منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تنشر أمريكا أساطيلها وقواعدها العسكرية لتغطي بحار ومحيطات وقارات العالم، مؤكدة أنها القوة العسكرية الأولى، ولم تتعرض أي منها لهجوم من أي دولة، لأنها كانت تثير الخوف في كل مكان تقترب منه. كسر الحوثيون باليمن حاجز الخوف، وكانوا أول من هاجم حاملة طائرات أمريكية في 16 و17 مارس 2025، عندما أطلقوا عدة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة على حاملة الطائرات الأمريكية "هاري ترومان" شمال البحر الأحمر، وأجبروها على الانسحاب مع القطع المرافقة.
ويعد أول هجوم على قطعة بحرية باستخدام صاروخ باليستي، ولم يلفت الحادث الأنظار كثيرا، وكأنه مجرد حادث عرضي. أما مهاجمة إيران لحاملة طائرات وأربع مدمرات الأسبوع الماضي فكان الحدث الذي لا يمكن تجاهله، فالهجمات تكررت وأعلنت إيران عن منطقة بحرية محظورة، وأنها ستهاجم أي سفينة تتخطاها دون إذن مسبق. هنا دخلت البحرية الأمريكية امتحانا خطيرا، فقد عجزت أقوى بحرية في التاريخ عن فتح مضيق هرمز، وها هي تتلقى التهديدات الإيرانية بعدم تجاوز خط بحري دولي، في خطوة مهينة للقوة الضاربة الأمريكية ورمز هيبتها العسكرية.
اضطرت البحرية الأمريكية للتراجع مئات الكيلو مترات، مدركة جدية التهديدات، خاصة مع إعلان امتلاك إيران أنواعا جديدة من الصواريخ الباليستية القادرة على مهاجمة هدف متحرك بدقة كبيرة. الميزة الأخرى التي أضافتها إيران، سواء بمفردها أو بمساعدة حلفاء، أن زودت أنواعا من صواريخها بكاميرات تتعرف على الأهداف بواسطة برنامج إلكتروني، وبالتالي لا تتأثر بالتشويش عليها، والتعرض لقطع التواصل بالقمر الاصطناعي الذي يوجهها إلى الهدف.
ما حدث لحاملات الطائرات والمدمرات الأمريكية وقع الأخطر منه للقواعد العسكرية، والتي تعرضت لوابل من الهجمات بالصواريخ الباليستية وفرط الصوتية على مدى جولات الحرب الأمريكية على إيران، ولحقت بنحو 18 قاعدة خسائر جسيمة للغاية، حتى إن معظمها لم يعد صالحا للاستعمال، والبقية جرى سحب الجنود والمعدات منها خشية التعرض لموجات جديدة من القصف، وأخلت الولايات المتحدة القواعد القريبة من إيران إلى إسرائيل والأردن وسوريا، لتمنح الدفاع الجوي وقتا أطول في التعرف على الهدف وتحديد مساره، وإطلاق الصواريخ الاعتراضية عليه، ومع ذلك تعرضت القواعد الأبعد لموجات جديدة من القصف، ولحقت بها خسائر كبيرة.
هكذا تحولت أهم ميزتين للقوات الأمريكية إلى نقاط ضعف، تجعل الولايات المتحدة مجبرة على إعادة النظر في جدوى انتشار نحو 800 قاعدة عسكرية و7 أساطيل تضم 11 حاملة طائرات، فهل يمكن للولايات المتحدة أن تعيد النظر في هذا الانتشار العسكري الهائل؟ مشكلة الولايات المتحدة أنها تعتمد نفس الأسلحة المستخدمة في الحرب العالمية الثانية، وإن طورت قدراتها، ولم تهتم كثيرا بالأسلحة الجديدة الأقل تكلفة والأكثر تأثيرا مثل الصواريخ فرط الصوتية والطائرات المسيرة الصغيرة، وكلاهما أحدث تغييرا لا يمكن تجاهله في الحروب الحديثة، ومنها حرب أوكرانيا والحرب الإيرانية، ويعود السبب إلى أن شركات الأسلحة الأمريكية، وعلى رأسها لوكهيد مارتن شركات خاصة هدفها الأول الربح، وإنتاج الأسلحة الرخيصة لا يحقق لها هامش ربح جيدا، وتفضل إنتاج الأسلحة المعقدة والباهظة الثمن، لهذا نجد أن دولا مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران تتفوق على الولايات المتحدة في إنتاج الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية والطائرات المسيرة الصغيرة، وانضمت أوكرانيا وتركيا لهذه الدول، وبدأت أوروبا تولي اهتماما أكبر بإنتاج الطائرات المسيرة الصغيرة، وطلب الرئيس الأمريكي أن تنتج شركات أمريكية صغيرة تلك الطائرات.
إن العالم قد دخل ثورة صناعية جديدة تعتمد التكنولوجيا الفائقة، ولا يمر إلا وقت قصير للغاية، ويتم الإعلان عن سلاح جديد أو تطوير في سلاح، وهو ما يغير خريطة وموازين القوى في آجال قصيرة للغاية. إن العائد من نشر الولايات المتحدة لهذا العدد الهائل من القواعد العسكرية والأساطيل البحرية لم يعد يغطي التكلفة الكبيرة التي تجاوزت تريليون دولار سنويا، وهو ما يعني أن تلك القواعد والأساطيل أصبحت عبئا ولم تعد ميزة، وأن إعادة النظر فيها أصبحت ضرورية، وتسببت في خلافات بين جنرالات البنتاغون، الذين لا يتورعون عن انتقاد الخطط والحملات العسكرية لأسباب متعددة، منها عدم توافر الصواريخ الاعتراضية من طرازى باتريوت وثاد، وبقاء القطع البحرية فترات طويلة لا يحتملها الجنود والضباط والحاجة لعمليات الصيانة. لقد كان توسع الإمبراطوريات عبر التاريخ يتحول إلى عبء يصعب تحمل نتائجه.
وكثرة الدخول في حروب يستنزف الإمبراطوريات المتمددة، ويلقي عليها بأعباء كبيرة، وعليها إما أن تنكمش، وتحد من تدخلاتها وحجم إنفاقها العسكري، أو تتعرض للإنهاك وتخوض حروبا يصعب أن تربحها. فهل دخلت الولايات المتحدة طور الإمبراطوريات المتعبة؟.
(الأهرام المصرية)

