صحافة

العجز العسكري الأمريكي عن فتح مضيق هرمز

مصطفى السعيد

المشاركة
العجز العسكري الأمريكي عن فتح مضيق هرمز

المدمرة الأميركية دونالد كوك تعبر بحر العرب بينما تحلق مروحية بالقرب منها (سنتكوم)

دخلت القوات الأمريكية الجولة الثالثة من الحرب على إيران بهدف واحد هو فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، لتصبح الولايات المتحدة أمام امتحان قاس لقوتها العسكرية، فهي تمتلك أقوى الأساطيل البحرية بحاملات طائراتها ومدمراتها وفرقاطاتها، ولديها أكبر وأحدث قوة جوية في العالم، وشبكة من القواعد العسكرية في كل دول الخليج والأردن والعراق وسوريا. وبدأت الحملة العسكرية الجديدة بغارات من الطيران المُسير ووابل من صواريخ توماهوك الثقيلة والدقيقة، لتفتح الطريق أمام الطائرات الحربية المنطلقة من حاملات الطائرات والقواعد العسكرية، وللأسبوع الثاني لم تتمكن القوات الأمريكية من فتح مسار أمام السفن العالقة فى الخليج، سواء كانت تحمل شحنات من النفط أو الغاز أو البتروكيماويات والأسمدة والهيليوم وغيرها من المنتجات الضرورية لضخ الدماء في الاقتصاد العالمي المعرض للانكماش والكساد.

نجحت القوات الأمريكية الجوية والبحرية في إيقاع خسائر جسيمة في الموانىء والمواقع البحرية الإيرانية المطلة على مضيق هرمز والمحيط الهندس، لكن كل هذه الغارات لم تفلح فس فتح ممر آمن أمام السفن، وأصيبت عدة سفن بأضرار جسيمة، واشتعلت فيها النيران عندما تحركت فس المسار القريب من شواطئ سلطنة عمان، واعتقدت أنها آمنة تحت الحماية البحرية والجوية الأمريكية، لتتوقف حركة الملاحة تماما في هذا المسار، وتلجأ السفن إلى المسار الذي حددته القوة البحرية لحرس الثورة الإيراني، وهو المسار المهدد حاليا بالحصار البحري الأمريكي الذي سيوقف حركة الملاحة تماما في الخليج، فهل تعلن الولايات المتحدة عجزها عن فتح المضيق، وتكتفي بتشديد الحصار، وتظل أزمات النفط والغاز والأسمدة تتفاقم في العالم، ويستمر الصعود السريع للأسعار؟

الخيارات ضيقة وصعبة أمام القوات الأمريكية، فهناك خطة السيطرة على الجزر الحاكمة والمطلة على مضيق هرمز، وأهمها طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى وقشم ولارك وهرمز، فهل يمكن للقوات الأمريكية أن تحتل هذه الجزر وتفتح المضيق؟ من الممكن احتلال الجزر، لكن الثمن سيكون فادحا، وستتكبد القوات الأمريكية خسائر جسيمة في الأرواح يصعب أن تتحملها، فسوف تتعرض قوات الإنزال لوابل من القذائف أثناء الاقتحام وبعد الاحتلال، والأخطر أن الدولة التي ستسمح بانطلاق قوات الإنزال من شواطئها أو تزودها بالإمدادات ستتعرض لعمليات انتقامية من الجانب الإيراني، وتتضرر موانيها وبنيتها التحتية، ومنها محطات تحلية المياه وإنتاج الكهرباء لضربات مؤلمة للغاية، حيث تعتمد دول الخليج على المياه المحلاة بنسبة تصل إلى 90%، وبالتالي سيتعرض السكان للعطش، كما لا يمكن للسكان تحمل انقطاع الكهرباء، خاصة في صيف ترتفع فيه الحرارة إلى ما فوق 50 درجة مئوية، ويمكن أن يصل الأمر إلى إحراق آبار النفط والغاز والمصافي والخزانات.

وتتحول منطقة الخليج إلى كتلة نيران هائلة، ولن تكون خسارة العالم نقص الإمدادات البترولية أو توقفها المؤقت، وإنما خسارتها التامة إلى أمد طويل. ورغم أن سيناريو الاقتحام العسكري للجزر مرعب، إلا أنه لن يحقق هدف فتح مسار آمن للسفن بعد كل هذه المخاطر، فهناك القوات الإيرانية على المدخل الشرقي للمضيق والخليج، فهل يمكن أن تحتله القوات الأمريكية بعملية برية؟ بالطبع يمكن، لكن الخسائر ستكون أكبر وأشد إيلاما، لكنها أيضا لن تفتح مسارا آمنا للسفن، ويكفي إطلاق عدة طائرات مسيرة من أي مكان في إيران لتعطيل الملاحة.

وهذا يعني أن على القوات الأمريكية أن تحتل إيران بأكملها، وهذه مهمة صعبة للغاية، وتكلفتها أصعب من أن تتحمله الولايات المتحدة التي ستضطر إلى فرض التجنيد الإجباري ودفع ملايين الشباب إلى الخدمة العسكرية، وتحويل الاقتصاد المأزوم إلى خدمة اقتصاد الحرب، وهذا يعني أن الحل العسكري يكاد يكون مكلفا جدا، وليس أمام الولايات المتحدة إلا خياران، الأول أن توجه عدة ضربات قوية لإيران وتعلن الانتصار والانسحاب من المنطقة، وتطلب من دولها أن تتولى شؤون نفسها، أو أن تعود إلى مذكرة التفاهم، وتذعن للمطالب الإيرانية التي وردت في مذكرة التفاهم، والتي يراها الكثيرون وثيقة هزيمة أمريكية سيكون لها تداعياتها على النفوذ الأمريكي في المنطقة والعالم.

لم يعد بالإمكان أن تستمر القواعد العسكرية الأمريكية كالسابق، بعد أن أثبتت أنها عاجزة عن حماية نفسها، وليس في أولوياتها مصلحة الدول التي تستضيفها، لتصبح عبئا عليها، بدلا من أن تكون حامية لها، ولا يمكن أن يتكرر السيناريو الأوكراني في المنطقة بأن تتحول دول الخليج والأردن إلى ساحة قتال بين معسكرين، فالخسارة مزدوجة في هذه الحالة، مما سيدفع تلك الدول إلى البحث عن مظلة أمنية بديلة عن "الحماية الأمريكية" الفاشلة والمكلفة، وستكون معركة مضيق هرمز فاصلة وحاسمة ومحددة لجدوى الوجود العسكري الأمريكي.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن