المشروع العربي وآفاق المستقبل

بَينَ التفكيرِ الغَرْبيِّ والتفكيرِ العَرَبيّ: ملامحُ وثوابت (1/2)

بِمَنْظورٍ كَوْكَبِيٍّ شامِل، يَبْرُزُ ما يوصَفُ بـ"الفِكْرِ الإنْسانِيِّ" المُعاصِرِ مُتَسَيِّدًا في المَساراتِ العِلْمِيَّةِ وَالمُنْجَزاتِ التِّقْنِيَّةِ المُبْتَكَرَة، وَأَيْضًا في السّياقاتِ والأجَنْداتِ البَحْثِيَّةِ المُحَدَّدَةِ والمُوَجَّهَةِ في مُعْظَمِها في دِيارِ الغرب... بِمَعْنى أنَّ التَّفْكيرَ العامَّ الذي يُوَلِّدُ فِكْرَ إنْسانِ العَصْر، أصْبَحَ تَفْكيرَ الفَرْدِ الكَوْنِيّ (global individual)، الذي يَعيشُ في قَرِيَةٍ واحِدَةٍ كُبْرى بِحَجْمِ الكُرَةِ الأرْضِيَّة، وَرُبَّما أكْبَرَ مِنْ ذَلِك. فَهُوَ بِرُؤْيَتِِهِ وتَصَوُّرِِهِ لِلحَياةِ الكَوْنِيَّةِ يُمارِسُ انْعِكاساتِ العِلْمِ والتِّكْنولوجْيا الغَرْبِيَّةِ بِمُخْتَلَفِ تَمَثُّلاتِها الاجْتِماعِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ والاقْتِصادِيَّة، في عالَمِ هَذا الزَّمانِ المُتَشابِكِ المَنْظوراتِ المَعْرِفِيَّةِ المُعَقّدَة.

بَينَ التفكيرِ الغَرْبيِّ والتفكيرِ العَرَبيّ: ملامحُ وثوابت (1/2)

تَفْكيرُ إنْسانِ العَصْرِ بِطابَعِهِ الغَرْبِيِّ وَتَوَجُّهِهِ الكَوْكَبِيِّ الأوْسَع، يُقَدِّمُ نَموذَجَ التَّفْكيرِ المُنْفَتِح، العابِرِ لِلحُدود، الذي غالِبًا ما يَسْتَخْدِمُ العِلْمَ والتِّكْنولوجْيا بِمَنْظورٍ نَفْعِيٍّ (بْراغْماتِيّ). وَيَتَجَسَّدُ في التَّواصُلِ والتَّفاعُلِ عَبْرَ مَنْظوماتٍ شَبَكِيَّةٍ مُجْتَمَعِيَّة. وَهُوَ في عُمومِهِ تَفْكيرٌ مُتَعَدِّدُ المَوارِدِ المَعْرِفِيَّة، مُتَداخِلُ التَّخَصُّصات، مُتَنَوِّعُ التَّمَثُّلِ الاجْتِماعِيِّ وَالثَّقافِيِّ وَالعِرْقِيّ، وَيَتَبَنّى الحُرِّيَّةَ الفَرْدِيَّةَ والاخْتِلافَ في المَواقِفِ الفِكْرِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ والدّينِيَّة.

عَرَبِيًّا، غالِبًا مَا يَتَصَدَّرُ لَدَيْنا نَموذَجُ التَّمَحْوُرِ على الذَّات، لَيْسَ شَرْطًا مُنْغَلِقًا، وَلَكِنَّهُ فِي عُمومِهِ يَدُورُ على "الْأَنا" الْمُجْتَمَعِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ الْخاصَّة. أَسْئِلَتُنا، حينَ نَتَعامَلُ مَعَ الْفِكْرِ الْغَرْبِيّ، تَرْتَبِطُ بِتَأْكيدِ الْهُوِيَّةِ وَتَعْزيزِ الْخُصوصِيَّة.

الحضارة الغربية لم تزل تسير على أسس كثير من منجزات الحضارة العربية في العلوم الأساسية والطبيعية والإنسانية

لِماذا إِذَن، سُؤالُ الْهُوِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ دائِمًا في صَدارَةِ التَّفْكيرِ الْعَرَبِيّ، وَالْإِصْرارُ على مَنْظورِنَا "الهُوِيّاتِيِّ" في النَّظَرِ إلى الْحَضارَةِ الْحالِيَّة؟ لِماذا الْخَوْفُ على الْهُوِيَّةِ وَالْخُصوصِيَّةِ الْعَرَبِيَّة، بِشَكْلٍ كَبير! وَتَبْدو هُناكَ فَواصِلُ فارِقَةٌ بَيْنَ التَّفْكيرِ الْعالَمِيِّ وَبَيْنَ التَّفْكيرِ الْعَرَبِيِّ الذي يَكادُ يَكونُ تَفْكيرًا مَحَلِّيًا صِرْفًا؟ هَلْ مِنْ مُوازَنَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ في هَذا الْخُصوص؟!.

هُناكَ على الْأَقَلِّ أَرْبَعَةُ ثَوابِتَ غالِبًا مَا لا يَخْتَلِفُ عَلَيْهَا الْعَرَب، مُفَكِّرينَ وَباحِثينَ وَمُهْتَمّينَ بِشُؤونِ النَّهْضَةِ وَالتَّنْمِيَةِ في الْوَطَنِ الْعَرَبِيّ:

1 - نَحْنُ وَرَثَةُ حَضارَةٍ عَريقَة، قامَتْ عَلَيْها الْحَضارَةُ الْغَرْبِيَّةُ الْحَديثَة؛ وَلَمْ تَزَلْ تَسيرُ على أُسُسِ كَثيرٍ مِنْ مُنْجَزاتِها فِي الْعُلومِ الْأَساسِيَّةِ وَالطَّبيعِيَّةِ وَالْإِنْسانِيَّة.

2 - خُصوصِيَّتُنا الدِينِيَّةُ وَثَقافَتُنا الْمَوْروثَةُ وَالْمَعيشَة، قَدْ تُؤَهِّلُنا لِيَكونَ لَدَيْنا مَنْظورٌ مُغايِرٌ لِلْحَياةِ في واقِعِها وَمَا بَعْدَه.

3 - تَجْرِبَتُنا مع الدُّوَلِ الِاسْتِعْمارِيَّةِ السّابِقَة، وَما عاناهُ الْعَرَبُ مِنْ وَيْلاتِها، وَما دَفَعوهُ مِنْ ثَمَنٍ غالٍ في الْأَرْواحِ وَالْمُمْتَلَكات، وَمَا نَتَجَ عَنْهَا مِنْ قَهْرٍ وَخُضوع، وَتَخَلُّف، وَهَيْمَنَةٍ شامِلَة، لَمْ تَزَلْ آثارُها ظاهِرَةً في مُجْتَمَعاتِنا الْعَرَبِيَّةِ إلى يَوْمِنا هَذا.

4 - نَحْنُ نَمْتَلِكُ لُغَةً عَظيمَة، قادِرَةً على أَنْ تَكونَ لُغَةَ الْعِلْمِ وَالْحَضارَةِ مُجَدَّدًا، وَلَدَيْنا عُقولٌ تَبْتَكِرُ وَتُبْدِعُ فِي شَتّى مَساراتِ الْعُلومِ الْحَديثَة، خُصوصًا ضِمْنَ أَنْظِمَةِ الْإِنْتاجِ الْمَعْرِفِيِّ وَالْبُحوثِ الْعِلْمِيَّةِ الْغَرْبِيَّة.

ما يتراءى "تفكيرًا كوكبيًا" غربيًا هو في حقيقته محكوم بالأطر المحلية المنتجة له

إِنَّ مَا تَقَدَّم - فَضْلًا عَنْ ثَرْواتِنا الْهائِلَةِ الطَّبيعِيَّةِ وَالْبَشَرِيَّة - يَجْعَلُنا نُراوِحُ في تَفْكيرِنا الْعَرَبِيِّ بَيْنَ أَنْماطٍ عِدَّةٍ مِنَ التَّفْكير، سَواءً فِي أَبْحاثِنا وَتَحْليلاتِنا أَوْ تَصَوُّراتِنا وَخِياراتِنا. مِنّا مَنْ لا يَخْرُجُ عَنْ تَفْكيرِهِ التَّقْليدِيّ، التُّراثِيّ. وَمِنّا مَنْ يَأْخُذُ بِالتَّفْكيرِ الْإِصْلاحِيِّ التَّقَدُّمِيِّ مع الِالْتِزامِ بِمَوْروثِنا الْقِيَمِيّ. وَمِنّا مَنْ يُفَكِّرُ بِعَقْلٍ غَرْبِيٍّ صِرْف. وَمِنّا مَنْ يَسيرُ فِي مَسارِ التَّفْكيرِ النَّهْضَوِيِّ وَالتَّنْمَوِيِّ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَلِّبَةٍ بَيْنَ هَذِهِ وَتِلْك. وَبَيْنَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ هُناكَ أَيْضًا التَّفْكيرُ النَّقْدِيّ، بَيْنَ الْأَخْذِ وَالرَّدّ.

تَتَراءى بَيْنَ نَماذِجِ التَّفْكيرِ الْمَذْكورَةِ مَلامِحُ عامَّة، مَعَ تَبايُناتٍ مَلْحوظَةٍ فيما بَيْنَها أَحْيانًا. أَبْرَزُها، الْخُصومَةُ الْمَوْروثَةُ لَدَيْنا بَيْنَ أَصْحابِ "النَّقْلِ" وَأَصْحابِ "الْعَقْل"، وَالصِّراعُ الْمُتَجَدِّدُ بَيْنَ الْأَصالَةِ وَالْمُعاصَرَة، وَمَظاهِرُ الْمُقاوَمَةِ لِلتَّحْديثِ وَالْحَداثَةِ وَالتَّكَيُّفِ مع تَطَوُّراتِ الْعَصْرِ وَتَحَوُّلاتِ الْحَياةِ الْعالَمِيَّةِ الشّامِلَة. الْفَرْق، يَكْمُنُ في اخْتِلافِ الرُّؤى بَيْنَ الْكَوْكَبِيِّ الْكُلِّيِّّ وَبَيْنَ الْعَرَبِيِّ الْمَحَلِّيّ، بِعِبارَةٍ أُخْرى، بَيْنَ مَنْ يَحْكُمُهُ مَنْظورُ الْعالَمِ شَبَكَةً واحِدَةً مُتَرابِطَة، وَبَيْنَ مَنْ يَحْكُمُهُ مَنْظورُ الْقُطْرِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ وَالْهُوِيَّةِ الْمَشْدودَةِ إلى عَناصِرَ قَديمَة، بَطيئَةِ التَّكَيُّفِ وَالتَّجَدُّد.

الْحَقيقَة، بِقَدْرِ ما يَبْدو الْأَمْرُ مأْزِقًا فِكْرِيًّا، أَوْ تَناقُضًا "تَفْكيرِيًّا" في مَواقِفِ الْعَرَبِ السّاعينَ إلى النُّهوضِ وَالِازْدِهارِ أُسْوَةً بِالْعالَمِ الْمُتَقَدِّم، هُناكَ ما يُبَرِّرُ هَذِهِ الْمَواقِف، وَيَفْرِضُها بِصورَةٍ أَوْ بِأُخْرى. مَثَلًا، أَنَّ مَا يَتَراءى "فِكْرًا" أَوْ "تَفْكيرًا كَوْكَبِيًّا" غَرْبِيًّا، هُوَ في حَقيقَتِهِ مَحْكومٌ بِأُطُرِ الْمَحَلِّيَّةِ الْمُنْتِجَةِ لَه، كَاللُّغَةِ وَالثَّقافَةِ وَالرُّؤْيَةِ الْمُجْتَمَعِيَّة، وَالتَّصَوُّراتِ الْمُؤَدْلَجَةِ إِعْلامِيًّا، وَالْمُوَجَّهةِ سِياسِيًّا بِفِعْلِ حَرَكَةِ التِّكْنولوجْيا الْغَرْبِيَّةِ التي تَقومُ بِدَوْرِها "الْفاعِل"، كَمُنْتَجٍ اِجْتِماعِيٍّ في الْبُلْدانِ الْمُتَطَوِّرَة، وَالتي عَمَلِيًّا لَيْسَتْ "كَوْكَبِيَّةً" بِالْمَعْنى الْمُحايِد. إلى جانِبِ ذَلِك، لَيْسَ مِنْ نافِلَةِ الْقَوْلِ الْإِشارَةُ إلى اللُّغَةِ الْإِنْجليزِيَّةِ وَمَدى هَيْمَنَتِها الطّاغِيَةِ في مَجالاتِ العِلْم، وَالتِّقْنِيَّة، وَالْإِدارَة، وَالتِّجارَة، وَما يَتْبَعُها مِنْ ثَقافاتِها الْمَحَلِّيَّةِ الْمُتَنَوِّعَة.

تتعمّق الفجوة الحضارية بين المنتِج للمعرفة وبين المستهلِك

بِالْإِضافَةِ إلى أَنَّ الْمَناهِجَ الْعِلْمِيَّةَ التَّجْريبِيَّةَ وَالنَّقْدِيَّةَ التَّراكُمِيَّةَ تَسودُ الْمَنْظوراتِ الْغَرْبِيَّةَ في الْبَحْثِ وَالدَّرْسِ وَالتَّطْويرِ الْمَعْرِفِيِّ فِي مُخْتَلِفِ الْمَيادين، بَيْنَما تَسودُ مُعْظَمَ جُهودِنا الْعِلْمِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَناهِجُ النَّقْلِيَّة، التَّفْسيرِيَّة، وَالتَّرْكيزُ على الْجُزْئِيِّ - الْجَدَلِيِّ أَحْيانًا في الْعَديدِ مِنَ السِّياقات؛ فَلا يَخْفى تَشَبُّعُ التَّفْكيرِ الْعَرَبِيِّ بِالنَّظَرِ الِاسْتِرْجاعِيّ، وَيُلاحَظُ بِقُوَّةٍ ما يَسْتَدْعي الْماضِيَ بِكَثافَةٍ، وَرُؤْيَةَ حَقائِقِ الْواقِعِ الْمَعيشِ بِعَيْنِ أَزْمِنَةٍ غابِرَة.

إِنَّ الْحالَةَ الرّاهِنَةَ الَتي نُكابِدُها في شَتّى مَناحي الْحَياةِ تُنْتِجُ الْفَرْدَ الْعَرَبِيَّ الْمُسْتَهْلِك، الْمُحْتاجَ بِشِدَّةٍ لِمَا يُنْتِجُهُ الْغَرْبِيُّ الصّانِعُ، الْمُجْتَهِد.

وَمَهْما أَمْسَتْ هَذِهِ الْمَعْضِلَةُ تَدورُ بِتَداعِيّاتِها، فَهِيَ تَرْجِعُ في أَصْلِها إلى مَسْأَلَةِ "الْإِنْتاجِ الْمَعْرِفِيّ"؛ الْعِلْمِ الْمُتَواصِلِ الذي يَقودُ الرَّكْبَ الْحَضارِيّ، وَالْفِكْرِ الْواعي الْمُتَكامِلِ بِمَفاهيمِه، وَاِبْتِكاراتِه، وَطُموحاتِه، وَبِما يُحَدِّدُهُ مِنْ مَساراتِ الْبَحْثِ وَالتَّصَوُّر؛ فَتَتَعَمَّقُ الْفَجْوَةُ الْحَضارِيَّةُ بَيْنَ الْمُنْتِجِ لِلْمَعْرِفَة، وَبَيْنَ الْمُسْتَهْلِكِ الذي لَا يَمْلِكُ إِلّا التَّفاعُلَ مع أَجْنَداتِ التَّغَيُّرِ الْجاهِزَة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن