من عنوان المقال المُطوّل تستطيع أن ترى الفكرة الأساسية فيه، وهي أن الانتقال بمجلس التعاون الخليجي من حالة "التعاون" التي بقي عليها طوال 45 سنة، إلى حالة "الاتحاد" هو انتقال ضرورة وليس نوعًا من الترف. لكن حالة التعاون التي نشأ عليها المجلس، واستمرّ يعمل تحت مظلتها منذ نشأته في 1981، كانت بمثابة البداية التي خطا بها المجلس أولى خطواته. ولكنّ المجلس نفسه يجد في أجواء وتداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أنّ عليه مغادرة حالته الراهنة إلى حالة أخرى تمامًا، وقد أراد صاحب المقال أن يكون هذا المعنى واضحًا منذ العنوان الذي اختاره لسطوره إلى مضمونها الذي سنقف على بعضه حالًا.
الاتحاد الأوروبي بدأ تجمعًا للصلب بين بعض الدول وما لبث أن انتقل إلى حيث نراه
ما يدعو إليه المقال كان محلّ جدل ونقاش على مدى السنوات الأخيرة، وكانت أروقة المجلس تشهد جانبًا من الجدل ومن النقاش، وكانت الخلاصة في ما دار من جدل أو نقاش، أنه قد آن للمجلس أن يغادر حالة النشأة التي بدأ بها، إلى حالة مغايرة يقتضيها التطوّر الطبيعي لهذا التجمع العربي الذي يضم دول الخليج الست.
يدعو المقال في فكرته الأساسية إلى هذا الانتقال، ولسان حاله يقول: "بيدنا نحن دول الخليج الست... لا بيد إيران".
ثم يدعو وعيناه على كيان بالقرب منّا اسمه الاتحاد الأوروبي، الذي بدأ تجمعًا للصلب بين بعض الدول الأعضاء فيه الآن، ولكنّه ما لبث أن انتقل إلى حيث نراه، وإلى حيث نتابع مستويات التنسيق العالية بين الدول الأعضاء.
الانتقال من التعاون إلى الاتحاد ضرورة تاريخية تفرضها التحديات التي تواجه منطقتنا
ولا بد أنّ قارئ المقال سوف يتساءل: "هل كتبه صاحبه بصفته مستشارًا للملك، أم بصفته مواطنًا بحرينيًّا، وخليجيًّا، وعربيًّا، يرى ما يراه كمواطن على هذه المستويات الثلاثة من الانتماء، قبل أن يكون مستشارًا ملكيًّا في الوقت الحالي، أو وزيرًا للإعلام في مرحلة سابقة؟"
يبدو أن هذا التساؤل كان هاجسًا لدى الكاتب فسارع ليقول في مقالته: كمواطن خليجي، أرى أن الانتقال من حالة التعاون إلى حالة الاتحاد، ليس مجرّد حلم سياسي، بل هو ضرورة تاريخية تفرضها التحديات التي تواجه منطقتنا.
هو، إذنْ، يكتب كمواطن خليجي، ثم يوسّع من إطار دعوته عندما يتحدّث عمّا يواجه المنطقة على اتساعها، لا الخليج العربي وحده في نطاقه. وإذا كان الانتقال الذي يدعو إليه قد بقي في مربّع الحلم السياسي منذ أن نشأ المجلس، فإنّه لم يعد يجوز له أن يبقى كذلك، إزاء ما جاءت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران لتفرضه من حقائق وتحديات.
النظام الإيراني لا يخفي رغبته في بسط إيديولوجيته على الدول العربية
حقائق من نوع أنّ كل اختبار انعقد لنظام حكم المرشد في طهران قد رسب فيه، فكان منذ أن أشعل الخميني ثورته في 1979 ولا يزال في 2026، هو النظام الإيديولوجي ذاته الذي لا يخفي رغبته في بسط إيديولوجيته على دول الجوار، وإذا قلنا إنّه يطمح إلى بسطها على غير دول الجوار من بقية الدول العربية لم نكن مبالغين في شيء.
وتحدّيات من نوع أنّه نظام لا يتورّع عن الذهاب إلى عقد اتفاقيات وتوقيع مذكرات تفاهم مع الطرف الأميركي على حساب دول الجوار، التي لم تُظهر إزاءه منذ كان له وجود في طهران، ما يشير إلى سوء نية لديها تجاهه ولا تجاه مواطنيه.
ولأن الحال كذلك، فالانتقال من حالة داخل مجلس التعاون إلى حالة أخرى ليس خيارًا بين بدائل، ولكنّه الخيار الوحيد الذي يستطيع مواجهة التحديات والحقائق معًا. وحتى لا تظل الدعوة التي يطلقها المقال دعوة عاطفية حماسية، فإنّ صاحب الدعوة يسجّل من الأفكار التي يريد بها ضمان تجسيد الانتقال الذي يريده.
عالمنا العربي لا ينقصه إلا أن يقرر لنفسه فلا يقرر له سواه
على رأس أفكاره إطلاق مشروع خليجي استباقي لا ينتظر ليكون رد فعل، ويتكئ على مسارات ثلاثة: واحد عسكري بقيادة خليجية عسكرية موحدة، وآخر سياسي ديبلوماسي بموقف وخطاب سياسي خليجي موحّد، وثالث اقتصادي تكنولوجي بسوق خليجية تكاملية موحّدة.
المجلس الذي نجح في التعاون 45 سنة، يستطيع أن ينجح مثلها من السنوات، ولكن من خلال حالة أخرى هي حالة الاتحاد، ولا يحتاج الأمر سوى أنّ الإرادة تتوافر فيبدو ما بعدها سهلًا مهما كانت صعوباته... ومَنْ يدري؟... فربما صادفت هذه الدعوة نجاحًا، وربما انتقلت عدوى نجاحها من الخليج إلى خارجه في عالمنا العربي، الذي لا ينقصه إلا أن يقرر لنفسه فلا يقرر له سواه!.
(خاص عروبة 22)

