الأمن القومي العربي

منهجيّة واشنطن لوقف الحرب في السودان: تشديد وتكثيف الضغوط!

السودان - ماهر أبوجوخ

المشاركة

عقد مجلس الشيوخ الأميركي مساء يوم الأربعاء الخامس من أغسطس/آب الجاري جلسةً سريةً بخصوص الحرب في السودان، وتلقّى خلالها إحاطة سرية من القائم بأعمال نائب مساعد وزير الخارجية من مكتب الاستخبارات والأبحاث ستيف غالبِرن، واستبقت هذه الجلسة إيداع مشروعي قانون بخصوص السودان؛ أولهما في مجلس الشيوخ "قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026"، والمعروف بـ"قانون السلام في السودان"، وثانيهما على منضدة مجلس النواب باسم "الانخراط في قانون السلام السوداني".

منهجيّة واشنطن لوقف الحرب في السودان: تشديد وتكثيف الضغوط!

يرتكز المشروعان على محاور تدعم مسارات السلام والمساءلة عن الفظائع وتشديد العقوبات والضغط على الأطراف الخارجية المتهمة بتسليح أطراف النزاع أو تمويلها، لكن يلاحظ أن مشروع القانون المعروض أمام مجلس النواب يُجيز دعم نشر قوة دولية أو أممية أو أفريقية أو متعدّدة الجنسيات لحماية المدنيين ومراقبة أي هدنة محتملة، بينما لم يُشر مشروع القانون المعروض أمام مجلس الشيوخ لهذه الجزئية.

يؤشر إيداع مشروعي قانون في مجلسي الشيوخ والنواب إلى تنامي وتزايد الاهتمام الأميركي الرسمي بقضية إنهاء الحرب في السودان، ويترتّب على إجازة أي منهما جعل تحرّكات الإدارة الأميركية التنفيذية في ما يتصل بالتعامل مع قضية الحرب في السودان محكومةً بإطار تشريعي يفرض مسارًا ملزمًا على الإدارات الأميركية الحالية واللاحقة بسنّ قانون حول هذه القضية.

شهد وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2024 تحوّلات أميركية في الملف السوداني كان أبرزها تسمية مسعد بولس كمستشار لترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا الأمر الذي منحه حرّية الحركة في الملف السوداني إلى جانب الملفّين العربي والأفريقي، لكن يعدّ التحوّل الأبرز والأهم صدور بيان الرباعية بخصوص استعادة الأمن والسلام في السودان، الصادر عن أربع دول هي الولايات المتحدة الأميركية والسعودية ومصر والإمارات في 12 سبتمبر/أيلول 2025، الذي تمّ بمقتضاه وضع الملامح العامة لوقف وإنهاء الحرب في السودان.

تأثّرت المساعي الأميركية لوقف الحرب في السودان بشكلٍ كبيرٍ بعوامل داخلية من بينها تحرّكات واشنطن حول السودان سلبًا بانشغالها بإنهاء حرب غزّة، ثم انخراطها في أزمة فنزويلا، وصولًا إلى خوضها الحرب ضد إيران، إلّا أنّ أبرزها التنازع في ملف السودان بين مستشار الرئيس ووزارة الخارجية، وكان أبرز آثاره تغييب وتشويش الأجهزة الأخرى المعنية بالملف السوداني، خاصةً المرتبطة بالأجهزة الاستخباراتية والجهات المالية المرتبطة بالإجراءات الخاصّة بالأموال والأصول والمراكز البحثية والمؤسّسة التشريعية وغيرها، ومن الواضح أنّ هذا التنازع حُسم لصالح اعتماد تحرّكات بولس وتنسيق كل المؤسّسات الرّسمية معه.

أعادت حرب فبراير/شباط 2026 التي شنّتها كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران، قضية الحرب في السودان إلى دائرة الاهتمام مجدّدًا بإصدار الخارجية الأميركية في 9 مارس/آذار 2026 قرارًا يقضي بتصنيف الحركة الإسلامية وذراعها العسكرية "البراء بن مالك" جماعة إرهابية بسبب ارتباطها بإيران والحرس الثوري، وبموجب هذا التحوّل بات التعامل مع الملف السوداني بوصفه أحد مسارات المواجهة مع طهران.

على الرغم من إصدار واشنطن عقوبات على عدد من الجهات المرتبطة بالجيش، بما في ذلك قائد الجيش الفريق الأول الركن عبد الفتاح برهان، فإنّه يلاحظ انتهاجها مؤخرًا لمنهج أكثر تشدّدًا منذ 9 مارس/آذار عبر أربعة مسارات أساسية:

- أولها طرح مقترحات للهدنة مباشرة على الجيش والدعم السريع عوضًا عن مسار التفاوض غير المباشر الذي تم تنظيمه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وشهد هذا المسار استخدام الضغوط حين اعتبر بولس في كلمته أمام جلسة مجلس الأمن الخاصة بالسّودان في يونيو/حزيران 2026 قائد الجيش المعيق لمساعي وقف الحرب.

- ارتبط المسار الثاني بتصعيد ملف استخدام الجيش للأسلحة الكيميائية، بنقله إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في إجراء واضح يهدف إلى إنهاء عضوية السودان الذي يشغل مقعده ممثل البرهان في المكتب التنفيذي للمنظمة، أمّا الهدف الأساسي فهو الدفع بهذه القضية إلى مرحلة التحقيق الدولي في واقعة استخدام الأسلحة الكيميائية.

- يعدّ المسار الثالث الأكثر تعقيدًا لكونه يهدف إلى ربط الحرب في السودان بالصراع مع إيران والجماعات المساندة لها في المنطقة، خاصة الحوثيين في اليمن، ومصدر التعقيد أن هذا الربط إذا ما أوجد رابطًا بين الأمرين سيترتّب عليه تغيير في التحليل والتوجّهات والموقف، وسيُفضي إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وحسمًا ستحظى بالقبول والسند والدعم من قبل دوائر صنع القرار والإعلام ثم الرّأي العام الأميركي.

- يعتمد المسار الرابع على تشديد الضغوط على الأطراف المنخرطة في الحرب بفرض العقوبات على الأشخاص والكيانات لتحجيم حركتها وإضعافها والتأثير في وجودها ودعمها لأطراف الحرب من جهة، ودفع أطراف أجنبية إلى الابتعاد عن أطراف الحرب في السودان تجنّبًا لأي عقوبات أميركية قد تلاحقهم كمؤسّسات أو أشخاص من جهة ثانية.

بالنظر إلى كل الوقائع والتحركات الأميركية، سواء كانت ذات طابع تنفيذي أو تشريعي أو ديبلوماسي في ما يتّصل بجهودها لوقف الحرب في السودان، فمن الواضح أنّ اللجوء لاستخدام الضغوط بشكل مكثّف للغاية من قبل واشنطن يهدف إلى إحداث متغيّرات في المشهد الراهن؛ إمّا جزئيًّا بإقرار واعتماد هدنة وفتح مسارات إنسانية وفق الرؤية الأميركية، أو كليًا بالوصول إلى صيغة تُنهي الحرب المشتعلة في السودان منذ أربع سنوات.. أمّا تقييم فعّالية هذه الإجراءات، فهو متروك لما ستنتجه على أرض الواقع في مقبل الأيام!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن