لم تعد المنطقة أمام حرب مكتملة يمكن تحديد بدايتها ونهايتها، لكنها، في الوقت نفسه، لم تصل إلى سلام يمكن البناء عليه. وبين الحرب والسلام تستقر حالة من "اللاحرب واللاسلم"، تبدو أقلّ كلفة من الحرب المفتوحة، لكنها قد تكون أكثر خطراً على المدى الطويل، لأنها تُبقي أسباب الصراع قائمة، وتحوّل التهدئة إلى مجرّد فترة فاصلة بين جولة وأخرى. وقد تكون حالة اللاحرب أقلّ كلفة من الحرب، لكنها ليست بالضرورة أكثر استقراراً منها. فالدول التي تعيش في منطقة رمادية بين الحرب والسلام تضطر إلى الاحتفاظ بمستويات مرتفعة من الإنفاق الدفاعي، والشركات تؤجل قرارات الاستثمار طويلة الأجل، والأسواق تسعّر المخاطر السياسية في كل شحنة نفط، أو رحلة بحرية، أو مشروع جديد.
والأمن الاقتصادي ليس منفصلاً عن الأمن السياسي. فإذا أصبحت الطاقة والموانئ والممرات البحرية رهينة للتوتر العسكري، فإن المنطقة ستدفع ثمناً يتجاوز حدودها. وليس من قبيل المصادفة أن تكون الصين واليابان وأوروبا، من أكثر الأطراف اهتماماً بمستقبل أمن الخليج. فالصين ليست قوة خارجية عابرة في الخليج. فهي أكبر مستورد للطاقة من المنطقة، ولها علاقات اقتصادية واسعة مع دول مجلس التعاون، وتحتفظ بعلاقات استراتيجية مع إيران. وقد أظهرت أزمة "هرمز" أن بكين تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي، إذ اضطرت شركات الشحن الصينية المملوكة للدولة إلى تجنب هرمز وباب المندب، واستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب الفجيرة والموانئ العُمانية لتقليل المخاطر. ولكن الدور الصيني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلاً عن الدور الأمريكي. فالصين تستطيع استخدام علاقاتها مع إيران ودول الخليج لتشجيع التهدئة والوساطة، لكنها لا تبدو مستعدة لتحمل العبء العسكري الكامل لحماية الملاحة، أو انشاء مظلة أمنية جديدة.
أما روسيا، فإن قدرتها على لعب دور أمني مباشر في الخليج تبقى محدودة، بحكم انشغالها بحرب أوكرانيا، لكنها تظل طرفاً مؤثراً في معادلات الطاقة والأمن الدولي، بحكم علاقاتها بإيران، وموقعها في مجلس الأمن. ولذلك، يمكن لموسكو أن تؤدي دوراً دبلوماسياً في أي ترتيبات لاحقة، خصوصاً إذا انتقلت الأزمة من مرحلة الردع العسكري إلى مرحلة إعادة بناء نظام أمني إقليمي. لكن تحويل الدور الروسي إلى التزام أمني مباشر في الخليج يبدو أقل احتمالاً من الدور السياسي.
وفي المقابل، تبدو أوروبا أكثر ارتباطاً بأمن الخليج مما توحي به مشاركتها العسكرية المحدودة. فاضطراب هرمز وباب المندب يهدد إمدادات الطاقة والتجارة الأوروبية. ولذلك، بدأت العواصم الأوروبية تنظر بصورة أكثر جدية إلى تطوير التعاون الأمني مع دول الخليج، والمساهمة في جهود حماية الملاحة وفتح هرمز. وهنا يمكن لأوروبا أن تقدم شيئاً لا توفره القوة العسكرية وحدها: القدرة على الجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والأمن. فالاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات سياسية واقتصادية مهمة، ويمكنه دعم ترتيبات لخفض التصعيد، وتأمين التجارة والطاقة، وتمويل مشروعات البنية التحتية التي تقلل هشاشة الاقتصادات أمام إغلاق الممرات البحرية.
وتأتي اليابان من زاوية مختلفة. فهي ليست قوة عسكرية تقليدية في المنطقة، لكنها من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات اضطراب الخليج، إذ تعتمد بصورة كبيرة على نفط الشرق الأوسط. وقد دفعتها أزمة هرمز إلى استخدام المخزونات الاستراتيجية والبحث عن طرق بديلة للإمدادات. ويمكن لليابان أن تؤدي دوراً مهماً في الأمن الاقتصادي والمرونة اللوجستية والتكنولوجيا والطاقة، وأن تتحول من مستهلك للطاقة إلى شريك في حماية سلاسل إمدادها.
لكن تعدّد الأدوار الدولية لا يعني أن الحل يمكن أن يأتي من الخارج. وهذه هي النقطة الأهم. فالأمن الإقليمي الذي يعتمد بصورة كاملة على القوى الخارجية يظل أمناً هشاً، لأن مصالح هذه القوى ليست متطابقة دائماً مع مصالح دول المنطقة. ولذلك فإن المطلوب من الإمارات، تحديداً، هو العمل على التوفيق بين الأمن الإقليمي والضمانات الدولية، لا الاختيار بينهما. وتملك الإمارات مقومات القيام بهذا الدور، فهي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وشراكات اقتصادية مع الصين، وعلاقات متنامية مع أوروبا واليابان، وقنوات اتصال مع مختلف الأطراف الإقليمية. كما أن موقعها في التجارة والطاقة والموانئ يمنحها مصلحة مباشرة في استقرار الممرات البحرية.
والمطلوب إماراتياً هو الدفع نحو صياغة إطار متعدّد الأطراف لأمن الخليج، تشارك فيه دول مجلس التعاون، وقوى أخرى في المنطقة، وتدعمه القوى الدولية الرئيسية. يبدأ هذا الإطار بأمن الملاحة والطاقة، ثم ينتقل إلى إدارة الأزمات، وعدم استهداف المنشآت المدنية، واحترام سيادة الدول، وفتح قنوات اتصال عسكرية وسياسية تمنع سوء التقدير. وفي المقابل، ينبغي لإيران أن تدرك أن استقرار الخليج لا يمكن أن يقوم على احتكار أمنه من طرف واحد، كما ينبغي للولايات المتحدة أن تدرك أن استمرار الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لن ينتج نظاماً أمنياً مستداماً.
فالمنطقة لا تحتاج إلى "سلام مؤقت" يعقبه صراع جديد، ولا إلى "ردع دائم" يبقيها على حافة الحرب. إنها تحتاج إلى الانتقال من اللاحرب واللاسلم إلى استقرار منظم، يقوم على قواعد واضحة، وقنوات اتصال مفتوحة، وترتيبات أمنية قابلة للتحقق، وتنويع الشراكات الدولية من دون الارتهان لأيّ قوة منفردة.
(الخليج الإماراتية)

