صحافة

اتفاقية مكة.. معادلة القوة الجديدة

عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ

المشاركة
اتفاقية مكة.. معادلة القوة الجديدة

لحظة توقيع "اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك" بقصر الصفا في مكة المكرمة الجمعة (واس)

هناك أحداث تمر في التاريخ، وهناك أحداث يتغير بعدها التاريخ.. وفي 7 أغسطس 2026م، لم تكن مكة المكرمة مسرحاً لقمة سياسية أخرى، ولم تجتمع المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية لتضيف ثلاث صور رسمية إلى أرشيف الدبلوماسية، بل شهدت المدينة التي تتجه إليها وجوه أكثر من مليار مسلم ولادة معادلة استراتيجية جديدة، عنوانها "اتفاقية مكة للدفاع المشترك". اتفاقية تختصر فلسفتها جملة واحدة شديدة الوضوح، وشديدة القوة: "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع"، وهذه العبارة وحدها تكفي لفهم حجم ما حدث.

فالحدود بقيت كما هي، والأعلام بقيت ثلاثة، والسيادة الوطنية لكل دولة بقيت كاملة، لكن حسابات القوة تغيرت، لأن من يفكر منذ هذه اللحظة في الاعتداء على دولة من الدول الثلاث، لن يكون أمام سؤال يتعلق بقدرات تلك الدولة وحدها، بل أمام سؤال أكبر بكثير: ماذا يعني أن يصبح الاعتداء عليها اعتداءً على الجميع؟ هنا تنتقل الاتفاقية من السياسة إلى فلسفة القوة، فالدول لا تحمي نفسها فقط بما تمتلكه من سلاح، بل بما تزرعه في عقل خصومها من يقين بأن تكلفة الاعتداء ستكون أكبر من أي مكسب يمكن تحقيقه منه، وهذه هي ذروة الردع، أن تمتلك القوة، وتعلن الإرادة، وتبني التحالف، ثم تجعل خصمك هو من يتخذ قرار عدم استخدامها.

ولهذا فإن "اتفاقية مكة" ليست إعلاناً للحرب، بل بناءٌ للسلام من موقع القوة، فالسلام الذي لا تحرسه القوة قد يبقى أمنية، أما السلام الذي تقف خلفه إرادة سياسية، وقدرة عسكرية، ومصالح استراتيجية مشتركة، فإنه يتحول إلى معادلة يصعب العبث بها. وليست الدول الثلاث دولاً هامشية اجتمعت لتبحث عن وزن، بل قوى تحمل وزنها معها إلى أي طاولة تجلس إليها، المملكة العربية السعودية بثقلها العربي والإسلامي والسياسي والاقتصادي، وبموقعها في قلب معادلات الطاقة والتجارة والأمن العالمي، وتركيا بما تمتلكه من قوة عسكرية وقاعدة صناعية دفاعية و موقع جيوسياسي استثنائي، وباكستان بجيشها وقدراتها الاستراتيجية وثقلها البشري وموقعها في جنوب آسيا.

وحين تجتمع هذه العناصر، فإن الناتج ليس مجموع ثلاث قوى، بل ولادة مساحة جديدة للقوة، فمن الجزيرة العربية إلى الأناضول، ومن الخليج والبحر الأحمر إلى شرق المتوسط وجنوب آسيا، يمتد قوس جغرافي شديد الحساسية في النظام الدولي، تتقاطع داخله الطاقة والتجارة والممرات البحرية والمصالح الدولية، وتتحرك حوله أزمات العالم وتنافساته الكبرى.

لكن القراءة الأهم، بالنسبة لنا، هي القراءة السعودية، فالمملكة التي كانت طوال تاريخها الحديث ركناً رئيسياً في استقرار المنطقة، تدخل اليوم مرحلة أكثر تقدماً، لا تكتفي فيها بحماية التوازن، بل تشارك في صناعته، ولا تنتظر هندسة الأمن الإقليمي من خارج المنطقة، بل تبني مع شركائها أدواتها الخاصة للمساهمة في هندسته. وهنا يظهر الفارق بين "الحماية" و"السيادة"، فالدولة التي تبحث عن الحماية تنتظر القوة من خارجها، أما الدولة التي تمارس سيادتها الكاملة فتبني قوتها، وتنوّع شراكاتها، وتحدد مصالحها، وتختار حلفاءها، وتوسع خياراتها، ثم تجعل قرارها الوطني هو النقطة التي تبدأ منها جميع الحسابات.

وهذا تحديداً ما تقوله السعودية اليوم، لسنا بصدد استبدال صديق بصديق، ولا محور بمحور، ولا علاقة دولية بأخرى، بل أمام دولة بلغت من الثقة بقرارها ما يجعلها قادرة على بناء علاقاتها في الشرق والغرب وفق معيار واحد: "المصلحة السعودية". فالعالم تغير، وزمن الاعتماد المطلق على مظلة واحدة يتراجع أمام عالم متعدد القوى والمصالح، والدولة التي تريد حماية مستقبلها لا تضع أمنها كله في يد معادلة واحدة، بل تصنع لنفسها أكبر مساحة ممكنة من الخيارات، والمملكة تفعل ذلك من موقع القوة، لا من موقع القلق.

أما مكة، فليست مجرد مكان التوقيع، فللأماكن ذاكرتها، وللأسماء قوتها، وهناك فرق بين اتفاقية تحمل رقماً في أرشيف دبلوماسي، واتفاقية تحمل اسم "مكة". في المكان الذي يمثل قلب العالم الإسلامي، اجتمعت ثلاث دول إسلامية كبرى لتقول، بالفعل لا بالشعار، إن التضامن يمكن أن ينتقل من اللغة إلى المؤسسة، ومن العاطفة إلى المصلحة، ومن البيانات إلى بناء القوة، وربما يكون هذا أحد أكثر أبعاد الاتفاقية عمقاً.

فالعالم الإسلامي امتلك طويلاً الكثير من عناصر القوة منفردة، لكنه عانى تاريخياً من تشتتها، وحين تبدأ الدول الكبرى داخله بتحويل عناصر القوة المتفرقة إلى مصالح مترابطة وقدرات متكاملة، فإننا لا نتحدث عن تحالف عسكري فحسب، بل عن بداية تحول في الوعي الإستراتيجي نفسه. ومع ذلك، فإن قوة "اتفاقية مكة" لا تكمن في البحث عن عدو، فالتحالف الناضج لا يحتاج إلى صناعة الأعداء كي يبرر وجوده، ورسالته أبسط و أقوى: "نحن لا نهدد أحداً، لكننا أيضاً لن نسمح لأحد بأن يهددنا منفردين".

والمرحلة التالية ستكون الاختبار الحقيقي، لأن الاتفاقيات التاريخية لا تصنعها مراسم التوقيع وحدها، بل ما يأتي بعدها، عندما يتحول النص إلى تعاون دفاعي، والتعاون إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرات، والقدرات إلى ردع، والردع إلى استقرار، عندها فقط تتحول الكلمات المكتوبة على الورق إلى حقائق مكتوبة في ميزان القوة. سيعود المؤرخون يوماً إلى 7 أغسطس 2026م، و قد يختلفون في توصيف تفاصيل كثيرة سبقت ذلك اليوم أو جاءت بعده، لكنهم على الأرجح سيتوقفون طويلاً أمام حقيقة واحدة: في مكة المكرمة، قررت ثلاث دول كبرى أن أمن الواحدة منها لم يعد شأناً منفصلاً عن أمن الأخريين.

أما المملكة العربية السعودية، فقد قالت من قصر الصفا، بالفعل لا بالخطابة، إن مرحلة جديدة من تاريخها الاستراتيجي قد بدأت، مرحلة لا تسأل فيها المملكة أين موقعها في النظام الإقليمي القادم، لأنها أصبحت من الدول التي تصنعه. في التاريخ، هناك دول تنتظر ميزان القوة حتى يستقر، ثم تبحث داخله عن مكان، و هناك دول تضع يدها على الميزان.. فتغيّر معادلته.

(الرياض السعودية)

يتم التصفح الآن