تتزايدُ المخاوفُ من اتساعِ رقعةِ الاشتباكِ بين واشنطنَ وطهرانَ، بعد عودةِ المواجهات المحتدمةِ في محيطِ مضيق هُرمز، الذي أُدخِلَ في قلبِ الصراع، نتيجةَ تمسّك إيران بفرض سيطرتها عليه وعدم تراجعها تحت الضغط العسكري والسياسي. فيما المنطقة "تغلي" وتُراقب بحذرٍ وتوجسٍ ما ستؤولُ إليه الضرباتُ العسكريةُ المتبادلة، خصوصًا أن دولَ الخليج العربي باتت عرضةً للمُسيراتِ والصواريخِ الإيرانيّةِ التي تنهمرُ عليها، وسط تعليق المفاوضات حاليًا، على الرغم من الجهود التي بُذِلَت خلال الفترة الماضية. فلا الولايات المتحدة ولا إيران في وارد التراجع عن مطالبهما انطلاقًا من مبدأٍ واحدٍ، هو عدم التنازل عن الخطوط الحمراء التي باتت معلومة. فهي، من وجهةِ نظرِ واشنطن، عدم امتلاكِ طهرانَ للسلاحِ النووي، فيما إيران تفرضُ حزمةً من الشروطِ، من الأموال المُجَمّدةِ إلى فرض ترتيباتٍ جديدةٍ في آليةِ عبورِ السفنِ في مضيق هُرمزَ، وصولًا إلى تمسّكِهَا بوقفِ الحربِ على الجبهةِ اللبنانيّة.
ويبدو منطقيًا لأيّ متابعٍ إدراكَ أن الهوةَ السحيقةَ بين طرفي القتال لا يمكن ردمها عبر تبنّي "مذكرة التفاهم"، باعتبار أنها لم تلامس جوهر الملفات المهمة والشائكة، بعد أن "وُضِعَت على الرفّ" لمرحلةٍِ لاحقة. حتى أن البنود التي تطرّقت لها وحاولت التوصلَ إلى اتفاقٍ بشأنِهَا سرعان ما سقطَت بـ"الضربةِ القاضية". وتبدأُ هذه البنود من إلغاءِ التسهيلاتِ المرتبطة بصادراتِ النفط وفرض عقوباتٍ جديدةٍ واستئنافِ الهجمات الأميركيّة، وصولًا إلى عودةِ الحصارِ البحريّ الأميركيّ على الموانئِ والسفنِ الإيرانيّة، باعتباره أداةً اقتصاديةً مهمةً، لما يسببه من خسائر فادحةٍ تضاعفُ حجمَ الضغوط التي يرزحُ تحتها نظامُ "الجمهورية الإسلاميّة". فسيحاولُ هذا النظامُ التعويضَ بشتى الوسائل، ومن ضمنها تحميلُ دولِ المنطقةِ والاقتصادِ العالمي جزءًا من كلفةِ استهداف التجارةِ والاقتصادِ في المنطقة، بدلًا من بقاء الضرر محصورًا داخل الاقتصاد الإيراني. هذه الأوضاعُ تعني أن الأمورَ عادت إلى المربعِ الأول، وأن الاتفاقَ، الذي سبق أن "نعاه" الرئيس الأميركي دونالد ترامب، باتَ في "خبرِ كان". إذ صرّحَ نائبُ وزير الخارجية الإيرانيّ للشؤونِ القانونيّةِ والدوليّة كاظم غريب آبادي، بأنه لم يعدْ هناك ما يُسمّى مذكرة "تفاهم إسلام آباد". فيما شدّدَ رئيسُ البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، على أن إيران يجب أن تبقى "مستعدةً للقتال دائمًا"، وأنها لن تلتزم بأيّ اتفاقٍ إذا لم يُحقق لها مكاسب. واعتبر أن الحفاظَ على "الترتيباتِ الإيرانيّةِ" في مضيقِ هُرمزَ أولويةٌ للأمنِ القوميّ، وأن التفاوضَ أداةٌ موازيةٌ للعملِ العسكري لحمايةِ المصالح الوطنيّة.
فطهران، على الرغم من التصعيد الميدانيّ المُوسّع الذي تشهده، تريد للتفاوض أن يستمرّ، لكن بهدفِ تحقيقِ مطالب مُعينة تعتبرها أولويةً بالنسبة إليها. بينما تبدو واشنطن مصرّةً على استهدافِ البنَى الحيويةِ التابعةِ لإيران، خصوصًا أنها توجّهُ ضرباتٍ قاصمةً للجزرِ والمواقعِ العسكريةِ الإيرانيّةِ المطلة على مضيق هُرمز. فركّزت الضرباتُ الأخيرةُ على مخازن صواريخ "كروز" البحريةِ في جزيرةِ طنب الكبرى، بعد هجماتٍ مماثلةٍ طالت قشم وهنجام وجاسك وسيريك وبندر عباس وكيش وأبو موسى. وفي هذا السياق، أعلنت القيادة المركزية الأميركيّة (سنتكوم)، أن الموجةَ الجديدةَ من الغارات استمرت نحو 90 دقيقةً، وهدفت "إلى تقليصِ، بدرجةٍ أكبر، قدرةِ إيرانَ على مهاجمةِ السفن التجاريةِ في مضيقِ هُرمز". واستخدمت القوات الأميركيّة، بحسبِ البيانات، مقاتلاتٍ وطائراتٍ مسيّرةً وقطعًا بحريةً، وأطلقت ذخائرَ دقيقةً على منظوماتِ دفاعٍ ساحليٍّ ومواقع للصواريخِ وقدراتٍ بحرية. أما الجيشُ الإيرانيّ، فأعلنَ أنه سيُوجِّهُ "ردًا حاسمًا على الهجومِ الذي أودى بحياةِ سبعةٍ من عناصرهِ، في ضربةٍ استهدفت ثكنةً تابعةً للواءِ المشاة الآلي جنوب شرقي البلاد. فيما عدادُ الضحايا ناهزَ الـ30 مدنيًا، وفق ما أعلنته المتحدثةُ باسمِ الحكومةِ الإيرانيّة فاطمة مهاجراني، من دون تقديمِ حصيلةٍ تفصيليّةٍ لكلِّ ضربة. وتتزامنُ عودةُ "فاتورةِ" الحربِ الباهظةِ مع التوتراتِ في هُرمزَ وشلِّ حركةِ الملاحةِ البحرية بشكلٍ كاملٍ، بعد تأكيدِ "الحرس الثوري" أن المضيقَ سيبقى مغلقًا حتى تُنهِي الولايات المتحدة ما وصفهُ بـ"أعمالهَا العدوانيّة". كما أعلن أنه استهدف منشآتِ قيادةٍ وتحكمٍ ومخازنَ لوجستيةً ووقودًا ومعداتٍ عسكريةً مرتبطةً بالقوات الأميركيّة في البحرين والكويت والأردن، بالتزامن مع استهداف 3 ناقلات نفطٍ قبالة السواحل العُمانية.
وتعيشُ دولُ الجوار على وقعِ الاعتداءاتِ الإيرانيّة المتكرّرة، التي تحاولُ التصدّي لهَا والتعامل معها، معربةً بشكلٍ يوميٍّ عن إدانتِهَا واستنكارِهَا لما تسبّبه من زيادةِ الاحتقانِ والتباعدِ بين هذه الدول، لا سيّما أن بعضها عملَ جاهدًا على وقفِ تداعياتِ الصراع. فقطر وسلطنة عُمان لعبتا أدوارًا محوريةً في هذا السياق، الذي لم تكنْ الرياض بعيدةً عنه أبدًا باعتبار أنها تريد الحدَّ من التطوراتِ الدراماتيكيّة، والحفاظَ على الحدِّ الأدنى من الأمن في المنطقة. لكن "أمنيات" هذه الدول لا تتفقُ مع "رغباتِ" إيرانَ، والدليلُ الأكبر على ذلك، كان عودةَ الحوثيين إلى واجهةِ الأحداث، وإعلانهم استهدافَ مطار أبها في السعودية في وقتٍ سابق. ولا يُعدُّ "تحريكُ الأذرع" والتهديدُ باستهدافِ مضيقِ باب المندب، بعد إغلاقِ هُرمزَ، مجرّد خطوةٍ تهديديةٍ عابرةٍ، بل ينبغي النظر إلى مخاطرها في ظلّ امتلاكِ إيرانَ "ورقة المضائق". إذ تُعْتَبَرُ من أبرزِ أوراقِهَا التفاوضيّة اليوم، لأنها بذلك تُهددُ اثنين من أهمِ شرايينِ الطاقةِ في العالم. ويربطُ مضيقُ باب المندب البحر الأحمر بخليجِ عدن، وتمرُّ عبره صادراتُ النفطِ السعودية وجزءٌ كبيرٌ من حركةِ الشحنِ العالميّة. لذلك، تطرحُ هذه الكلفةُ المرتفعة علامات استفهامٍ كثيرة، خصوصًا حولَ القدرة على تحملِ تبعاتهَا وتداعياتِهَا في حال أُغلِقَت كلّ "منافذ الحوار والديبلوماسيّة". وبدا نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس، عرّاب "مذكرة التفاهم"، أمس الأربعاء، أكثر دفاعًا عن المباحثاتِ الجاريةِ، فرأى أن منتقدي المسارَ التفاوضي "لا يقدمون حلولًا واقعيةً، ومقترحهم الوحيد هو القصف اللا نهائي وغير المجدي"، مؤكدًا أن عهدَ التدخلاتِ العسكريةِ وإرسال آلافِ الجنودِ لتغييرِ الأنظمة "انتهى".
في المقابل، وجّهَ ترامب إنذارًا جديدًا إلى الإيرانيين، وخَيَّرهم بين استئنافِ المحادثاتِ وبين أن "يكون الأسبوع المقبل سيئًا للغاية"، ملمحًا إلى إمكانيةِ قصفِ الجسورِ ومحطاتِ توليد الطاقة. وعليه، لا يريدُ كلا الطرفين العودة إلى الحرب الشاملة، لكنهما "يفشلان" في التوصّل إلى نقاطٍ مشتركةٍ بسبب اختلافِ الرؤى والمصالح. ويعني ذلك عمليًا أن الصراعَ مفتوحٌ على جميعِ الاحتمالاتِ والسيناريوهات، في حالِ استمرت الوساطاتُ عالقةً "في عنقِ الزجاجة" وسطَ عجزِهَا عن تحقيقِ أيّ خرقٍ إيجابيٍّ أو تقدمٍ ملموس. لكن، على الرغم من هذه الأجواءُ المشحونةُ التي تُنذرُ بالأسوأ، أعلن ترامب عمّا وصفهَا "بادرةً حسنةً" من جانبِ طهران، مشيرًا إلى أنها سمحت لمواطنةٍ أميركيّةٍ، "احتُجِزَت ظلمًا في كانون الأول/ديسمبر 2024، بمغادرة البلاد"، وباتت خارج إيران بأمان وصحةٍ جيدة. ولا يمكنُ التكهنُ بأهميةِ هذه الخطوة في أوجِ الاشتباكاتِ والأهداف الكامنة وراءَهَا، لا سيّما أن ما يجري في الغرفِ المغلقةِ قد يختلفُ في جوهرِهِ عما يدورُ في عرضِ مضيقِ هُرمزَ وحوله. وأمام هذه التطورات، لا تبدو تلّ أبيب بعيدةً عن المشهدِ، خصوصًا أن رئيسَ وزرائِهَا بنيامين نتنياهو يسعَى إلى ترتيب لقاءٍ مع ترامب في البيتِ الأبيض الأسبوع المقبل لبحثِ المستجداتِ الأخيرة. وذلك بعد تداولِ وسائلِ الإعلام، في الأيامِ الماضيةِ، السيناريو الذي كانت تُعِدُّهُ إسرائيل لقلب نظامِ الحكمِ في إيران، عبر استقطابِ الرئيس الإيرانيّ الأسبق محمود أحمدي نجاد. في المقابلِ، كذّب الأخيرُ التقريرَ التفصيليَ الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، واصفًا إياه بـ"الهوليودي"، متهمًا الصحيفة بشنِّ حربٍ نفسيّة. في حين لم يصدرْ أيُّ بيانٍ تفصيليٍّ عن الحكومةِ الإيرانيّةِ أو القضاءِ أو "الحرس الثوري" يؤكدُ وضعه قيدَ الإقامةِ الجبريةِ، أو يعلنُ عن فتحِ قضيةٍ ضدّه.
وسبقَ أن تكرّرَ اسم أحمدي نجاد في الفترةِ الأخيرة، تحديدًا عند بدءِ الحرب على إيرانَ، إذ أشارت معلوماتٌ عديدةٌ إلى أنه كان يُحضَّرُ ليصبح الرئيس في "اليوم التالي"، لكن المخطط المرسوم فشل. وبعيدًا عن الأسبابِ التي أسهمت في عدمِ نجاحِ الخطة، فإن كشفها يؤكدُ أن تلّ أبيب كانت تُعدُّ العدّةَ وتضعُ تصوراتِهَا المستقبليّة. لكن عدم تحقيقِ الغاياتِ يتزامنُ مع تزايدِ الانتقاداتِ الأميركيّةِ لتلّ أبيب، وكان آخرها ما كُشِفَ عن طلبِ ترامب من نتنياهو الانسحابَ من سوريا ولبنان. فيما كرّرَ ترامب "السرديةَ" عينها، لجهةِ تأكيدِهِ أن الرئيسَ السوريَ أحمد الشرع سيتولى التعاملَ مع "حزب الله"، لكنه سيفعلُ ذلك "بطريقةٍ مختلفةٍ" عن إسرائيل. كما ألمحَ إلى أن إعادةَ انتشارِ القواتِ الإسرائيليّةِ في لبنانَ قد تمثّلُ خطوةً مناسبةً، تسمحُ لتلّ أبيب بالتركيز على ما وصفه بـ"القضية الكبرى"، في إشارةٍ إلى إيران. وتترافقُ هذه التصريحاتُ مع الجولةِ السادسة من المفاوضاتِ التي عُقدِت في روما، على مدارِ اليومين الماضيين، بين لبنانَ وإسرائيلَ برعايةٍ أميركيّةِ، وسطَ مؤشراتٍ على تحقيقِ تقدّمٍ في مناقشةِ آلياتِ تنفيذِ "اتفاقِ الإطار"، خصوصًا بدء تنفيذِ المرحلة الأولى والانسحاب الإسرائيليّ من "المناطقِ التجريبية" والجدولِ الزمنيّ. وفي بيانٍ لها، وصفت السفارةُ الأميركيةُ في بيروت، المحادثات بـ"المثمرةِ والإيجابيةِ"، معلنةً أن "المرحلةَ المقبلةَ ستشهدُ انطلاقَ محادثاتٍ فنيةٍ موسعةٍ تُركزُ على تنفيذِ جميعِ بنودِ اتفاق الإطار، للتوصل إلى اتفاقٍ شاملٍ بين لبنانَ وإسرائيل".
لكن، على الرغم من الأجواءِ التفاؤليّةِ، فإن الشيطان يكمنُ دائمًا في التفاصيلِ، خصوصًا اللوجستية، التي تحدثت عنها صحيفة "معاريف". وهي تكشفُ عن رغبةٍ إسرائيليّةٍ في تحويلِ "المنطقة التجريبية" من ممرٍ للانسحابِ إلى أداةٍ لفرض الوصاية. ففيما يطالبُ لبنانُ بأن تشملَ المنطقةُ التجريبيةُ الأولى أماكنَ تخضعُ لسيطرةٍ إسرائيليّةٍ فعليةٍ لتقديمِهَا كإنجازٍ سياسيٍّ يُمَهِّدُ لانتشارِ الجيش، تعرضُ إسرائيل مناطقَ محدودةً لتقليلِ مخاطرها الأمنيّةِ، وتصرُّ على رهنِ المنطقة الثانية بنتائجِ الأولى. في غضونِ ذلك، أكدَ رئيسُ الجمهورية جوزاف عون، الذي يزورُ واشنطنَ الأسبوع المقبل، أن "صيغةَ الإطار هي أفضل الممكن"، وأنها بدأت تحققُ نتائجَ على مستوى التعاطي الأميركي مع لبنان، مشيرًا إلى أن "واشنطن باتت تصغي إلينا، وملف لبنان أصبحَ على طاولةِ الرئيسِ الأميركي". وإذ شدّدَ على أن "أهدافَنَا واضحةٌ، ولن نتساهلَ في ما يخصُّ حقوقَ لبنان"، دعا إلى إبقاءِ الحوارِ بين اللبنانيين تحتَ سقفِ المصلحةِ الوطنية "لأن الطريقَ لا يزال مليئاً بالصعوبات، لكن الأمل كبيرٌ في تحقيقِ نتائج تنهي حمام الدم، وتحمي لبنان من الأطماعِ الإسرائيليّة". ويحاولُ عون في حميعِ خطاباته وتصريحاتِهِ إعلاءَ الشأن العام والرّد على "جوقة المنتقدين" للمسار الحكوميّ، خصوصًا أن "حزب الله" ومن يدور في فلكه، يشنون حملات التخوين يوميًا، متهمين الدولة بتقديم تنازلاتٍ "مجانية". وجدّدَ عضوُ كتلة الحزب النيابيّة حسن فضل الله تأكيدَ ربطِ الملفِ اللبنانيّ بالمفاوضاتِ الإيرانيّةِ، قائلًا إن "طهرانَ تعملُ على فرضِ معادلةٍ في المنطقة، وهذه المعادلةُ ستكونُ لمصلحةِ المنطقةِ ولمصلحةِ بلدنا، ولدينا ثقة كاملة بقيادةِ الجمهورية الإسلامية وبالشعبِ الإيراني بأن نصل معًا إلى الحلِّ المنشود".
والمفارقة أن هذه الثقة "العمياء" في إيران لا تُتَرجَمُ على الجانبِ اللبنانيّ، لا سيّما الحكومة الشرعيّة، التي تُناط بها مسؤولية حمايةِ مصلحةِ البلادِ العليا وأمنها القومي. وهذا ما يُعتبرُ جوهرُ الخلافِ الحالي بين رؤيتين ومفهومين، فيما لبنانُ يحتاجُ إلى تضافرِ الجهودِ والتوحدِ خلفَ الموقفِ الرسميِّ لمواجهةِ المخططاتِ الإسرائيليّة. ميدانيًا، شهدَ جنوب لبنان تطوراتٍ متلاحقةً، فأعلن الجيشُ اللبنانيّ تنفيذَ دورياتٍ وإقامةَ حواجزٍ في عددٍ من البلداتِ الجنوبية، بينما ذكرَ جيشُ الاحتلالِ أنه قتل 3 أشخاصٍ قال إنهم عناصرٌ في "حزب الله"، داخل ما يسمّيها "المنطقة الأمنيّة"، التي يتمسكُ بالبقاءِ فيها بذريعةِ حمايةِ أمنِ مستوطناته. وعلى الرغم من تراجعِ وتيرةِ المواجهات، يواصل الاحتلال تنفيذ غاراتٍ جويةٍ، وعملياتِ تفجيرٍ وتحركاتٍ عسكريةٍ في مناطق جنوبيّةٍ عدة، بغضّ النظر عن المحادثاتِ والاتفاقِ المبرم. لكن تلّ أبيب لا تلتزمُ بأيِّ قراراتٍ، بل تسعى إلى أن تحققَ مطامعهَا، فيما مسارُ لبنان طويلٌ ومعقدٌ بسببِ تداخلِ ملفاتِهِ مع قضايا المنطقة، من الحربِ على إيرانَ إلى الأحداث في العاصمةِ العراقيّة بغداد. فزيارةُ رئيس حكومتها واشنطنَ لم يأتِ من فراغٍ، بل جاءَ في لحظةٍ مفصليّةٍ يُعادُ فيها ترتيبُ أوراقِ المنطقة، وتبدو فيها الولايات المتحدة مصرّةً على كفّ يد إيران، بينما تعزّزُ نفوذَهَا وتحالفاتِهَا الإقليميّة. فبعد يومٍ واحدٍ على اللقاء، أعلنت السلطاتُ العراقيّةُ فرضَ عقوباتٍ على شبكاتِ تمويلٍ مرتبطةٍ بـ"حزب الله". كما شملت العقوباتُ النائب السابق سليمان فرنجية والقيادي في الحزب محمود قماطي، في خطوةٍ تحملُ الكثير من الدلالات. لكن العبرةَ تبقى في التنفيذِ، وفي ما ستحملُهُ الأيام المقبلة لبغداد، خصوصًا أن طهرانَ لن تتنازل بسهولةٍ عن هذه الساحة، بعد خسارتِهَا سوريا مع سقوطِ حليفها بشار الأسد.
على صعيدٍ آخر، ناقشَ وزيرُ الخارجيةِ السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيرِهِ السوري أسعد الشيباني، في الرياض، مستجدات الأوضاعِ في المنطقةِ، والجهودِ المبذولةِ لدعمِ الأمنِ والاستقرار فيها. في حين لا تزال أحداثُ غزّة تتوالى، من دون أن تحصلَ على الاهتمامِ المطلوب، إذ صَعَّدَت إسرائيلُ غاراتها، وقصفَت مناطقَ خارجَ سيطرةِ الاحتلالِ في حي الزيتون جنوبي مدينة غزّة، ما أدى إلى إصابةِ 5 أشخاص. في وقتٍ دمّرت فيه هجماتها 3 شققٍ سكنيّةٍ وألحقت أضرارًا فادحةً بعد صدورِ أوامر إخلاءٍ لثلاثةِ مربّعاتٍ سكنيةٍ في مدينةِ دير البلح ومخيميْ المغازي والنصيرات، وسطَ القطاع. إلى ذلك، اقتحمَ مستوطنونُ إسرائيليونُ، أمس الأربعاء، باحاتِ المسجدِ الأقصى المبارك، وسطَ تصاعدِ الانتهاكاتِ التي بلغت 26 اقتحامًا للمسجدِ خلال شهر حزيران/يونيو الماضي. وفي سياقِ الانتهاكاتِ عينها، اقتحمَ عضوٌ من اليمين المتطرّف في الكنيست الإسرائيليّ مدرسةً للأيتامِ في البلدةِ القديمةِ في القدس، وحطّم لافتةً تحملُ اسم المدرسةِ والعلم الفلسطينيّ، متوعدًا بإغلاقِهَا مع المؤسساتِ التعليميةِ الفلسطينيّةِ الأخرى في المدينة.
وفي الجولة اليوميّة على الصحف العربيّة الصادرة اليوم الخميس، إليكم أبرز ما جاء فيها:
أشارت صحيفة "الرياض" السعودية إلى أنه "لم يعد أمن الخليج العربي قضية تخص دوله وحدها، بل أصبح ركيزة من ركائز الاستقرار العالمي، فمن هذه المنطقة تمر أهم ممرات الطاقة والتجارة الدولية، وعلى استقرارها تتوازن أسواق النفط والاقتصاد العالمي، ولهذا فإن أي محاولة لزعزعة أمن الخليج لا تنعكس على المنطقة فحسب، بل تمتد آثارها إلى العالم بأسره". وقالت: "لقد أثبتت التجارب أن الأمن لا يُبنى بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا بتغذية الصراعات بالوكالة، وإنما يُبنى باحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، وتغليب لغة الحوار على منطق القوة. فكلما ارتفعت وتيرة التصعيد، ارتفعت معها كلفة الأمن، وتراجعت فرص الاستثمار، وتأثرت حركة التجارة الدولية، وهو ما يجعل الجميع خاسرًا". لتصل إلى خلاصة مفادها بأن "المنطقة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنتصر لغة التعاون والاحترام المتبادل، فتتجه دولها نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، وإما أن تستمر سياسات التصعيد التي أثبتت السنوات الماضية أنها لا تحقق مكاسب دائمة، بل تنتج مزيدًا من الأزمات".
واعتبرت صحيفة "الوطن" البحرينية أن "الاعتداءات الإيرانية الإرهابية الآثمة لن تزيد شعب البحرين إلا قوة والتحامًا وتعاضدًا وتعاونًا، والفزعة من أجل الدفاع عن تلك الأرض، في مواجهة عدوان إيراني غاشم، يستهدف المدنيين الأبرياء من المواطنين والمقيمين، والمنشآت المدنية في تأكيد واضح على ما ينتهجه النظام الإيراني من إرهاب يرسّخ حقيقة ضعف هذا النظام الذي يفشل يوماً بعد يوم في أن يوفر لشعبه الأمن والأمان والاستقرار". ودعت "المجتمع الدولي، ودول العالم أجمع، إلى أن تضطلع بمسؤولياتها، من أجل الحدّ من تلك الاعتداءات الإيرانية الإرهابية الآثمة، والسعي الحثيث لإعادة حرية الملاحة البحرية في مضيق هُرمز دون رسوم أو عوائق، وتحقيق السلام والأمن الإقليميَين المستدامَين، وكذلك لا بد من الوقوف بوجه إيران وتشديد بيانات الإدانة والاستنكار، واتخاذ مواقف حازمة وصارمة وجادة تجاه أي محاولات من إيران من أجل السيطرة على مضيق هرمز، مع ضرورة عدم الاعتراف بادعاءات ومزاعم إيران الكاذبة بشأن ما يتعلق بالسيادة على المضيق، أو بأي نظام تصاريح أو رسوم تفرضه على المضيق".
أما صحيفة "الوطن" القطرية، فشدّدت على أنه "لا يمكن استمرار العدوان الإيرانيّ والتصعيد وتلك الاعتداءات التي تستهدف أمن وسيادة الدول العربية الشقيقة أو تهدد استقرار المنطقة كونه يمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة تلك الدول وتصعيدًا خطيرًا يهدد أمن واستقرار منطقة الخليج، وأن هذه الاعتداءات تقوض الجهود الرامية إلى خفض التوتر وترسيخ الأمن والاستقرار الإقليميين". وأضافت أنه "لا يمكن قبول أي ذرائع أو مبررات لهذه الاعتداءات المرفوضة والمستهجنة، ويجب الوقف الفوري لجميع الأعمال التصعيدية والالتزام بقواعد القانون الدولي، بما يحفظ أمن المنطقة ويجنب شعوبها مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار".
في إطارٍ متصلٍ، أوضحت صحيفة "الصباح" العراقية أن زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن "لم تكن حدثًا دبلوماسيًا اعتياديًا، بل جاءت في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تتداخل فيها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. وفي هذا السياق، فإن أهمية الزيارة لا تكمن في حجم الاتفاقات التي أُعلنت، بل في الرسائل الاستراتيجية التي حملها الخطاب السياسي للطرفين، والتي توحي بأن العلاقات العراقية الأميركية تدخل مرحلة جديدة، تنتقل فيها من منطق التحالف العسكري إلى منطق الشراكة الاقتصادية والتنموية". لكنها نبهت إلى أن "الطريق ليس خاليًا من العقبات، فنجاح هذه الرؤية يتطلب: استقرارًا سياسيًا طويل الأمد، واستمرار برنامج مكافحة الفساد، وإصلاح المنظومة الإدارية والقانونية، وحماية المستثمرين وسيادة القانون، وتنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة بصورة عملية، وتحقيق توافق وطني يمنع تحويل الشراكات الاقتصادية إلى مادة للصراع السياسي".
(رصد "عروبة 22")

