تُعدّ الحرب الجارية على إيران أكبر تدخل عسكري أمريكي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003. وبعد أكثر من ستة أشهر على بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، لم تنتَهِ الحرب ولم ينتصر أي طرف، على الرغم من ادعاء واشنطن وطهران الانتصار عدة مرات. إلا أن الأمر الأكثر إثارة يتعلق بشن إدارة الرئيس دونالد ترامب الحربَ على عكس الوعود والتعهدات التي كررها ترامب لأنصاره من أتباع تيار "أمريكا أولًا" بعدم شن حروب خارجية، وتَرك الحلفاء يعتمدون على أنفسهم، وعدم التورط في حروب في الشرق الأوسط تحديدًا دون معرفة كيفية إنهائها سريعًا.
تَم انتخاب ترامب للمرة الثانية في نوفمبر 2024 لأسباب عدة، على رأسها التعهد بإنهاء الحروب الأبدية، وليس بدء حروب جديدة. وفي خطاب تنصيبه الثاني والأخير، قال إن نجاحه سَيُقاس ليس فقط بالحروب التي تنتصر فيها أمريكا، بل بالحروب التي لا تدخل فيها. وبعد عام واحد من هذه التعهدات، بدأت الولايات المتحدة حربها على إيران، وشنت ضربات مباشرة على الأراضي الإيرانية، وقتلت المرشد الأعلى للبلاد، ونشرت ما يُقدَّر بـ50 ألف عسكري في الشرق الأوسط، وبدأت كذلك التعامل العسكري والسياسي في العراق ولبنان واليمن ضد الميليشيات المتحالفة مع إيران.
وهكذا دخل ترامب برغبته، بعد خضوعه لضغوط إسرائيلية وضغوط من صقور الحرب الجمهوريين، في مستنقعٍ تعهد هو شخصيًا بتجنبه. وتشير تقارير إلى اجتماع محدود وسري جدًا عُقد في البيت الأبيض في فبراير الماضي، قدم فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس الأمريكي عرضًا مفصلًا يدعو إلى شن هجوم عسكري مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، قال نتنياهو إن البرنامج الصاروخي الإيراني يمكن تدميره خلال أسابيع قليلة، وإن النظام سيضعف إلى حد يمنعه من تعطيل مضيق هرمز، وأن احتمال رد إيران بضرب مصالح أمريكية سيكون محدودًا. ووفقًا للتقرير، أكد نتنياهو خلال الاجتماع أن إيران في وضع ضعيف، وأن ضربة أمريكية إسرائيلية مشتركة حاسمة قد تؤدي إلى نصر شبه مؤكد وانهيار النظام سريعًا.
إلا أن صمود إيران بعد أكثر من ستة أشهر من بدء القتال يشير إلى عدم دقة التصورات الإسرائيلية. وبعد ستة أشهر، وجدت واشنطن نفسها في حالة لا حرب ولا سلم، وتبرر ما قامت به بتفسيرات مختلفة ومتغيرة ومتناقضة: أولًا حماية المحتجين الإيرانيين، ثم القضاء على تهديد مزعوم بأسلحة نووية، ثم حديث صريح عن تغيير النظام الإيراني، ثم العمل على فتح مضيق هرمز بعدما أغلقتْه إيران وتعطل جزء هام من التجارة العالمية، مما أثر على أسعار الطاقة حول العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها، بنسب تُقدَّر بين 25% و40% مقارنة بأسعار ما قبل الحرب.
في أوائل ديسمبر 2025، صدرت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب الثانية، وكان صريحة وواضحة في لغتها وأهدافها. وبينما كانت الاستراتيجيات السابقة للرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء تُؤطِّر للقوة الأمريكية على أنها تدعم نظامًا دوليًا قائمًا على القواعد، رفضت استراتيجية ترامب للأمن القومي هذا النهج صراحة. وجاء في الاستراتيجية أن أيام دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي بأكمله وتوفيرها مظلات أمنية عسكرية على غرار حلف الناتو قد انتهت. ودعت الاستراتيجية الدول الثرية والمتطورة التي اعتمدت على الحماية الأمريكية إلى تولى المسؤولية الأساسية عن دفاعها واستقرارها.
وإذا كانت استراتيجية الأمن القومي تمثل النظرية الرسمية للإدارة حول ما تريده واشنطن من الشرق الأوسط، فإن الواقع داخل ائتلاف ترامب كان أكثر تعقيدًا بكثير. وقد ظهرت هذه التناقضات في بروز تيارين أيديولوجيين رئيسيين داخل البيت الأبيض: الأول مع استمرار الحرب، والثاني يعارضها منذ البداية، ويحاول كلاهما التأثير على الرئيس ترامب. ومن هنا ظهر عدم اتساق سياسي واضح لبلورة موقف واشنطن من الحرب على إيران، سواء في طريقة إدارتها عسكريًا أو دبلوماسيًا.
لم تكن خلافات واشنطن مجرد خلافات أيديولوجية داخلية، بل عكست في جوهرها تنافس رؤى حول اتجاه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بعد انتهاء حربها على إيران. ويترك ذلك أسئلة حول دور واشنطن المتغير، وأدوار الشركاء الإقليميين الذين لديهم معايير استراتيجية خاصة بهم، ومدى الثقة في ضمانات الأمن الأمريكية الحالية والمستقبلية. ونتجت عن الحرب تغيرات هيكلية لعدد من الخيارات السياسية الأمريكية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، بما يشكك في جدوى البقاء الأمريكي بالشكل الحالي، سواء لمصالح الولايات المتحدة أو لمصالح دول المنطقة.
يواجه القادة الأمريكيون الآن سلسلة من القرارات ذات العواقب الدائمة، بما فى ذلك ما إذا كان عليهم إعادة بناء القواعد التي تضررت خلال حرب إيران وبيع أسلحة جديدة لشركاء إقليميين. خلال الأشهر الخمسة الماضية، دمرت إيران أو ألحقت أضرارًا بالمباني والمعدات فيما لا يقل عن 15 موقعًا عسكريًا أمريكيًا. وحتى لو جمعت الولايات المتحدة قواتها في قاعدة أو قاعدتين، ستظل هدفا رئيسيا لإيران ووكلائها؛ لذا ستكون هناك حاجة إلى موارد كبيرة لحماية القوة. ودون انسحاب كامل، ستشعر واشنطن بأنها مضطرة لمواصلة دعم الأفراد والشركاء الأمريكيين، وستظل الولايات المتحدة تنجر إلى النزاعات أو تذهب إليها برغبتها الكاملة.
وهكذا تركت الحرب على إيران الولايات المتحدة فى موقف متناقض؛ فهي أكثر تواجعًا عسكريًا في الشرق الأوسط من أى وقت مضى خلال العقدين الأخيرين بوجود ما يقرب من 50 ألف عسكري، حتى مع أن استراتيجيتها الرسمية تدعو إلى العكس تمامًا. إن ما إذا كان هذا يشكل مستنقعًا جديدًا أو نموذجًا جديدًا حقًا للمشاركة الأمريكية المستقبلية سيعتمد على الحقائق التي لا تزال تتكشف، مثل مدى استمرارية وقف إطلاق النار، وسلوك قيادة إيران بعد الحرب، وقبل كل شيء، ما إذا كانت إدارة ترامب نفسها قادرة على حل الانقسامات الفكرية العاصفة بين أنصار الرحيل وأنصار البقاء في الشرق الأوسط ومن جانب آخر صانعي الصفقات؛ وهو ما يترك السياسة الأمريكية مرتجلة في لحظة تاريخية مهمة.
(الشروق المصرية)

