يحتل صراع الهوية جدلاً حضارياً وثقافياً عميقاً في وقتنا الراهن؛ بين من يرى أن نموذج الثقافة الغربية هو النموذج الأعلى الذي يجب أن يُحتذى به، وبين من يدعو إلى الانغلاق والعودة إلى الذات ورفض الآخر. وفي حين انبرى الفلاسفة الأفارقة للتصدي للهيمنة الغربية، برز الفيلسوف السنغالي سليمان بشير دياني ليقترح مقاربة وسطية ثالثة، قدّم من خلالها أطروحته الشهيرة التي صاغها في مفهوم" الكونية الرحمية".
فكيف أسس سليمان بشير دياني لمفهوم "الكونية الرحمية" بوصفها بديلاً ينطلق من "ضيافة الترجمة"؟ وكيف تتجلى هذه الكونية في مقابل الهيمنة المركزية؟.
الكونية الأفقية في مقابل الكونية العمودية
ينطلق بشير دياني في اقتراحه للكونية الرحمية من خلال التمييز بين نوعين من الكونية:
1-الكونية العمودية: وهي الكونية الاستعلائية المفروضة بالقوة والهيمنة التي طبعت السياسات الاستعمارية في تصورها الأحادي للحضارة الكونية والمركزية الرسالية، وهي التي جعلت من الثقافة الأوروبية مركزاً ومنطلقاً للقيم العالمية.
2- الكونية الأفقية: وهي الكونية التفاعلية -وفق تعبير الفيلسوف الفرنسي ميرلو بونتي- ويعني بها العمل الفلسفي على بناء معايير التعددية والتنوع؛ تلك التي تقوم على أساس التكافؤ بين الثقافات والتبادل الإنساني المشترك.
الكونية الرحمية
إن الكونية الرحمية الشاملة -كما يقترحها بشير دياني- هي مبدأ يقوم على الاعتراف بالجميع دون تمييز بين الثقافات على حساب العرق، أو اللون، أو الجغرافيا. ويهدف من خلالها إلى صياغة مشترك إنساني عالمي يولد من رحم اللقاء، والحوار، والتسامح، والتشارك، بحيث يحضر كل طرف باختلافه مع احترام الخصوصيات الثقافية، ودون الذوبان في الآخر؛ فليس هناك حقيقة مطلقة يمكن احتكارها، ... وقد بنى مفهومه هذا على فلسفة الإبونتو الافريقية التي تقوم على مقولة " أنا موجود لأننا موجودون".
. والسبيل في تصوره لتحقيق هذه الكونية يتم عن طريق الترجمة
الترجمة.. لغة اللغات
الترجمة عند بشير دياني ليست مجرد أداة تقنية، بل هي ممارسة متعددة الأبعاد: سياسية، وفلسفية، وأخلاقية، وهي إحدى الأدوات التي يمكن أن تصنع عيشاً بشرياً مشتركاً. ولهذا صرّح في كتابه المعنون ب "من لغة إلى لغة: الترجمة كفعل ضيافة". أنه يريد بها المعنى الأخلاقي الكامن خلف الترجمة فهي في رأيه فعل ضيافة أخلاقي يتسع للجميع، وهو ما نجده في قوله: "الترجمة هي لغة اللغات الوحيدة، أي أن الترجمة هي بالتحديد ما يجعل تجربة في لغة ما قابلة للمشاركة في لغة أخرى".
وقوله أيضا: "الترجمة هي اختبار دائم للذات من قِبل الآخر، وللآخر من قِبل الذات".
وهذا أفضل تجسيد لفلسفة الاعتراف بالآخر وثقافته، كما يشرح ذلك في حواره مع الأنثروبولوجي الفرنسي جان لو أمسيل بقوله: "الترجمة هي أفضل تجسيد للكونية الأفقية، الكونية الأفقية تلك التي تنطلق من ثقافتنا جميعا. يعتبر بشير دياني أن هذه الكونية تقوم على إمكان الترجمة، أي على إمكان الترجمة اللامتناهية لكافة الثقافات الواحدة في الأخرى، فهو يعتبر أن بحثه عن الكونية يكمن في سجل الكونية الثقافية، باعتبار أن مرمى مسعاه يتمثل في العثور عن المشترك بين كل الثقافات انطلاقا من أساس تجريبي واقعي".
في الأخير، يمكن أن نقول إن مفهوم "الكونية الرحمية عند بشير دياني" ليس مجرد مصطلح فلسفي تجريدي، فالقارئ المتمعن للقواعد التي يبني عليها بشير دياني تأصيله لهذا المصطلح، يدرك أنه يأخذ حكم السلاح الفكري، ضد كل ما يواجه الإنسان الأفريقي من تحديات فكرية، داخلية كانت (لتعصب، الجمود، الانغلاق على الهوية،..) أم خارجية (الاستلاب المعرفي، الحداثة والهيمنة الغربية...).


