صحافة

هل امتلكت إيران السلاح النووي؟!

بشير عبد الفتاح

المشاركة
هل امتلكت إيران السلاح النووي؟!

ترامب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

دأبت غالبية التقديرات الاستخباراتية والاستراتيجية، بما فيها تقارير "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، على تأكيد عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا، حتى الآن على الأقل. غير أن جميعها تجنح إلى تصنيفها دولة "عتبة نووية"؛ بمعنى أنها تحوز جلّ الإمكانات العلمية والمقومات التقنية والمادية، التي تخولها ذلك إذا ما أرادت، وفى مدى زمني غير بعيد. يؤرخ خبراء لنزوع البرنامج النووي الإيراني نحو العسكرة منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وبحلول أواخر تسعينياته، أطلقت طهران برنامجا عاجلا ومكثفا لإنتاج قنبلة نووية، خوفا من إعادة إحياء العراق برنامجه النووي. وبعد انكشاف نواياها للغرب عام 2002، وفي أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تخلت إيران عن مآربها، مخافة إعطاء الولايات المتحدة ذريعة لغزوها. لكنها تبنت استراتيجية تحوط حذرة مكنتها، بشكل بطيء وتدريجي، من الاحتفاظ بخيار الجهوزية لتصنيع سلاح نووي، مع إدارة المخاطر الناجمة عن ذلك.

منذ عام 2007، تسلط الاستخبارات الأمريكية الضوء على ميل إيران لاكتساب القدرة على إنتاج القنبلة النووية، من دون حيازتها. ففي شهادته أمام الكونجرس عام 2012، أكد مدير الاستخبارات الوطنية آنذاك، جيمس كلابر، أن "إيران تحتفظ بخيار تطوير أسلحة نووية، من خلال بناء قدرات نووية تجعلها في وضع أفضل لإنتاج مثل هذه الأسلحة، إذا شاءت، متوخية بذلك إدراك ما يسمى العتبة النووية". وهي الحالة التي تمتلك فيها البنية التحتية التكنولوجية، والقدرات التقنية، والمواد الانشطارية اللازمة لصنع أسلحة نووية خلال مدة وجيزة، من دون تصنيعها أو الإعلان عن امتلاكها فعليا، بما يمكنها من بلوغ حالة "الردع الرمادي".

عقب تخارج ترامب، عام 2018، من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، اتخذت طهران قرارها بالانتقال من مرحلة "العتبة النووية" إلى حقبة "التحوط النووي". وهي استراتيجية وطنية تسعى من خلالها الدول إلى تطوير بنية تحتية نووية للأغراض السلمية، مع الاحتفاظ بقدرات "الكمون النووي"، بمعنى الجهوزية الكاملة لعسكرة برنامجها النووي وإنتاج السلاح الذري في غضون أسابيع أو أشهر معدودات، إذا تعرض أمنها القومي لتهديد وجودي. وقد لجأت إيران إلى استراتيجية امتلاك رادع نووي كامن، تجنبا للكلفة والمخاطر المترتبة على حيازة سلاح نووي، كمثل العزلة الدبلوماسية، والعقوبات الاقتصادية، والضربات العسكرية المتوالية، علاوة على سباق تسلح نووي إقليمي، أو احتمالات التورط في حروب لا نهائية.

على وقع الاستهداف الأمريكي ــ الإسرائيلي لبلادهم في يونيو 2025، ثم في فبراير الماضي، توالت دعوات مسؤولين إيرانيين متشددين إلى تعزيز قوة الردع الوطنية، من خلال إنتاج أسلحة نووية، ما أثار مخاوف من احتمال تخلي إيران عن حالة "العتبة النووية"، أو تجاوز استراتيجية "التحوط النووي". فلقد طالب بعض النواب البرلمانيين، وقيادات بالحرس الثوري، بصياغة مشروع قانون عاجل يتيح لبلادهم الانسحاب الكامل من معاهدة حظر الانتشار النووي. ويستند هؤلاء إلى أن بلادهم، لو كانت تمتلك السلاح النووى، الذي يشكل "قوة ردع استراتيجية"، لما تعرضت للعدوان الأمريكي - الإسرائيلي المتكرر.

يعتقد خبراء ومسئولون غربيون أن إيران خرجت من القصف الأمريكي - الإسرائيلي المكثف، وهي تحتفظ بمعظم الإمكانات التي تؤهلها لصنع قنبلة نووية. وذكرت الاستخبارات الأمريكية أن هجمات يونيو 2025 دفنت جزءا كبيرا من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب في أصفهان، لكنها لم تدمره. ومن ثم، تحتفظ إيران بمخزونها، الذي يقترب من ألف رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، فىيحاويات داخل أنفاق عميقة تحت منشأة أصفهان النووية، كما تضم موقع تخصيب أعلنت عنه طهران في يونيو الماضي، دون أن يخضع لأي تفتيش حتى الآن. فيما يحوي مجمع أنفاق محصن للغاية قرب منشأة نطنز أجهزة طرد مركزي متطورة، تمكنها من تخصيب اليورانيوم لمستويات عالية، بمأمن من أعتى الأسلحة والضربات الأمريكية.

تؤكد تقديرات استخباراتية غربية أن المدة التي تحتاجها إيران لصنع سلاح نووي لم تتغير منذ الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي طالتها في يونيو الماضي، وارتأى محللون أنها لن تتخطى عاما كاملا. وبامتلاكها 460 كجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، نجحت طهران في تقليص زمن الاختراق؛ حيث تحتاج نحو أسبوع واحد فقط لرفع تلك النسبة إلى 90%، وهو المستوى العسكري المطلوب لصنع قنبلة نووية، إذا كان لديها منشأة تخصيب عاملة. الأمر الذي يمكن إيران من صنع عشر قنابل نووية، بحسب مفتشين دوليين. كما تمتلك إيران أكثر من 13 ألف رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 5%. وقد طورت المهارات والخبرات اللازمة لإنتاج أجهزة طرد مركزي حديثة وقادرة على رفع تلك النسبة بسرعة وكفاءة.

بدوره، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعيد الضربات، أن إيران يمكنها استئناف التخصيب، بشكل متدرج، في غضون أشهر. ورغم تشديد مذكرة التفاهم على ضرورة الحفاظ على الوضع القائم بالمنشآت النووية الإيرانية، أظهر تحليل مفصل لصور أقمار اصطناعية التقطت نهاية الشهر الماضي، مضي طهران قدما في أعمال البناء بموقع نووي سري تحت الأرض في جبال بيكاكس، لإقامة منشأة نووية لتخصيب اليورانيوم، تضاف إلى منشآت نطنز، وفوردو، وأصفهان. ولم تسمح طهران لمفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة ذلك الموقع السري.

فور انتهاء الجولة الأولى من مفاوضات سويسرا، الشهر الفائت، تفاخر ترامب بإحراز انتصار ملموس، لجهة عدم تمكين إيران من إنتاج السلاح النووي، حيث أكد موافقتها على إجراء عمليات تفتيش دقيقة لضمان "الشفافية النووية"ـ وإبقاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية على معرفة مستدامة ببرنامجها النووي، وفقا لبرنامج ضمانات الوكالة، والاتفاقية الشاملة للضمانات، التي تُلزم طهران بالإعلان عن المواد والأنشطة النووية، وتسمح للمفتشين الدوليين بالتحقق من عدم تحويلها للأغراض العسكرية. وترى واشنطن في عودة المفتشين الأمميين إلى إيران بداية مسار يستهدف ضمان عدم عسكرة برنامجها النووي، خصوصًا بعدما منعت أولئك المفتشين من مباشرة مهامهم، ضمن آخر عملية تحقق من برنامجها النووي أجرتها الوكالة، عقب الغارات الأمريكية - الإسرائيلية في يونيو 2025.

في المقابل، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية رفض بلاده السماح لمفتشي الوكالة بزيارة المواقع النووية التي استهدفتها الغارات، في فوردو، وأصفهان، ونطنز، مشددا على إرجاء البحث في عودة المفتشين الأمميين إلى ما بعد توقيع الاتفاق النهائي. لافتا إلى أن مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية لا تتضمن أي بند ينص على السماح لأولئك المفتشين بالعودة والتفتيش. وعقب جولة الدوحة التفاوضية الأخيرة، شددت طهران على أنها لم تتعرض للمسألة النووية، مؤكدة أن أي نقاش سيقتصر على كيفية تنفيذ بنود مذكرة التفاهم فقط. ولفتت إلى أن سياسة الغموض النووي، وعدم الكشف عن مواقع أو تفاصيل المواد النووية المخصبة، ستظل إحدى أوراق القوة الإيرانية في مواجهة الضغوط الأمريكية.

في وقت سابق من الشهر الماضي، أكد ترامب أن حصول إيران على سلاح نووي سيحفزها على استخدامه، خلال الأسبوع الأول من امتلاكها له، ضد إسرائيل ودول المنطقة. لكنه عاد وأكد، هو ونائبه، أنه لم يعد بمقدورها حيازة ذلك السلاح. فعلاوة على التحديات التقنية المزمنة، نجحت الضربات القاصمة في إعادة برنامجها النووي سنوات إلى الوراء. كما زعم أن طهران تعهدت له، مؤخرا، بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، سواء من خلال التصنيع أو الشراء. وفي مقابلة مع القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية، التي تعد منبره الإعلامي المفضل، ادعى نتنياهو، قبل قليل، أن إيران امتلكت السلاح النووي، وأنه هاجمها مرتين لإنقاذ إسرائيل من الإبادة بهذا السلاح الفتاك. غير أن تلك الادعاءات قوبلت باستنكار واسع وإدانات شديدة؛ حيث اتهمه آيزنكوت، زعيم حزب "يشار، والرئيس السابق لهيئة أركان الجيش، بالكذب، والانفصال عن الواقع، والاستغراق في الأوهام، واختلاق الأباطيل، بهدف إخافة الجماهير واستمالة الناخبين.

أما رئيس الوزراء الأسبق، بينيت، فاتهمه بالكذب، وإعادة هندسة الرواية بأثر رجعي، للتغطية على انكشاف ضعفه، وإخفاقه في وقف تطوير القدرات العسكرية الإيرانية، مستهدفا الترويج لنفسه والظهور بمظهر القائد القوي، الذي لا يجوز استبداله، خصوصا في زمن الحرب. بدوره، اتهمه زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المعارض، أفيغدور ليبرمان، بالكذب وصرف الأنظار عن ذكرى مرور ألف يوم على كارثة السابع من أكتوبر 2023، وعن الفشل في لبنان واليمن، مؤكدا أن عجز الإيرانيين عن امتلاك قنابل نووية لم يمنعهم من ابتكار "قنبلة هرمز الجيوسياسية"، بفضل فشل نتنياهو.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن