ثمة ما يتجاوز المنطق في تعاطي حزب الله وشبكاته الأمنية مع سوريا، دولةً ووطنًا وشعبًا. فالحزب الذي انخرط في القتال إلى جانب النظام الأسدي البائد في مواجهة أحلام الشعب السوري، فعل ذلك تحت عناوين مختلفة؛ بدأ بعضها بحماية المقامات الدينية، واتصل بعضها الآخر باعتبارات جيوسياسية والحفاظ على خط الإمداد، وصولًا إلى ما كان يردده أمينه العام السابق حسن نصرالله عن أن المواجهة في سوريا جزء لا يتجزأ من مواجهة المحور الإيراني–الأسدي مع إسرائيل. لكن السنوات اللاحقة كشفت زيف هذا الادعاء، خصوصًا أن النظام نفسه أمضى عقودًا يؤدي دورًا في حماية الاستقرار على الجبهة مع إسرائيل.
مع سقوط النظام وانفتاح العالم، بشرقه وغربه، على الدولة السورية الحديثة، وعودة سوريا تدريجيًا لتكون عاملًا في الاستقرار الإقليمي، تهرّب حزب الله لأشهر طويلة من النقاش المباشر أمام اللبنانيين عمومًا وبيئته خصوصًا حول ما جرى خلال سنوات قمع الثورة وقتال السوريين. وفي المقابل، استمرت آلة إعلامية وإلكترونية مرتبطة بالحزب في مهاجمة دمشق، وفبركة خطاب تحريضي ذي مضامين طائفية، ليس آخرها مقالات عن اجتياحات مختلقة للأرض اللبنانية.
هذا التحريض، المستمد في جانب منه من استدعاء صراعات وخرافات تاريخية عمرها مئات السنين، لم يبقَ محصورًا في الفضاء الإلكتروني. الأخطر أن الوقائع الأمنية بدأت تكشف عن شبكات وخلايا تستفيد من أزمات المنطقة للعبث بالأمن السوري، فيما تحاول جهات مرتبطة بالماضي استخدام لبنان مجددًا ساحة خلفية أو ممرًا لمغامرات أمنية لا نتيجة لها سوى التخريب وإعادة إنتاج الفوضى. وهو ما تضعه السلطات السورية، عبر إعلاناتها المتكررة عن ضبط خلايا وشبكات مرتبطة بفلول النظام السابق، في صلب التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد. وكأن أحداث السنوات الماضية لم تكن كافية لإقناع حزب الله وحلفائه بأن مرحلة سياسية كاملة انتهت، وأن الماضي ذهب مع بشار الأسد إلى روسيا.
ومع ذلك، لا يبدو أن الحزب فهم حتى الآن حجم التحول الذي أصاب سوريا والمنطقة. فعلى الرغم من تصريحات أمينه العام نعيم قاسم وبعض مسؤولي الحزب عن الاستعداد للانفتاح على دمشق، وعلى الرغم من موقف الدولة السورية الذي حاول تجاوز ضغائن الماضي مراعاةً لمصالح سوريا ولبنان معًا، فإن الوقائع الميدانية والأمنية تشير إلى أن الحزب لم يغادر الماضي بعد، بل يصر على استخدام أدواته القديمة في واقع تغيّر بالكامل.
ما كشفته الأجهزة الأمنية اللبنانية في قضية شبكة مرتبطة بفلول النظام السابق، وما أظهرته التحقيقات بشأن الاشتباه بدور شخصية في حزب الله تُعرف باسم “الحاج علاء”، يضع المسألة أمام مستوى أكثر خطورة، فالقضية، إذا استُكملت التحقيقات فيها وثبتت هذه الارتباطات قضائيًا، لن تعود مجرد نشاط أمني منفصل، بل ستطرح سؤالًا مباشرًا حول وجود جهات تعمل على تقويض المسار الجديد الذي تحاول الحكومتان اللبنانية والسورية بناءه بروح إيجابية وتعاونية.
هنا تحديدًا تكمن خطورة شبكات الفلول وعلاقاتها وترابطاتها ومسارات عملها. فالمشكلة لا تقتصر على التسهيلات التي قد تحصل عليها هذه الشبكات من حزب الله أو حلفائه، بل تتصل أيضًا بموقف بعض أركان الدولة اللبنانية الذين يتعاملون مع نشاطات كهذه بقدر من التساهل أو غضّ النظر، رغم أنها لا تمس الأمن القومي السوري وحده، وإنما تهدد أيضًا موقع لبنان وطبيعة علاقته بمحيطه العربي.
وهذا ليس اتهامًا للحكومة اللبنانية أو لرئيسها القاضي نواف سلام ونائبه الدكتور طارق متري، الحريصان كل الحرص على بناء أفضل العلاقات والشراكات الممكنة مع دمشق، بقدر ما هو إشارة إلى مسؤولين في الأمن والسياسة لم يستوعبوا، أو لم يتقبلوا بعد، أن الأسد رحل، وأن سوريا باتت تُحكم من دمشق وفق معادلات جديدة، لا من طهران أو موسكو.
وإذا كان بعض المسؤولين اللبنانيين يعتقد أن السكوت على “قنبلة الفلول” يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط أو تفاوض مع دمشق، فهو لا يزال عالقًا في حسابات مرحلة انتهت. أما إذا كان البعض يراهن على إعادة إنتاج تحالف أقليات قائم على مجموعات مسلحة وفلول أمنية وتجار مخدرات، فإن هذا المسار لا يقود إلا إلى مزيد من العزلة، قبل أن تتحول العزلة نفسها إلى انهيار سياسي وأمني يصعب احتواؤه.
المصلحة اللبنانية واضحة، وكذلك المصلحة السورية، وهو إغلاق ملفات الماضي أمنيًا، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية قاعدةً لأي نشاط يستهدف سوريا، وبناء علاقة دولة بدولة على أساس المصالح المشتركة وضبط الحدود والتعاون الأمني والاقتصادي. وهذه مصلحة يفترض أن يكون حزب الله نفسه أول المستفيدين منها إذا كان يريد فعلًا إعادة بناء موقعه داخل لبنان بعد التحولات التي أصابت المنطقة.
لكن ما يفعله الحزب حتى الآن يسير عكس الرياح. فمن دعم أو تسهيل نشاط شبكات مرتبطة بفلول النظام السابق، إلى استمرار الخطاب التحريضي حيال سوريا، وصولًا إلى محاولات الاستثمار في توترات الساحل السوري، يبدو الحزب وكأنه يخوض معركة ضد واقع جديد لا يملك القدرة على تغييره. وفي الوقت نفسه، يدفع أبناء جنوب لبنان ثمن خيارات انتهت إلى احتلال وتدمير وتجريف وفرض وقائع جديدة على الأرض. والمفارقة أن الحزب، بدل أن يعيد قراءة تجربته وما أنتجته من خسائر في لبنان وسوريا، يبدو مصرًا على إعادة استخدام الأدوات نفسها وانتظار نتائج مختلفة.
في المحصلة، فإن استمرار حزب الله في هذا المسار ليس خصومة مع سوريا وحدها، بل طلاق ظاهر مع المصلحة والمنطق. فلبنان الدولة والشعب، لا مصلحة له في تحويل نفسه إلى ملجأ لفلول نظام سقط، وسوريا لا يمكن أن تقبل بأن يتحول جارها مجددًا إلى منصة لتهديد أمنها. الأكيد أن الماضي انتهى، والأسد رحل، وسوريا تغيرت. وكل محاولة للتصرف بعكس هذه الحقيقة لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، بل ستضيف إلى أزمات لبنان وحزب الله أزمة جديدة كان يمكن، بقليل من السياسة وكثير من العقل، تجنبها.
(الثورة السورية)

