صحافة

الشرق الأوسط في مزايدات الانتخابات الإسرائيلية

طارق فهمي

المشاركة
الشرق الأوسط في مزايدات الانتخابات الإسرائيلية

يهودي يشارك في مظاهرة ضد نتنياهو بنيويورك (أ.ف.ب)

ما يدور في المعارك الانتخابية الراهنة للأحزاب والقوى السياسية الإسرائيلية على مختلف تصنيفاتها يكشف ملاحظات مهمة عدة. وبدا واضحاً أن قضايا الداخل تأتي على حساب قضايا الخارج، فما يشغل القوى الحزبية في مجملها هو الدفاع عن أمن إسرائيل، والتركيز على مواجهة تحديات ومخاطر تواجه الدولة العبرية بصرف النظر عما يجري من تحديد للأولويات، خاصة أن إسرائيل بأكملها تتخوف من صراع لم يحسم بعد مع إيران، ولديها مخاوفها كبرى من الصراع المتواصل مع حركة "حماس"، وتزايد التوجهات العدائية بضرورة الاستمرار في العمل العسكري.

ولعل ما دار مؤخراً بين رئيس الاركان أيال زامير ووزير الدفاع يسرائيل كاتس من تحديد للأولويات، يشير إلى هذا الأمر، وفي ظل مزايدات حول التعامل مع "حماس" أولاً قبل أي توجه آخر، يؤكد أن إسرائيل ما تزال تضع الأولويات الداخلية على أية أولويات أخرى، الداخل محتقن بسبب تخوف عام من بقاء الأوضاع على ما هي عليه، حيث تزيد المشكلات المتعلقة بالتعامل مع تحويل الأموال المقررة للتعليم والصحة إلى الإنفاق العسكري والعمل على توفير الدعم الكامل للجيش الإسرائيلي، ما دفع الإسرائيليين للتساؤل حول جدوى العمل العسكري. ولا تزال "حماس" قائمة، وما زال الخطر مستمراً، كما أن الإشكالية الكبرى مطروحة في بقاء الخطر المحدق بكل إسرائيل، وأن الدولة قد تشهد حرباً أهلية سبق وأن حذر منها الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوج نفسه.

إسرائيل تواجه تحديات ما تزال تعلن عن نفسها، وهو ما يدفع بالأحزاب الإسرائيلية للدخول في مزايدات كلامية وخطاب سياسي ملون وتباينات في المعالجة، خاصة أن البرامج الحزبية باتت نظرية، وغير واقعية في الطرح، والمواطن الإسرائيلي لم يعد يتابع رؤى حزبية بل متابعة دقيقة للأشخاص اعتماداً على ما لديه من تصورات..

وعلاقات إسرائيل في محيطها الإقليمي تتداخل مع قضايا الداخل بصورة كبيرة، ما جعل المواطن الإسرائيلي في حيرة من الاختيار، خاصة أن التركيز في مجمل استطلاعات الرأي يدفع إلى الكثير من الإشكاليات، فالاهتمام بأمن الشرق الأوسط يأتي من مقولة نتنياهو بأن إسرائيل غيّرت الشرق الأوسط، وتعمل على تحقيق ذلك انطلاقاً من غزة، والجنوب اللبناني والجنوب السوري.

مواقف القوى الحزبية ترى أن الشرق الأوسط يجب أن يتغير، وأن تعمل إسرائيل على أسس ثابتة لتؤكد جدارتها بقيادة الشرق الأوسط، مؤكدةً تجاوز إسرائيل لأحداث 7 أكتوبر إلى مزيد من السياسات التوسعية في دول الجوار، خاصة أن إسرائيل ما تزال تواجه تهديدات حقيقية متفق بشأنها من كل الأحزاب الراهنة التي تتنافس حول الوصل إلى نسبة الحسم ودخول "الكنيست"، وهو ما ينطبق على القوى الرئيسة والصاعدة.

والقيادات العسكرية التي تتسابق على أكبر عدد ممكن من مقاعد الكنيست، تتفق مع القوى الرئيسية الأخرى في الأحزاب الكبيرة والصغيرة معاً، ما يؤكد احتمال الاتجاه إلى تشكيل حكومة "كل إسرائيل"، أو "حكومة وحدة وطنية"، قد يكون حلاً لما يجري في حال عدم النجاح في الحسم، خاصة أن استطلاعات الرأي باتت تذهب بأن الجنرال جارد ايزنكوت هو رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل، في إشارة للتأثير على مزاج وتوجُّه الناخب الإسرائيلي، وهو أمر لا يمكن تقبله بصورة مباشرة.

المواطن الإسرائيلي ما زال حائراً بين قيادات حزبية تطالب بمراجعة مجمل السياسات في الشرق الأوسط وبين ما يجري على أرض الواقع. فما زال الخطر الإيراني قائماً، و"الحوثيون" يعملون على الأرض مهددين الأمن القومي الإسرائيلي، وسلاح "حماس" ما زال كامناً في عقول المواطن الإسرائيلي. إسرائيل وفق المعارك الانتخابية الراهنة، عليها أن توثق علاقاتها بدول المنطقة، ومع دول مثل مصر والأردن، والانطلاق نحو علاقات أرحب في الخليج، والتمدد في اتجاه شمال أفريقيا، وتطوير مؤسسات الشراكة الأمنية والاستراتيجية، إضافة إلى التعاون الاقتصادي.

ومن ثم، فإن قضايا الشرق الأوسط في المعركة الانتخابية يحكمها وضع إسرائيل الراهن، وكيفية تعاملها مع محيطها الإقليمي دفاعاً عن أمنها أولاً قبل أي تصور لأي قوة حزبية مهما كان دورها في إدارة الحكم، إضافة إلى أن ترسيم حدود العلاقات مع الشرق الأوسط يتطلب مراجعة، بل وتقييم ما تم مع الشرق الأوسط بأكمله. 

(الاتحاد الإماراتية)

يتم التصفح الآن