صحافة

لماذا يبحث الخليج عن أمنه في الخارج؟

محمد الحمادي

المشاركة
لماذا يبحث الخليج عن أمنه في الخارج؟

سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)

لا تعاني دول الخليج والعالم العربي نقصاً في السلاح، ولا في الأموال المخصصة للدفاع، فلديها جيوش حديثة، وطائرات متقدمة، ومنظومات صاروخية، وقدرات تتطور باستمرار. ومع ذلك، كلما ارتفع مستوى الخطر، اتجهت العواصم إلى البحث عن ضمانات وشراكات من خارج المنطقة! وهنا يبرز السؤال: لماذا يبدو الاتفاق مع الخارج أسهل من بناء أمن مشترك في الداخل؟ كشفت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة ردع جماعي، كما أظهرت تبايناً خليجياً وعربياً في تقدير الخطر، والموقف من الحرب، وحدود الدورين الأمريكي والإسرائيلي، وتصور العلاقة المستقبلية مع إيران... لقد اتفقت الدول على إدانة الاعتداءات التي تعرضت لها دول المنطقة، لكنها لم تنتقل إلى موقف أمني موحد قادر على ردعها.

وفي الأسابيع الأولى للحرب، قال الدكتور أنور قرقاش إن الإمارات ستعيد تقييم علاقاتها الإقليمية والدولية «بوضوح ودقة»، وتحدد الشركاء الذين يمكن التعويل عليهم، بلا شك كان الدكتور يتحدث باسم الإمارات ولم يكن يتحدث باسم الخليج، لكن الاتفاقيات التي ظهرت بعد الحرب تؤكد أن مراجعة التحالفات أصبحت إحدى نتائجها، وأن الثقة بالشركاء لم تعد مسألة دبلوماسية، بل جزءٌ من حسابات الأمن الوطني.

ليس في التعاون مع القوى الدولية أو الإقليمية ما يعيب، فالدول لا تحمي نفسها بالانغلاق، والتحالفات تمنحها التكنولوجيا والمعلومات والتدريب والقدرة على التحرك، لكن الشراكة الخارجية تكون مفيدة عندما تضيف إلى منظومة قائمة، لا عندما تعوّض غيابها، والمشكلة ليست في تعدد الحلفاء، بل فيما تكشفه الحاجة إليهم عن حدود العمل الخليجي والعربي المشترك.

منذ عقود، تتحدث البيانات الرسمية عن وحدة الأمن والمصير، وتُعقد الاجتماعات والتمارين، وتُنشأ اللجان والقيادات، لكن الحقيقة أن الأمن لا يُقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بما يحدث عند وصول تهديد مفاجئ: هل تنتقل المعلومات فوراً بين العواصم؟ هل توجد صورة جوية وبحرية واحدة؟ من يقرر الرد؟ وما الذي تلتزم به كل دولة إذا تعرضت دولة أخرى للخطر؟

هذه الأسئلة هي جوهر الدفاع المشترك.. فالطائرة الحديثة لا تحقق الردع إذا عملت منفصلة عن شبكة الإنذار، والصاروخ الاعتراضي يفقد جزءاً من قيمته إذا وصلت المعلومة متأخرة، والجيش القوي يبقى قوة وطنية إذا لم يعرف دوره داخل خطة جماعية.. والواقع أن الخليج امتلك السلاح، لكنه لم يمتلك بعد قرار استخدامه جماعياً، فالمشكلة ليست نقص المال والمعدات، بل الإرادة والثقة اللازمتان لتحويل القدرات الوطنية إلى قوة واحدة.

لقد نجحت تحالفات دولية في تجاوز هذه المعضلة، لا لأن أعضاءها متفقون في كل القضايا، بل لأنهم حسموا مسبقاً حدود التزاماتهم، ففي حلف شمال الأطلسي، تحتفظ الدول بجيوشها وسيادتها، لكنها تعمل ضمن قيادة عسكرية متكاملة وخطط دفاع محددة. الأمر الآخر هو اختلاف تعريف الخطر، فأولويات الدول الخليجية والعربية ليست متطابقة، بعضها يركز على أمن الحدود، وبعضها على الملاحة أو الإرهاب أو الصواريخ أو الهجمات السيبرانية، وصحيح أنه لا يمكن مطالبة الدول بإلغاء حساباتها الوطنية، لكن من غير المنطقي ألا تتفق على حد أدنى من التهديدات التي تمسها جميعاً، وعلى استجابة محددة لكل منها.

وهنا تبرز دلالة التوسع في الاتفاقيات الخارجية، عندما تبحث دولة خليجية عن دفاع خارج المجلس، فلا نسأل فقط ماذا وجدت لدى الشركاء الجدد، بل ماذا افتقدت في البيت الخليجي؟ وهل جعلت شكوك السنوات الماضية الاتفاق مع الخارج أسهل من التوافق داخله؟ فالتحالفات لا تكشف فقط عمّن نثق به، بل عمّن لم نعد نثق أيضاً.

المسألة هنا ليست حنيناً إلى الشعارات القومية، ولا رفضاً للتعاون مع دول إسلامية أو أجنبية، بل قدرة العرب على حماية أمنهم، فإذا عجزوا عن إنتاج ضمانات قابلة للتنفيذ، فمن الطبيعي البحث عن شركاء آخرين، لكن ما لا يجب تجاهله هو أن تحول ذلك إلى قاعدة سيزيد تآكل النظام العربي، وقد يُدخل دوله في تحالفات متعارضة الأولويات والالتزامات.

والمنطق يقول إن الحالة التي نمر بها لا تحتاج إلى إعلان تحالف جديد أو إضافة مؤسسة أخرى، فالمطلوب تفعيل ما هو موجود، والمنطق يقول أيضاً إنه يجب الفصل بين الخلاف السياسي والحاجة الأمنية، فالدول الناجحة لا تنتظر زوال خلافاتها، بل تنشئ مؤسسات تمنعها من تعطيل مصالحها الكبرى.. والاتفاقيات الخارجية قد تكون تنويعاً عقلانياً للشراكات، لا تخلياً عن المحيط الخليجي والعربي، لكنها تعني أن المؤسسات القائمة لم تعد توفر وحدها الردع والطمأنينة المطلوبين.. والفرق بين الشراكة والاعتماد هو أن الأولى تعزز القرار الوطني، بينما يجعل الثاني هذا القرار مرتبطاً بحسابات الآخرين وأولوياتهم في الأزمات.

أخيراً.. إن إضافة حلفاء لا تعفي البيت الخليجي والعربي من السؤال الأصعب: لماذا أصبح استدعاء القوة من الخارج أسهل من بنائها في الداخل؟ فالمشكلة ليست أن يبحث الخليج عن أصدقاء جدد، بل أن يفعل ذلك بينما يبقى بيته الأول غير قادر عن أداء الوظيفة التي أُنشئ من أجلها..

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن