول من كشف عن التوصل إلى صيغة نهائية لمذكرة التفاهم، ستفتح على الفور مضيق هرمز أمام الملاحة، وإنهاء العقوبات على صادرات إيران النفطية وتعاملات البنوك، وحصولها على جزء من أموالها المجمدة، والأهم هو تمديد الهدنة حتى التوصل إلى اتفاق نهائي.

الارتياح كان واضحا في البيت الأبيض وطهران ودول الخليج والمنطقة، وكل طرف له أسبابه، بينما ساد الوجوم في تل أبيب، وأعلن ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي أن ترامب أبدى التزامه بإزالة إيران المواد النووية المخصبة، وتدمير البنية التحتية للبرنامج النووي، والحد من إنتاج الصواريخ، وإنهاء دعم إيران لوكلائها، وهذه البنود غير واردة في مذكرة التفاهم، ومجرد أمنيات لنيتانياهو بالتزام ترامب بطرحها في جولة المفاوضات النهائية، أو أن تؤدي تلك النقاط إلى عرقلة الاتفاق، فالخاسر الأكبر من الاتفاق هو نيتانياهو، الذي كان أول المتحمسين للحرب، وظل يدفع باتجاهها، والمؤكد أنه لم يرحب بخطوة مذكرة التفاهم، فكان يتمنى تغيير النظام الإيراني، والقضاء على التهديد الذي تشكله إيران، والتي يعتبرها أكبر خطر على إسرائيل، ومن شأن التوافق الأمريكي الإيراني أن يهز مكانة نيتانياهو، ويقرب من عاصفة إزاحته من منصبه، وربما محاكمته، فلم يحقق نيتانياهو ما كان يعد به من القضاء على حزب الله في لبنان، ولا إزالة التهديد الإيراني، وأصبح حلم إسرائيل الكبرى بعيدا جدا عن المنال.

وكان موقع "أكسيوس" قد كشف عن أن نيتانياهو فوجئ بإعلان التوافق على مذكرة التفاهم، ولم يكن لديه علم مسبق بما تم التوافق عليه، لكن ترامب اتصل به بعد إعلانه التوصل إلى صيغة مشتركة لمذكرة التفاهم، وكان أول رد فعل لنيتانياهو الإعلان عن أن إسرائيل ليست طرفا في مذكرة التفاهم، وهذا صحيح، لكن ما جاء فيها يعني إسرائيل، ويلزمها بوقف الحرب على لبنان، وكأن نيتانياهو يحاول التنصل سريعا من هذا الالتزام، لكنه سيجد معارضة من ترامب الحريص على الوصول إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، فهو في أشد الحاجة إليه، لأنه أولا سيفتح مضيق هرمز، ويخفض أسعار النفط، وبالتالي تنخفض معدلات التضخم في الولايات المتحدة، والتي قفزت إلى 4٫2% حاليا.

كما سيروج ترامب أنه انتصر في الحرب، وسيزهو بأنه تمكن من تجميد إيران للتخصيب النووي سنوات طويلة، وأنهى أي فرصة لامتلاكها سلاحا نوويا، وسيكرر أن الاتفاق سيكون أفضل مما وقعه الرئيس الأسبق أوباما، رغم أنه لم يأت بجديد، بل حقق لإيران مكاسب مهمة، سواء بالإفراج الفوري عن جزء من أموالها المجمدة أكبر مما أفرج عنه أوباما، أو بالوضع الجديد لمضيق هرمز، والذي لن تتخلى إيران عنه، سواء فرضت رسوما أم لا، فهو الضمانة التي ستحقق من خلاله معظم مطالبها، سواء المتعلقة بإلغاء كل العقوبات أو استعادة كل الأموال المجمدة، أو عدم تنفيذ أي بند جرى الاتفاق عليه، لهذا أبدت إيران ارتياحها للتواصل إلى مذكرة التفاهم، ورأت أنها نتاج لصمودها، ونفت تخليها عن أي من مطالبها.

أما دول الخليج فقد تنفست الصعداء من انقشاع غبار المعارك، والتخلص من كابوس التصعيد الذي يمكن أن يمتد إلى بنيتها التحتية في تحلية المياه والكهرباء، واشتعال مصافي وحقول النفط، وتعرضها خلال الحرب إلى ضغوط وتحديات لم يسبق لها مثيل، وتمكنت من الخروج بأقل الخسائر، ولم تنجر إلى حرب مباشرة مع إيران كان يتم دفعها إليها.

ورغم أن مذكرة التفاهم مجرد خطوط عريضة، إلا أنها تفتح الباب أمام اتفاق نهائي، تعيد بعده دول المنطقة حساباتها، على ضوء تجربة صعبة ومريرة، وموازين قوى تتغير، وترتب لخطوات تضمن لها قدرا أكبر من الأمن، بعد الفشل الأمريكي في حمايتها، بل فشلت في حماية قواعدها العسكرية في المنطقة، التي تحولت إلى نقمة، وخطر عليها، ما سيدفع دول الخليج لترتيب منظومة أمنية إقليمية جديدة، تحقق لها قدرا أكبر من الأمن والاستقرار، والمرجح أن تنوع من علاقاتها، بدلا من الرهان على الوجود العسكري الأمريكي، وأن تولي اهتماما بالصناعة العسكرية المحلية، وتخفف التوتر بين دول الجوار.

الشعور بالارتياح امتد إلى دول شرق آسيا وأستراليا المعتمدة بشكل كبير على نفط الخليج، وكذلك أوروبا التي عانت ارتفاع أسعار الطاقة، والتي تجنبت المشاركة في الحرب تحت راية حلف الناتو، لكن الأزمة لن تنتهي بالتوقيع على مذكرة التفاهم، فهناك جولة مفاوضات اخرى حول الاتفاق النهائي ستتطرق إلى الكثير من التفاصيل، التي يمكن أن يكمن فيها الشيطان، وإن كانت الخشية من تجدد الحرب ستكون دافعا نحو التوصل إلى اتفاق نهائي.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن