الحوثيون في باب المندب

جنود من قوات الجيش اليمني في جبهات محافظة الجوف (رويترز)

بعد مواجهات عسكرية عنيفة مع القوات الحكومية اليمنية، نجح الحوثيون في بسط سيطرتهم على ستّ مديريات ساحلية؛ تمتد لأكثر من 160 كيلومترًا، من الحديدة حتى باب المندب، لتشكل أطول شريط جغرافي متصل على الساحل الغربي للبلاد. الأمر، الذي يخولهم توزيع قواتهم؛ ومضاعفة تهديداتهم للملاحة الدولية بمضيق باب المندب، بعدما أضحى مجراه الملاحي في مرمى نيرانهم. برغم عدم تأكيد جهات دولية محايدة تمكن الحوثيين من فرض السيطرة العملياتية الكاملة والمحكمة على المضيق؛ يبقى مجرد اقترابهم الاستراتيجي منه، بمدى نيراني مؤثر؛ كفيلًا بتغيير حسابات المخاطر لدى شركات الطاقة، والشحن والتأمين.

وبنجاح إيران في إرباك الملاحة النفطية، من خلال مضيقي هرمز وباب المندب، ستغدو المنطقة أمام "عنق زجاجة" يتجلى في جبهتين بحريتين متزامنتين، تضغطان على نحو 30% من تجارة النفط العالمية، و30% من تجارة الحاويات، التي تتضمن سلعًا وبضائع تتجاوز قيمتها تريليون دولار سنويًا. بما يضاعف الضغوط على أنظمة الإمداد العالمية؛ حيث يمر عبر مضيق باب المندب ما بين 10% و12% من النفط المنقول بحرًا في العالم. وهو الممر الأقصر والأسرع للسفن، وبدونه تضطر السفن للدوران حول إفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، ما يضيف حوالي 9000 كيلومتر (أسبوعين إضافيين). ومن شأن ذلك رفع تكاليف التأمين البحري، وتمديد زمن الرحلات، وزيادة رسوم الشحن، نتيجة تضاعف أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، مرورًا بتنامي أثر التضخم الناجم عن زيادة استهلاك الوقود، بجريرة المسارات الطويلة، وانتهاءً بتعاظم أسعار السلع في الأسواق العالمية.

بدوره، لن يسلم ميناء إيلات الإسرائيلي، من التهديدات والمخاطر؛ حيث أعربت تل أبيب عن قلقها جراء تمكن الحوثيين من استهداف السفن بباب المندب، دون الحاجة إلى استخدام الرادارات أو الأنظمة المتطورة، إذ سيرصدونها بالعين المجردة، وسيكون بمقدورهم توقيفها، أو إصابتها عبر قوارب مفخخة. كذلك، ستتفاقم الضغوط على تجارة الأردن الخارجية، التي تعتمد، بشكل أساسى، على ميناء العقبة، وهو المنفذ البحري الوحيد والشريان الرئيس لتلك التجارة عبر البحر الأحمر. حيث يمر عبره ما بين 80% إلى 90% من صادرات وواردات المملكة واحتياجاتها الأساسية. ولن تنجو الأسواق الأوروبية، التي تعتمد، بشكل ملفت، على سلع دول شرق وجنوب شرق آسيا.

إذ ستهدد سيطرة الحوثيين على المضيق، تجارة السلع والخدمات بين آسيا وأوروبا. كونه يشكل ممرًا حيويًا للسلع المتجهة من روسيا وتركيا والدول المطلة على البحر الأسود إلى آسيا؛ ومن دول الخليج إلى أوروبا والولايات المتحدة. حيث يعد المضيق أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط الخام، والغاز ومشتقات الوقود، من الخليج إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس، أو أنبوب سوميد. وفي ظل إصرار الحوثيين على فرض حظر بحري على السعودية، قد تتعطل إمداداتها النفطية إلى آسيا، والتي يتم شحنها الآن من ميناء ينبع على البحر الأحمر، عبر أنبوب نفط شرق - غرب، الذي يشكل بديلًا بريًا للمرور بمضيق هرمز، بطاقة استيعابية قدرها سبعة ملايين برميل يوميًا. خصوصًا بعدما اضطرت المملكة إلى إغلاقه، احترازيًا، عقب تعرضه، مؤخرًا، لهجوم موجع بمسيرات، ترجح تقديرات إطلاقها من لدن ميليشيات موالية لإيران بالعراق.

تجنبًا منهم لاستنفار المجتمع الدولي ضدهم، أعلن الحوثيون أن ما يجري في الساحل الغربي شأن سيادي يمني. وأن ممارسة اليمن سيادته على أراضيه، سواحله ومياهه الإقليمية، لا تشكل تهديدًا للملاحة الدولية، التي ستظل آمنة، وبلا أي رسوم؛ كونها مصلحة يمنية وإقليمية ودولية. مع ذلك، يحذر خبراء من أن أية تهديدات بغلق المضيق، أو فرض قيود انتقائية على بعض السفن العابرة له، قد يدفع شركات النقل لرفع كلفة التجارة والطاقة. الأمر، الذي يجعله ساحة صراع تتقاطع فيها الحسابات اليمنية، الإقليمية والدولية، تتفاقم على إثره كلفة التجارة، التأمين والشحن، بما يقلص هوامش الربح، ويقوض استقرار سلاسل الإمداد، ويرفع فاتورة المستهلك النهائي. فيما يبقى خطر التحول طويل الأمد، مرتهنًا بعاملين أساسيين، هما: "التزامن" و"الاستدامة"، بين جبهتي هرمز وباب المندب.

مصريًا، تؤجج سيطرة الحوثيين على باب المندب، مخاوف القاهرة من تراجع معدلات المرور بقناة السويس عند أقل من 40% من قدراتها التشغيلية الطبيعية. خصوصًا بعدما انخفضت إيرادات قناة السويس بمستويات تراكمية تجاوزت ستة مليارات دولار، نتيجة انكماش الحركة الملاحية القادمة من باب المندب، بنسبة تراوحت بين 50% و60%، منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023. فيما تعمقت الخسائر مع نشوب الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران منذ يونيو 2025، وما استتبعته من تفاقم في تكلفة التأمين والشحن. وهي، التي تتوقف على قرارات شركات التأمين، التي ما زالت تدرج المنطقة ضمن دوائر المخاطر؛ ما يضطر الشركات الملاحية الكبرى إلى تأجيل العودة إلى مسار البحر الأحمر.

غير أن القناة بدأت تستعيد، تدريجيًا، بعضًا من حركة السفن التي فقدتها. مع استئناف عدد من الخطوط الملاحية الكبرى خدماتها عبرها، بعد تقييم أمني يمهد لتغيير حسابات شركات النقل الكبرى بشأن مخاطر البحر الأحمر. ووفقًا لبيانات وتقارير هيئة قناة السويس، شهدت حركة سفن الحاويات تحسنًا لافتًا، وارتفعت إيرادات القناة في السنة المالية 2025-2026، إلى 4.67 مليار دولار، بزيادة 23%. وتراهن القاهرة على أن يؤدي استمرار عودة شركات الشحن الكبرى إلى تسريع التعافي.

خصوصًا مع عودة الملاحة إلى البحر الأحمر بصورة مستقرة، وانخفاض علاوة المخاطر، التي تدفع شركات الشحن إلى اتباع مسارات ملاحية بديلة. وفي سبيل ذلك، شكّلت مصر خلية أزمة، بصورة عاجلة، فور وصول الحوثيين إلى باب المندب، لمتابعة التطورات المتسارعة على الساحل الغربي لليمن. وبموازاة تكثيف اتصالاتها مع الحوثيين، فعلَت قنواتها الدبلوماسية مع الأطراف الرئيسية ذات الصلة بالأزمة، لاسيما الولايات المتحدة، السعودية وإيران. في مسعى لاحتواء التصعيد، ومنع انتقال التطورات العسكرية في اليمن إلى تهديد مباشر ومستدام لأمن الملاحة بالبحر الأحمر.

رغم النفي الإيراني، تعزو مصادر عربية، وغربية التقدم العسكري الخاطف للحوثيين على ساحل البحر الأحمر، إلى توجيه مباشر من طهران، ودعم من حرسها الثوري، الذي يسعى إلى فتح جبهة جديدة ضمن معادلة استعادة الردع إزاء الهجمات الأمريكية. وقد أورد مصدران إيرانيان أن طهران طلبت من الحوثيين تصعيد هجماتهم على السعودية، مقابل إمدادهم بالتمويل، الأسلحة والمستشارين. وأكدا أن الحرس الثوري لا يزال قادرًا على نقل الأسلحة والأفراد من وإلى اليمن، رغم الحصار الجوي والبحري المفروض على إيران ومناطق الحوثيين. وكشفت مصادر دبلوماسية دولية، عن سفر عدد من كبار قادة الحرس الثوري إلى اليمن للإشراف على العمليات العسكرية التي ينفذها الحوثيون على مختلف الجبهات.

ويرى مراقبون وصول الحوثيين إلى باب المندب، ضمن سياق الاستراتيجية الإيرانية الهادفة إلى رفع كلفة الحرب الأمريكية على طهران؛ عبر إشراك العالم، وفي صدارته واشنطن، في تحمل تكاليف تلك الحرب. وذلك من خلال بسط السيطرة الإيرانية على مضيقي هرمز وباب المندب، بقصد إعاقة التجارة الدولية، إرباك إمدادات الطاقة. على أمل أن يتمخض ذلك عن تحسين الموقف التفاوضي الإيراني إزاء واشنطن شأنه شأن جدوى آليات أمنية دولية وإقليمية تم تدشينها بقصد تأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب؛ يطرح موقف إدارة، ترامب، في هذا المضمار، علامات استفهام مثيرة.

فمنذ ولايته الرئاسية الأولى، دأب الرئيس الأمريكي على التلويح بتحميل إيران مسؤولية أية هجمات يشنها الحوثيون على السفن العابرة لباب المندب. وبينما يلقى عليها باللائمة في استهداف أنبوب النفط السعودي شرق ــ غرب؛ لا يبدو متحمسًا لفتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن؛ حيث أكدت مصادر دولية إعراضه عن تلبية المطلب السعودي بشن هجمات ضد الحوثيين. وبعدما رجحوا عزوف بلادهم عن تنفيذ هكذا هجمات؛ لم يستبعدوا تقديمها دعمًا عسكريًا، استخباراتيًا ولوجيستيًا للمملكة.

وفيما يعد تبريرًا لهذا الموقف الأمريكى المُحير، أعلن، ترامب، في ثنايا تعليقه على حادثة استهداف الأنبوب السعودي؛ أن الحوثيين طلبوا من الولايات المتحدة عدم التدخل في الأزمة اليمنية، مقابل تجنبهم استفزازها، أو التورط في أية مواجهة معها.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن