صحافة

الطريق بين التفاهم والاتفاق ليس ممهدًا

عبدالعليم محمد

المشاركة
الطريق بين التفاهم والاتفاق ليس ممهدًا

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعرض في طهران نسخةً موقّعةً من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

بالرغم من أن مذكرة "التفاهم" الموقعة بين الجانبين الأمريكي والإيراني ببنودها الأربعة عشر تمنح الجمهورية الإسلامية الإيرانية العديد من المكاسب الاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بالربط بين مسار الاتفاق النهائي بين أمريكا وإيران وبين المسار اللبناني، ومضيق هرمز وفك الحصار عن الموانئ الإيرانية ورفع الحظر عن تحويل الأموال الإيرانية المجمدة في بنوك العالم وغيره من المكاسب الأخرى، إلا أن الطريق إلى الاتفاق النهائي المؤسس على بنود هذه المذكرة ليس ممهدا بعد؛ بل يحفل الخط الواصل بين هذه المذكرة وبين الاتفاق المأمول بعقبات تحول حتى الآن دون إتمام هذا الاتفاق في مدة الستين يوما المنصوص عليها في هذه المذكرة.

للوهلة وعند قراءتي لبنود هذه المذكرة لم أصدق أن الولايات المتحدة الأمريكية قبلت هذه البنود كافة وكما هي، كان حدسي يقودني إلى احتمال تراجع الولايات المتحدة وتحايلها لإخراج ترجمة تتوافق مع مصالحها واستراتيجيتها؛ لأن المسافة بين الأهداف الأمريكية الإسرائيلية المعلنة وبين بنود هذه المذكرة كبيرة للغاية بل ومتناقضة مع هذه الأهداف، التي شملت تغيير النظام، وتغيير الشرق الأوسط، وضمان الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية على المنطقة. غير أن واقع سير المفاوضات حول بنود المذكرة، يبدو أنه قد عصف بجدية ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية في السعي لإقرار الاستقرار والسلام وإنهاء الصراع. وأكد الانطباع الأولي بنية الولايات المتحدة الأمريكية لإخراج ترجمة مختلفة لبنود التفاهم.

لم يكن أمام الرئيس الأمريكي إزاء انقسام النخبة الحاكمة في إدارته إزاء مذكرة التفاهم، بين من يرى أنها الطريق الصحيح لإنهاء الصراع والحفاظ على المصالح الأمريكية، وعلى رأسهم نائب الرئيس الأمريكي الذي لم يكن يؤيد إعلان الحرب على إيران منذ البداية، ومن يرى أن هذه المذكرة تحول دون تحقيق الأهداف والمصالح الأمريكية بصورتها الراهنة، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكية، سوى الاستمرار والتمسك بمذكرة التفاهم وإن بصورة مختلفة، لم يكن في مقدور ترامب التراجع أو الانسحاب من توقيع هذه المذكرة لسببين؛ الأول: اهتزاز مصداقية الولايات المتحدة إزاء حلفائها الإقليميين، خاصة من الوسطاء، والثاني أن الانسحاب والتراجع عنها يفتح الباب مجددا للصراع والحرب وهو أي ترامب لا يريد الدخول في حرب طويلة تستنزف الموارد.

من ثم اختارت إدارة ترامب وبناء على نصائح مستشاريه اعتماد "التحايل" لتفريغ بنود المذكرة من مضمونها وتبني تفسيرات وتأويلات وآليات تحول دون إيران ودون تثبيت مكاسبها الاستراتيجية؛ وبناء على ذلك فكما كانت جبهة لبنان هي أداة إسرائيل لتفجير الاتفاق وتحرير إسرائيل من مسار الربط بين جبهة لبنان والجبهة الإيرانية، أصبحت جبهة لبنان من وجهة النظر الأمريكية أولى حلقات "التحايل" على بنود المذكرة وفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني وذلك من خلال توقيع ما سمي باتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية بعد تسعة أيام من توقيع "مذكرة التفاهم".

ويبدو حتى الآن أن وزير الخارجية الأمريكية روبيو هو من وقع عليه اختيار ترامب لتفريغ بنود مذكرة التفاهم من مضمونها؛ وصياغة التفسيرات التى تتلاءم والمصالح الأمريكية، وترد على منتقدى المذكرة في الداخل الأمريكي. ويحاول ترامب والفريق الذي لم يبد ترحيبه "بمذكرة التفاهم" في الإدارة الأمريكية أن يأخذ بيده اليسرى المكاسب والتراجعات التي قدمها للجانب الإيراني باليد اليمني، وذلك من خلال التحايل والتفسير والتأويل لبنود المذكرة، بل أهم هذه البنود؛ أي تلك المتعلقة بترابط المسار اللبناني والمسار الإيراني، وكذلك بالأموال الإيرانية المجمدة ومضيق هرمز، أما الأموال وبعد أن كان البنك المركزي الإيراني هو الجهة المخولة في تحديد المستفيد منها، تحول الأمر إلى إنفاق هذه الأموال لشراء محاصيل من الزراع الأمريكيين من القمح وفول الصويا وغيرهما.

أما مضيق هرمز فإن الولايات المتحدة ترفض حتى الآن أن يكون المضيق حصرا خاضعا للإدارة الإيرانية من خلال تحديد ممرات للسفن آمنة، وقرض مقابل خدمات بحرية لوجستية بالمشاركة مع عمان والدول المشاطئة، وتسبب ذلك في عودة تبادل الضربات والقصف بين الجانبين عندما قامت إيران بضرب سفينة مخالفة، وقامت الولايات المتحدة بالرد من خلال ضرب الرادارات والمنشآت العسكرية الساحلية الإيرانية.

من زاوية العلاقة بين إسرائيل وأمريكا، كان الكثير من المحللين يرون فى مذكرة التفاهم تحولا وتغيرا في العلاقات بين البلدين، والانتقال بهذه العلاقات من حيز "التطابق" في الأهداف والأولويات بين إسرائيل وبين أمريكا إلى حيز إدارة التباين في الأولويات، دون أن يعني ذلك إضعاف هذا التحالف أو تجميد مؤسساته، تبين لاحقا أن الولايات المتحدة قد تبنت السياسة الإسرائيلية المتعلقة بالفصل بين المسار اللبناني والمسار الإيراني من خلال توقيع الاتفاق الإطاري، وأن ثمة قانونا يناقش في مجلس الشيوخ بعد إقراره في الكونغرس يتضمن بندا يلزم البنتاغون وأجهزة الاستخبارات وكافة الإدارات العسكرية والمدنية والمعلومات بالتنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وأن تنقل لإسرائيل المعلومات.

استدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن المفاوضات بين الجانبين يجب أن ترتكز على ميزان القوى والتفوق النوعي التكنولوجي والعسكري؛ إلا أن هذا الإدراك يقلل منه ملاحظتان الأولى أنه جاء متأخرا، أما الثانية فهي أن هذا التفوق وهذه القوة التي يحظى بها الجانب الأمريكي لم تفض في الواقع والميدان إلى تحقيق الأهداف، بل تغيرت أمام الجغرافيا الشاسعة الإيرانية والتكنولوجيا البسيطة ولكنها الفعالة وأخيرا وليس آخرا فإن الجانب الإيراني سيصمد في المفاوضات كما صمد في الميدان، خاصة أن شبح الحرب والتوتر لا يزال قائما.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن