تُواجِهُ عَمَلِيَّةُ إِنْشاءِ مَراكِزِ فِكْرٍ حَقيقِيَّةٍ في العالَمِ العَرَبِيِّ أَرْبَعَ مُعْضِلاتٍ رَئيسِيَّة: التَّمْويل، وَفَجْوَةُ الثِّقَةِ بَيْنَ صُنّاعِ القَرارِ وَالباحِثين، وَالمَهاراتُ اللّازِمُ تَوافُرُها لَدى العامِلينَ في هَذا المَجال، وَأَخيرًا طَريقَةُ تَعامُلِ وَسائِلِ الإِعْلامِ العَرَبِيَّةِ مَعَ الخُبَراءِ وَالباحِثين. وَهَذِهِ المُعْضِلاتُ تَبْدو مُنْفَصِلَةً، لَكِنَّها تَرْتَبِطُ بِبَعْضِها ارْتِباطًا وَثيقًا.
أَمَّا مُعْضِلَةُ التَّمْويل، فَهِيَ لَيْسَتْ مُعْضِلَةَ تَوافُرِ مَوارِد. فَالْكَثيرُ مِنَ الأَنْظِمَةِ السِّياسِيَّةِ العَرَبِيَّةِ لَدَيْها القُدْرَةُ على تَوْفيرِ التَّمْويلِ اللّازِمِ لِمِثْلِ هَذِهِ المَراكِز. لَكِنَّ المُشْكِلَةَ هِيَ اعْتِيادُ صُنّاعِ القَرارِ في عالَمِنا على أَنَّ التَّمْويلَ يَعْني الاسْتِحْواذَ على طَريقَةِ عَمَلِ هَذِهِ المَراكِز، بَلْ وَعلى اخْتِيارِ العامِلينَ فيها. وَهَذا خَطَأ.
حين يتحوّل الباحث إلى موظّف مهمّته تبرير القرار بعد اتخاذه فنحن لا نكون أمام مركز فكر بل أمام جهاز للدعاية
بِالطَّبْعِ مِنَ المَفْهومِ أَنْ يَتَوَقَّعَ المُمَوِّلُ الحُصولَ على خِدْمَةٍ مُعَيَّنَة، وَهَذا حَقُّه. لَكِنَّ الأَزْمَةَ تَقَعُ حينَ يَخْلِطُ بَيْنَ حَقِّ الحُصولِ على الخِدْمَة، وَهِيَ في هَذِهِ الحَالَةِ أَوْراقُ السِّياساتِ وَتَقْديراتُ المَوْقِفِ وَالتَّقاريرُ السِّياسِيَّة، وَبَيْنَ التَّدَخُّلِ في عَمَلِ المُؤَسَّسَة، سَواءٌ بِتَوْصِياتِ التَّعْيينِ أَوْ بِالتَّدَخُّلِ في بيئَةِ العَمَلِ وَتَفاصيلِهِ البَحْثِيَّة. فَهَذا النَّوْعُ مِنَ التَّدَخُّلِ يُفْسِدُ الهَدَفَ الأَساسِيَّ مِنْ مَراكِزِ التَّفْكير، وَيُفْقِدُها حِرَفِيَّتَها وَجَوْدَتَها المُفْتَرَضَة، كَما يَدْفَعُ الباحِثينَ وَالقِياداتِ الإِدارِيَّةَ فيها إِلى "تَفْصيلِ" المُنْتَجِ البَحْثِيِّ لِإِرْضاءِ صُنّاعِ القَرارِ وَالمُمَوِّلين.
صانِعُ القَرارِ لا يَحْتاجُ إِلى مَرْكَزٍ يَقولُ لَهُ ما يُريدُ سَماعَه. قيمَةُ مَرْكَزِ الفِكْرِ الحَقيقِيَّةِ تَظْهَرُ عِنْدَما يُنَبِّهُهُ إِلى أَنَّ بَعْضَ افْتِراضاتِهِ غَيْرُ صَحيحَة، أَوْ أَنَّ السِّياسَةَ التي يُفَضِّلُها سَتَكونُ لَها تَكْلِفَةٌ لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْها، أَوْ أَنَّ هُناكَ سينارْيو آخَرَ يَجِبُ الاسْتِعْدادُ لَه. أَمّا حينَ يَتَحَوَّلُ الباحِثُ إِلى مُوَظَّفٍ مُهِمَّتُهُ تَبْريرُ القَرارِ بَعْدَ اتِّخاذِه، فَنَحْنُ لا نَكونُ أَمامَ مَرْكَزِ فِكْر، بَلْ أَمامَ جِهازٍ لِلدِّعايَة.
أَمَّا المُعْضِلَةُ الثّانِيَة، فَلَها أَسْبابُها، وَلَعَلَّ أَهَمَّها أَنَّ البَحْثَ العِلْمِيَّ ارْتَبَطَ في أَذْهانِ قِطاعاتٍ مِنَ الجَماهيرِ العَرَبِيَّة، وَمِنْ ثَمَّ في أَذْهانِ بَعْضِ صُنّاعِ القَرار، بِأَنَّهُ عَمَلِيَّةٌ شَرَفِيَّةٌ تَتِمُّ بِغَرَضِ الحُصولِ على الدَّرَجاتِ العِلْمِيَّةِ وَالأَلْقاب، أَوْ لِأَهْدافِ التَّرْقِيَةِ الوَظيفِيَّةِ وَالمُجْتَمَعِيَّة. وَمِنْ هُنا تَراجَعَتْ ثِقَةُ صُنّاعِ القَرارِ في هَذِهِ المَراكِز، اعْتِقادًا مِنْهُمْ أَنَّها لا تُقَدِّمُ سِوى أَبْحاثٍ نَظَرِيَّةٍ غَيْرَ مُفيدَة!.
أهمّ السياسات والقرارات الدولية كانت في خلفيّتها مراكز فكر وبحث مُؤثّرة لم تكن دائمًا مُتّفقة مع الحكومات
وَالحَقيقَةُ أَنَّ هَذِهِ الثِّقَةَ تَحْتاجُ إِلى إِعادَةِ بِناءٍ مِنْ ناحِيَتَيْن. فَمِنْ ناحِيَةِ الباحِثين، عَلَيْهِمْ تَطْويرُ قُدُراتِهِمُ البَحْثِيَّة، وَكَذَلِكَ قُدُراتِهِمْ على الاسْتِخْلاصِ وَبِناءِ السّينارْيواتِ وَالعَرْضِ. وَلَيْسَ كافِيًا أَنْ يُقَدِّمَ الباحِثُ تَشْخيصًا جَيِّدًا لِلْمُشْكِلَة، بَلْ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يُقَدِّمَ بَدائِل، وَأَنْ يوضِحَ ما يُمْكِنُ تَنْفيذُهُ وَما لا يُمْكِن، وَما يَحْتاجُ إِلى قَرارٍ عاجِلٍ وَما يُمْكِنُ تَأْجيلُه.
وَمِنْ ناحِيَةِ صُنّاعِ القَرار، عَلَيْهِمْ إِدْراكُ أَنَّ كَثيرًا مِنْ أَهَمِّ السِّياساتِ وَالقَراراتِ الدَّوْلِيَّةِ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَكَنَدا وَاليابانِ وَأوروبّا الغَرْبِيَّة، فَضْلًا عَنْ بَعْضِ بُلْدانِ شَرْقِ وَجَنوبِ شَرْقِ آسْيا، كانَتْ في خَلْفِيَّتِها مَراكِزُ فِكْرٍ وَبَحْثٍ مُؤَثِّرَة. وَهَذِهِ المَراكِزُ لَمْ تَكُنْ دائِمًا مُتَّفِقَةً مَعَ الحُكومات، بَلْ إِنَّ قيمَتَها جاءَتْ أَحْيانًا مِنْ قُدْرَتِها على نَقْدِ السِّياساتِ السّائِدَةِ وَاقْتِراحِ مَساراتٍ مُخْتَلِفَة.
وَهُنا تَأْتِي المُعْضِلَةُ الثّالِثَة، وَهِيَ افْتِقارُ عَدَدٍ كَبيرٍ مِنْ باحِثينا إِلَى المَهاراتِ اللّازِمِ تَوافُرُها لَدى الباحِثِ العامِلِ في مَراكِزِ الفِكْر. وَلَعَلَّ أَهَمَّ هَذِهِ المَهاراتِ القُدْرَةُ على التَّفْرِقَةِ بَيْنَ البَحْثِ العِلْمِيِّ بِمَعْناهُ التَّقْليدِيِّ وَبَيْنَ أَوْراقِ السِّياساتِ وَالتَّقارير، فَضْلًا عَنْ ضَرورَةِ تَوافُرِ الخِبْرَةِ العَمَلِيَّةِ في المَوْضوعاتِ مَحَلِّ النَّظَر، وَاكْتِسابِ مَهاراتِ العَرْضِ وَالعَلاقاتِ العامَّةِ وَبَعْضِ المَهاراتِ الإِدارِيَّةِ الأُخْرى.
ليس كلّ من ظهر على الشاشة خبيرًا وليس كلّ من يتحدّث بثقة يمتلك معرفة حقيقية
أَمَّا المُعْضِلَةُ الرّابِعَةُ وَالأَخيرَة، فَتَتَعَلَّقُ بِوَسائِلِ الإِعْلامِ العَرَبِيَّة. وَالحَقيقَةُ أَنَّ هَذِهِ الوَسائِلَ لا تَتَأَخَّرُ غالِبًا عَنْ اسْتِضافَةِ الخُبَراءِ وَالمُتَخَصِّصينَ لِلْحَديثِ عَنِ المَوْضوعاتِ الإِقْليميَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ الشّائِكَة، لَكِنَّها تَرْتَكِبُ خَطَأَيْنِ كَبيرَيْن:
الأَوَّلُ هُوَ الإِسْهابُ في المُجامَلاتِ عِنْدَ تَقْديمِ الضُّيوفِ وَوَصْفِهِمْ بِأَلْقابٍ مِثْلَ "خَبير" أَوْ "خَبيرٍ اسْتِراتيجيّ"، وَهِيَ أَلْقابٌ مُبالَغٌ فيها في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيان، وَتُعْطي بَعْضَ الضُّيوفِ هالَةً لا يَسْتَحِقّونَها. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ ظَهَرَ على الشّاشَةِ خَبيرًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَتَحَدَّثُ بِثِقَةٍ يَمْتَلِكُ مَعْرِفَةً حَقيقِيَّةً بِالمَوْضوع. فَأَحْيانًا يُصْبِحُ تَكْرارُ الظُّهورِ الإِعْلامِيِّ نَفْسُهُ مَصْدَرًا مَزْعومًا لِلْخِبْرَة.
أَمّا الخَطَأُ الثّاني، فَهُوَ أَنَّ هَذِهِ المَنابِرَ تَعْمَلُ تَحْتَ ضُغوطٍ وَسِياساتٍ تَحْريرِيَّةٍ كَبيرَة، بِحَيْثُ لا تُرَحِّبُ في النِّهايَةِ إِلَّا بِالضُّيوفِ الذينَ يُؤَكِّدُونَ السَّرْدِيَّةَ المُتَّفَقَ عَلَيْها، وَالتي تَتَناسَبُ غالِبًا مَعَ شَريحَةٍ مِنْ صُنّاعِ القَرارِ أَوْ مُمَوِّلي هَذِهِ المَنابِرِ وَمُلّاكِها. وَهُنا لا يُصْبِحُ المَطْلوبُ مِنَ الخَبيرِ أَنْ يُحَلِّل، بَلْ أَنْ يُبَرِّر، وَلا أَنْ يَطْرَحَ احْتِمالاتٍ مُخْتَلِفَة، بَلْ أَنْ يُؤَكِّدَ الرِّوايَةَ الجاهِزَة.
المشكلة أننا نفتقر إلى المؤسسات التي تُحوّل العقول والمعلومات إلى سياسات قابلة للتنفيذ
الحَقيقَةُ أَنَّ سِياساتِ العالَمِ الحَديثِ لا تَسيرُ بِجِدِّيَّةٍ مِنْ دونِ إِدْماجِ مَراكِزِ الفِكْرِ داخِلَ البُنْيَةِ الأَوْسَعِ لِعَمَلِيَّةِ صُنْعِ القَرار. وَنَحْنُ في العالَمِ العَرَبِيِّ لَدَيْنا بِالفِعْلِ مَراكِزُ بَحْثِيَّة، وَلَدَيْنا باحِثونَ قادِرونَ على العَمَلِ في هَذا المَجال، لَكِنْ تَنْقُصُنا بَعْضُ المَهاراتِ وَالتَّدْريبات، وَتَنْقُصُنا قَبْلَ ذَلِكَ الإِرادَةُ السِّياسِيَّةُ التي تَسْمَحُ لِهَذِهِ المَراكِزِ بِأَنْ تَعْمَلَ بِحِرَفِيَّةٍ وَاسْتِقْلالٍ نِسْبِيّ. وَلَيْسَ المَطْلوبُ أَنْ تَعْمَلَ مَراكِزُ الفِكْرِ مِنْ دونِ مُمَوِّلِين، أَوْ بَعيدًا تَمامًا عَنْ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَة، فَهَذا غَيْرُ واقِعِيّ. المَطْلوبُ هُوَ وُجودُ قَواعِدَ تَحْمي العَمَلَ المِهْنِيّ، وَتَمْنَعُ المُمَوِّلَ مِنْ كِتابَةِ النَّتائِجِ مُسْبَقًا، وَتَسْمَحُ لِلْباحِثِ بِأَنْ يُقَدِّمَ تَقْديرَه، حَتّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُريحًا.
وَإِذا تَوافَرَتْ هَذِهِ الشُّروط، فَسَيَكونُ هُناكَ فارِقٌ كَبيرٌ في قُدْرَةِ دُوَلِ المِنْطَقَةِ على التَّعامُلِ مَعَ أَزْماتِها، وَفَهْمِها، وَالتَّنَبُّؤِ بِمَساراتِها، بَدَلًا مِنَ انْتِظارِ وُقوعِها ثُمَّ الاكْتِفاءِ بِتَفْسيرِ ما كانَ يُمْكِنُ الاسْتِعْدادُ لَهُ مُبَكِّرًا. فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ أَنَّنا نَفْتَقِرُ إِلَى العُقولِ أَوِ المَعْلُومات، بَلْ إِنَّنا نَفْتَقِرُ إِلَى المُؤَسَّساتِ التي تُحَوِّلُ هَذِهِ العُقولَ وَالمَعْلوماتِ إلى سِياساتٍ قابِلَةٍ لِلتَّنْفيذ.
لقراءة الجزء الأول
(خاص "عروبة 22")

