الأمن الغذائي والمائي

الغذاء والمياه.. التحدّي الاقتصادي الأكبر في المنطقة العربية!

بلغ حجم سكّان العالم 8.241 مليارات نسمة عام 2026، بينما بلغ حجم السكان في العالم العربي 477.1 مليون نسمة، في الوقت الذي أظهر تقرير الأمن الغذائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، أنّ 7.8% من سكّان العالم عانوا من الجوع في عام 2025، وهو ما يمثّل انخفاضًا من نسبة 8.1% المسجّلة في عام 2024 و8.6% المسجّلة في عام 2022، ما يؤكد استمرار التحسّن وإن كان بوتيرةٍ بطيئة. (شارك في التقرير منظمة "فاو"، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية).

الغذاء والمياه.. التحدّي الاقتصادي الأكبر في المنطقة العربية!

لم يعد الأمن الغذائي في المنطقة العربية قضيّةً تتعلّق بكمية الغذاء المُتاحة على موائد السكّان فقط، بل بات اختبارًا واسعًا لقدرة اقتصادات المنطقة على إدارة مواردها المحدودة، وتنويع تجارتها، وجذب الاستثمارات، وتوفير الوظائف، والتعامل مع الصدمات الجيوسياسية والمُناخية، وفي هذه المنطقة يعيش أكثر من 142 مليون شخص في حالة انعدام للأمن الغذائي، ولا يستطيع 42% من السكّان تحمّل تكلفة نظام غذائي صحي.

منظومة واحدة تشمل الزراعة والمياه والتجارة واللوجيستيات والتصنيع والتكنولوجيا والقطاع الخاص

وفي ضوء ما تقدّم، انخفضت معدّلات الجوع في العالم في 2025، ما يظهر أنّ إحراز تقدّمٍ أمر ممكن، لكن تظلّ التحسينات غير كبيرة وغير متكافئة من حيث توزيعها، وغير جديرة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، حيث جاء هذا في تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026، الذي أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو).

إنّ هذه التحدّيات يمكن أن تتحوّل إلى فرص اقتصادية كبيرة إذا جرى التعامل معها باعتبارها منظومة واحدة تشمل الزراعة والمياه والتجارة واللوجيستيّات والتصنيع والتّكنولوجيا والقطاع الخاص.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل الغذاء في المنطقة من دون البدء بالمياه، فالزراعة تستهلك نحو 87% من المياه في المنطقة، في وقتٍ تقع فيه دول عديدة بالفعل تحت مستويات شديدة من ندرة المياه، مع وصول نصيب الفرد في عدد منها إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، وهو مستوى يعكس ندرة مائية شديدة.

الزراعة مصدر للدخل والثروة وليست مجرّد نشاط لتوفير الغذاء

قطعت المنطقة خطوات متقدّمة في مجال تحلية المياه، لكن التحلية وحدها لن تكون كافية، فالمطلوب هو إدارة المياه باعتبارها موردًا اقتصاديًا استراتيجيًّا، وليس مجرّد مدخل للإنتاج الزراعي، وإنّ كل قطرة ماء في المنطقة ينبغي استخدامها بطرق متعدّدة، ولا تتوقّف كفاءة استخدام المياه عند إنتاج الغذاء، بل تمتدّ إلى الحفاظ على الغذاء الذي أُنتج بالفعل.

ومن الجدير بالإشارة، أنّ الدول العربية تحتاج إلى نحو 12 مليار دولار سنويًا من الاستثمارات الإضافية، وهو رقم لا يمكن تحقيقه بالإنفاق الحكومي وحده، بل بجذب القطاع الخاص الذي يبدأ من تحسين البيئة التنظيمية والتشريعية، ثم توجيه الاستثمار نحو المجالات التي تحقّق أعلى قيمة مضافة.

ولا يتعلّق الأمر بالزراعة وحدها، بل بما يحدث بعد خروج المنتج من المزرعة: التخزين، والتصنيع، والتعبئة، والنقل، والخدمات، والتوزيع.

قضية المياه والغذاء تتحوّل من مجرّد قضية استهلاكية إلى فرصة استثمارية واقتصادية

ومن المهم الانتباه إلى أنّ البنك الدولي يُقدّر أنّ نحو 63 مليون وظيفة في المنطقة العربية ترتبط حاليًا بالأنظمة الزراعية والغذائية، مع إمكانيّة خلق نحو 5 ملايين وظيفة إضافية بحلول عام 2050، من خلال تطوير هذه المنظومة، إذ إنّ الزراعة يمكن أن تكون مصدرًا للدخل والثروة، وليست مجرّد نشاط لتوفير الغذاء.

وفي الختام، تتحوّل قضية المياه والغذاء من مجرّد قضية استهلاكية إلى فرصة استثمارية واقتصادية، بينما يصبح أمن المياه شرطًا أساسيًّا لاستدامة هذه الفرصة. وبعبارة أخرى، فإنّ تحدّيات الغذاء والمياه في المنطقة لن تُحسم فقط في الحقول، بل أيضًا في شبكات المياه، والموانئ، والمخازن، والمصانع، والمختبرات، وسلاسل الإمداد.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن