لن ترسم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، حركة الميدان في جنوب لبنان. حيث انقلبت المعادلات والتوازنات، وبات ما يجري في تلة علي الطاهر هو الذي سيحدّد سقف التعاطي السياسي، ويفرض توقيت عودة الوفود إلى الطاولة وشروط الجولة الجديدة. والعقدة التي بدأت خلافاً تفاوضيّاً على انسحاب إسرائيل وتسليم المنطقة إلى الجيش اللبنانيّ، تحوّلت إلى معركة فعليّة عند مداخل المنشأة، ثمّ إلى نقطة تقاطع بين أربعة أطراف، إسرائيل وحزب الله من جهة، وإيران والولايات المتّحدة الأميركية من جهة أخرى.
ومطلع الشهر الجاري، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن عملية خاصة، يجري التحضير لها من قبل الجيش والموساد، دون الكشف عن معطيات جادة حولها. ونتنياهو الذي كان باشر بحملته الإنتخابية، أوحى بأن المقصود من كلامه تلة “علي الطاهر في جنوب لبنان، والتي تعتبرها إسرائيل من أخطر منشآت حزب الله. وهو ما يعني أنّه بات يعوّل على تحقيق إنجاز عسكري على الأرض في لبنان، وخاصة لدى القاعدة الشعبية التي تصوت بالعادة لليكود، وهم سكان المستوطنات الشمالية، والتي تميل للشروع مجدداً في حرب ضروس على حزب الله لتفكيك منظومته العسكرية.
ميدانياً بدأت إسرائيل تحضيراتها في محيط تلة “علي الطاهر”، في ظلّ مواقف سياسية وإعلامية لوزراء الحكومة إسرائيلية، ما يعني أن الوضع لا يمكن إدراجه في خانة التهديد أو التهويل الإعلامي، رغم أنّه لم نصل بعد إلى مرحلة اتخاذ القرار الكلي بشن العملية العسكرية. والحديث الإسرائيلي عن الاستعداد لأيام قتالية متتالية، يعني أنّ إسرائيل تدرس بالفعل سيناريو معركة قاسية، ولكن من دون تحديد الساعة صفر، وقد يكون لذلك أسباب عدة.
السبب الأساسي أنه لا تزال تفصلنا عن موعد فتح صناديق الإقتراع مدة شهرين ونيف، وهي فترة طويلة نسبياً أمام استثمار انتخابي لأي معطيات ميدانية واستمالة الناخبين، وقد تكون المدة المثالية الفاصلة لاستثمار أي حدث محتمل في الانتخابات حوالي الشهر. وهو ما يعني أنّ التوقيت الانتخابي المفضل لنتنياهو هو في النصف الثاني من شهر أيلول المقبل.
والسبب الآخر أنه حين فتح مسار من المفاوضات، بين الأميركيين والدولة اللبنانية في محاولة لتجنب التصعيد، بعيد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تنفيذ عملية خاصة في المنطقة، وهي كانت عبارة عن محاولة تقدّم واكتشاف بعض مداخل الأنفاق ومحاولة ضخ غاز السارين فيها، تحركت الاتصالات مجدداً في محاولة لتجنب خوض معركة كبيرة أو واسعة يمكنها أن تؤدي إلى تجديد الحرب.
لذلك أجرت الحكومة اللبنانية اتصالات مع الأميركيين ودول فاعلة للجم الإسرائيليين عن تنفيذ العملية، وقد ضغطت إدارة ترامب في هذا المسار، بينما طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري مقترحاً يقضي بوقف التقدّم الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية، مقابل العمل على دخول الجيش اللبناني إلى المنشأة العسكرية وإقناع حزب الله بذلك، لكن الأميركيين لم يقدّموا أي جواب حيال ذلك. كذلك فإن وسطاء إقليميين تحدثوا مع نتنياهو حول الأمر، ووضع شروطاً جديدة في مصير السلاح الذي سيتم سحبه من علي الطاهر، واشترط أن يشرف الجيش الاسرائيلي على عملية استخراج السلاح وتفجيره وإتلافه، وهذا ما رفضه الجيش اللبناني.
كذلك لا يمكن فصل ملف علي الطاهر عن السياق الإيراني، فالتصريحات التي أعلنها مسؤولون إيرانيون بمن فيهم رئيس البرلمان، حول تواصله مع عناصر حزب الله عند الجبهة اللبنانية الجنوبية، يشكّل تطوراً لناحية صدور إعلان إيراني رسمي علني في هذا الملف حول تحول الموضوع لورقة تفاوض مع الأميركيين، ويعيد التأكيد بأن الحرس الثوري هو الطرف الفعلي للتفاوض عن حزب الله وجبهة الجنوب، وليس الدولة اللبنانية التي لا تملك أي سيطرة على الميدان.
في ظل ما أبلغه حزب الله لأطراف داخلية أن طهران ستتحرّك عسكرياً في حال حصول أي هجوم على التلة. وهي بذلك تلوّح للأميركيين بأنّها ستذهب لتوسيع إطار الحرب لتصبح إقليمية. وعليه باتت المسارات متشابكة، ولو أنّ القرار الأميركي الضمني بات لصالح تنفيذ العملية العسكرية الإسرائيلية. وهنالك العديد من الإشارات التي تؤكّد ذلك. في ظل عدم ممارسة الأميركيين أي ضغوط فعلية على الجانب الإسرائيلي، بخلاف كل الوعود التي أُغدق بها رئيس الجمهورية جوزيف عون من قبل ترامب، وهو ما يعني أنّ الأميركيين لن يدفعوا إسرائيل للذهاب إلى أي خطوات قبل انتهاء العملية العسكرية في علي الطاهر.
وبات واضحاً أنّ نتنياهولكي يهرب من أزماته الداخلية، يفتعل حروباً ومعارك، إن كان مع سوريا عبر استهداف مطار أبو الظهور، أو التخطيط لمعركة تلة علي الطاهر، وخاصة أن ترامب يريد تعزيز مشروعه والقاضي بنزع سلاح حلفاء إيران في لبنان والعراق، ما سيُفقد إيران ما تبقّى من أوراق قوة بين يديها تفاوضياً. فيما يرفض حزب الله أي نقاش أو بحث بمصير سلاحه قبل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي. وفي العراق ترفض التنظيمات الموالية لإيران التجاوب مع قرار رئيس الحكومة بنزع سلاحها قبل الانسحاب الأميركي ومعالجة ملف المجموعات الكردية.
وعليه فإن العملية العسكرية الإسرائيلية المحتملة في منشأة علي الطاهر حصلت على الضوء الأخضر المطلوب، أميركياً، ولو أن تحديد ساعة العملية ما زال خاضعاً لنقاش داخل الجيش والموساد، وفق ما تنشره المواقع الإسرائيلية. لكن المعضلة الرئيسية تبقى في الرد المتوقع تجاه هذه العملية، فعندها ستصبح المسألة مفتوحة على كلّ الإحتمالات، بناء لحسابات لا تتعلق فقط بالواقع اللبناني، بل إنّها تنسحب على المشهد الإقليمي ككل، وخاصة في ظلّ الجنون الإيراني الذي يتمظهر بمزيد من الاعتداء على دول الخليج العربي.
(الثورة السورية)

