تُشن الحروب عادة بين دول أو جيوش أو فصائل تتنافس بسبب طموحات إقليمية أو اختلافات أيديولوجية متناقضة. إلا أنه من آن لآخر يبرز زعيم سياسي لا يشن الحرب على خصوم بلاده الخارجيين وحسب، بل على التنظيم والأعراف العالمية الراسخة من جانب، وعلى الأنظمة والمعايير والمؤسسات والقيم الداخلية التي تحكم بلاده ذاتها من جانب آخر. ويُعد الرئيس دونالد ترامب من بين هؤلاء الزعماء الذين لم يتوقفوا عن شن الحروب، سواء داخل أمريكا أو خارجها، خاصة في فترة حكمه الثانية والأخيرة.
صدمت حروب ترامب أغلب الأمريكيين، وأثارت ذعر الحلفاء، ودعمت جرأة الأعداء. ومنذ وصوله للحكم للمرة الأولى عقب انتخابات 2016، خاض ترامب حربًا ضد الدستور الأمريكي الذي أقسم على صونه وحمايته والدفاع عنه. ثم خاض، ولا يزال، الحرب ضد الآلية الانتخابية التي أوصلته إلى السلطة مرتين ومنعته منها مرة واحدة. وخاض ترامب حربًا ضد البيروقراطية الحكومية الفيدرالية التي وصمها بـ"الدولة العميقة" المتآمرة ضده وضد الشعب الأمريكي. ولا يزال ترامب يشن حربًا ضروسًا ضد الهجرة والمهاجرين، وضد الإعلام والإعلاميين. ولم تقتصر حروب ترامب على الداخل الأمريكي، بل امتدت هذه الحروب إلى ما وراء حدود بلاده لتطال النظام القانوني الدولي وقواعد التجارة العالمية والتحالفات التاريخية لواشنطن، ودولًا بعينها فى مقدمتها فنزويلا وإيران. هذه الحروب لا تعيد رسم خريطة المشهد الجيوسياسي الإقليمي والعالمي فحسب، بل تساهم في تغيير ثقافة وآليات المجتمع والنظام السياسي الأمريكي بصورة لم يتخيلها أحد قبل عقد واحد من الزمن.
لم يدخل ترامب غمار الحياة السياسية بوصفه مرشحًا أيديولوجيًا بالمعنى التقليدي ينتمى لأحد الحزبين، على الرغم من أنه كان طوال حياته متبرعًا للحزب الديمقراطي، وصديقًا للكثير من الساسة الجمهوريين. ولم يمارس ترامب السياسة في مستوياتها الدنيا المحلية، وصولًا للتنافس على المستوى القومي، بل كانت الانتخابات الرئاسية هي مدخله الأول لعالم السياسة في حالة استثنائية نادرة. ولم تشكل الأيديولوجيات التي يعتمد عليها الجمهوريون أو الديمقراطيون مزاج ترامب السياسي، بل شكله أكثر من نصف قرن من التنافس الشرس في سوق العقارات، وفي اللهو والتعامل مع مشاهير مدينة نيويورك في الوقت ذاته، ودفعته هذه الخبرات لقناعة راسخة بأن الحياة مباراة صفرية، وأن القوة هي العامل الوحيد المهم، وأن الهدف الأسمى هو إعلان الانتصار حتى في حالات عدة تحقيق الفوز.
ويرى ترامب العالم بوصفه سلسلة من المعارك المستمرة، وفي كتابه الشهير "فن الصفقة" الصادر عام 1987، صاغ ترامب فلسفته بعبارات تميز نهجه الرئاسي في مواجهة أزماته الداخلية أو الخارجية: اضرب بقوة، وأبقِ الجميع في حيرة وترقب، ولا تُظهر لأحد ضعفك، ولا تعتذر ولا تتراجع. تلك كانت غرائز تقليدية قد تتوقع وتقبل من محارب، إلا أنها لا تناسب رجل دولة، خاصة إذا كانت هذه الدولة بضخامة الولايات المتحدة وأهميتها، وهذا الرجل رئيسها وقائد أعلى لقواتها المسلحة. من هنا، ميّز حكم ترامب منذ دخوله الأول البيت الأبيض في 20 يناير 2017 أسلوب حكم قائمًا على المواجهات والصراعات، وغابت عنه المواءمات والصفقات التى طالما ادعى سعيه إليها.
ولم يتطور فهم ترامب للعالم من حوله فى فراغ، فقد نضج ترامب سياسيًا في حقبة خيبة أمل أمريكية عميقة مثلتها كارثة حربي أفغانستان والعراق، والأزمة المالية عام 2008 التي نبعت من أمريكا في وقت ضربت فيه تبعات العولمة الداخل الأمريكي، بما أدى لإفقار الطبقات العاملة وانكماشها، في وقت ازدهرت فيه النخب الساحلية وتراكمت ثرواتها. وقبل ذلك تأثر ترامب، الذي ولد عام 1946 بعد أقل من عام على انتهاء الحرب العالمية الثانية، بهزيمة بلاده في حربها على فيتنام، وما صاحبها من تغيرات ثقافية وسياسية هزت الثوابت الأمريكية، متمثلة في نجاحات حركة الحقوق المدنية الأمريكية فى أواخر ستينيات القرن الماضى، وصولًا لفضيحة ووترجيت التي تزامنت مع آخر فصولها.
ودفع ذلك كله لتراكم الشعور لدى شريحة واسعة من الناخبين بأن المؤسسات والساسة المحترفين الذين أشرفوا وأداروا وخططوا لهذه الإخفاقات أفلتوا من المساءلة. وأدرك ترامب، بحسه الغريزي لا بعقله التحليلي، أن في هذه الشكاوى طاقة سياسية كامنة، وأن أجدى وسيلة لاستنهاضها ليست الحجج السياسية المعقدة، بل المواجهة المفتوحة البسيطة.
وكان ترامب على حق، فقد نجحت حملته الرئاسية عام 2016، وهي الحملة التي سخر منها السياسيون المحترفون، ولم تُعرها استطلاعات الرأي الجدية الواجبة، وذلك لأن ترامب أشار إلى ضرورة مواجهة الأعداء بدلًا من أن يقترح الحلول. وخرجت تصريحات صادمة على لسان ترامب، منها أن المكسيك ترسل المجرمين لأمريكا، وأن المسلمين يُشكلون خطرًا إرهابيًا، وأن الصين تسرق وظائف الأمريكيين، وأن الإعلام يكذب، وأن الانتخابات تتعرض للتزوير. واستنهضت كل هذه الادعاءات وترًا نفسيًا جريحًا عند ملايين الأمريكيين ممن آمنوا بأنهم شعب يتعرض لهجمات واستهدافات من كل العالم، وأن ما يحتاجه هو بطل مستعد للقتال.
إلا أن ما لم يتوقعه أحد، هو أن يمد ترامب منطق المواجهات والحروب إلى مؤسسات وقيم كانت تُعد في السابق فوق التنازع الحزبي، ومتفقًا عليها بين أغلب الأمريكيين. وأصبح الدستور والمحاكم وأجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية والمؤسسات الفيدرالية، ومنظمة التجارة العالمية وحلف الناتو، جميعها، بطرق شتى وفي لحظات متباينة، أهدافًا للهجوم الترامبي. ولم تكن الحروب التي شنها، ويشنها، ترامب مُخططة دائمًا أو تتبع منطقًا محددًا، فكثيرها جاء كرد فعل أو ارتجالًا، مدفوعًا برؤية شخصية لترامب، لكنها تتراكم فى المحصلة لتُشكل شيئًا متماسكًا بما يمثله من تحدٍ لتقاليد محلية ودولية حكمت الحياة الأمريكية وسياسة الداخل والخارج لعقود طويلة.
(الشروق المصرية)

