الذكاء الاصطناعي والعقل الديني!

مع التطوّر "الطفري" لمنظومة الذكاء الاصطناعي وحضورها الفاعل والموجّه في شتّى مجالات الحياة المعاصرة، أصبح من المشروع طرح العديد من الأسئلة حول أثر تلك المنظومة على حياة الإنسان الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية.

الذكاء الاصطناعي والعقل الديني!

سبق أن طرحنا أثر منظومة الذكاء الاصطناعي، وما يقترن بها من أتمتة، في حياة الإنسان المعاصر: اقتصاديًا واجتماعيًا (راجع مقالنا السابق في "عروبة 22")؛ من زاوية تفاقم البطالة، واتساع فجوة اللّامساواة بين القلّة التي تحتكر الرأسمال الرقمي وتقنيّيه الرقميين، ممّن يوصفون بذوي "الياقات الذهبية"، وبين الكثرة التي لم تستطع أن تنخرط في الاقتصاد الرقمي، إمّا بسبب استبدالها بالتقنيات الذكية، أو نظرًا لانعدام فرص اندماجها فيه. وهو الأمر الذي يُنذر باضطرابات اجتماعية وأزمات معيشية، ومن ثمّ يستدعي استنفارًا فكريًا حياتيًا، من قبل مدارس الاقتصاد عامةً، ومن الفكر الماركسي خاصةً، ويستنفر، بالضرورة، العقل الاقتصادي عامةً، والماركسي خاصةً، للتعاطي مع المستجدّات الطبقيّة والتحوّلات المجتمعيّة من جرّاء الآثار التي ستترتّب بفعل تعميم الذكاء الاصطناعي/الأتمتة.

وإذا كان هذا وجه التأثير الاقتصادي والاجتماعي، فإنّنا اليوم نطرح سؤالًا آخر يتعلّق بأثر منظومة الذكاء الاصطناعي على بُعدٍ مختلفٍ من أوجه الحياة الإنسانية، ألا وهو الوجه الديني الذي يُشكّل ركنًا ركينًا في المنظومة الثقافية العامّة. وتحديدًا العقل الديني وكيفيّة تمثّله لعلاقته بالواقع والمجتمع، ومن ثم تشكّل نظرته/رؤيته للعالم. بعبارةٍ أخرى، هل تُمثّل منظومة الذكاء الاصطناعي تحدّيًا للعقل الديني؟.

منظومة الذكاء الاصطناعي ستقدّم تيسيرات رقمية تقنية ستتقاطع مع الخصائص الأساسيّة للعقل الديني

قبل الإجابة عن هذا السؤال التاريخي المحوري، نؤكّد على أنّنا لا نبغي من إثارته وضع الدين في مواجهة الذكاء الاصطناعي، بل نسعى إلى فهم مدى تأثير منظومة الذكاء الاصطناعي، بتقنيّاتها ذات التسارع المُتضاعف، على العقل الديني في تفسيراته للعالم والحياة والمجتمع، إيجابًا وسلبًا. وبعبارةٍ أخرى، هل سيحاصر العقل الديني أم سيجدها فرصةً للتجديد؟.

حتّى نصل إلى إجابةٍ، لا أقول إنّها نهائية، بل تكون جديرةً بفتح آفاق للنقاش متى أدركنا حيوية السؤال وضرورته ومشروعيّته. لا بدّ لنا أن نتوقّف عند سمات العقل الديني ودوره التاريخي الذي مارسه الإنسان المُتديّن عبر العصور على اختلاف الأديان: السماوية والأرضية. فالعقل الديني، حسب أحد الباحثين في فلسفة وسوسيولوجيا الأديان، هو منظومة نصوصيّة وفكريّة وتأويليّة - بدرجاتٍ - تسعى لفهم العالم والإنسان استنادًا إلى مرجعية متعالية، إلهية / مقدّسة. ويتميّز العقل الديني بأربعة خصائص أساسية: أوّلها التفسير الغائي للوجود والأحداث والشخصيات، وثانيها التمييز بين الله من جانبٍ والإنسان/الطبيعة من جانبٍ آخر (الخالق والمخلوق)، وثالثها وضع مرجعية قيمية حاكمة لصيرورة الإنسان، ورابعها فرض السلطة الدينية المعرفية الموجهة للتديّن والسلوك الإنساني.

في هذا السياق، وعلى الرَّغم من تأكيد الرقميين على أنّ منظومة الذكاء الاصطناعي لا تطرح نفسها بديلًا للعقل الديني، إلّا أنّها ستقدّم تيسيرات رقمية تقنية تُغري الإنسان بالتحرّك لاستخدامها وتطبيقها، ستتقاطع مع الخصائص الأساسيّة للعقل الديني، ومن ثم تحلّ، لأسبابٍ كثيرةٍ، محلّ المرجعيات التقليدية - البشرية - والتي ربّما تخالف ما هو مستقرّ ومعلوم، نظرًا للقدرة الديناميّة المُركّبة للذكاء الاصطناعي التي تأخذ - عند ممارستها لخصائص العقل الديني - بالسياق المجتمعي المتحوّل والمتجدّد - حكمًا - في العصر الرقمي.

ويؤكّد الرقميون، أيضًا، على أنّ الاجتهادات الدينية التي قد تُنتجها منظومة الذكاء الاصطناعي، قد توحي بأنّها تقترب من "خلق اصطناعي"، إلّا أنّ الخلق - بحكم التعريف - يرتبط بالإلهي والمُتعالي. وإنّ ما ينتج عن العقل الديني حيال هذا الخلق يُستوحى من المطلق. بينما "تخريجات" الذكاء الاصطناعي، مهما توفّرت لها من معطياتٍ قد لا تتوفّر - غالبًا - للعقل الإنساني، لاعتباراتٍ تقنيةٍ كثيرةٍ، ومن ثم تنوّعت أبعادها، وتعدّدت جوانبها، بما يتجاوز قدرة العقل الإنساني - المتوسط السائد - تبقى نسبيةً مهما كان سقف تلك "التخريجات" عاليًا.

أسئلة مُركّبة حول مآلات العلاقة بين منظومة الذكاء الاصطناعي والعقل الديني

في ضوء ما سبق، تناول الكثير من الباحثين المعتبرين المعاصرين ممّن ينتمون لحقولٍ معرفيةٍ مختلفةٍ (الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس وفلسفة الأديان واللّاهوت/الفقه وعلم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا والذكاء الاصطناعي والمجتمع الرقمي/الشبكي...) تلك العلاقة الوليدة - التي تنمو باطّراد - بين العقل الديني ومنظومة الذكاء الاصطناعي.

تلك العلاقة التي يزداد الاهتمام بها يومًا بعد يوم بفعل التقاطعات الكثيفة والتشابكات المعقّدة التي تتمحور - بالأساس - حول الإنسان والمجتمع والطبيعة. ما سيفتح الباب على أسئلة مُركّبة حول مآلات العلاقة بين منظومة الذكاء الاصطناعي والعقل الديني: هل ستكون علاقة تعاونيّة يستفيد منها الطرفان بحيث يتجدّد العقل الديني ليواكب العصر من جانب، وتترسّخ منظومة الذكاء الاصطناعي في حياة الإنسان المعاصر من دون وجل من جانبٍ آخر؟ أم ستكون موضع جدل غير محسوم؟ أم سيستقلّ كلّ طرف بجمهورٍ موالٍ له، خالقًا عالمه وسرديّته وتأويله بما يُناسب كل جمهور على حدة؟

وبعد، أظنّها تساؤلات مشروعة جديرة بالنقاش...

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن