صحافة

العلاقات الدولية في "عهد ترامب الثاني"

الحسين الزاوي

المشاركة
العلاقات الدولية في

عرف العلاقات الدولية توجهاً متصاعداً نحو استعمال القوة من أجل حل الخلافات، من دون مراعاة التشريعات الدولية التي أصبحت هيكلاً فارغاً يحيل إلى مرجعية مهجورة. ويذهب المراقبون إلى أن عجز المنظمات الأممية عن القيام بمهامها في حل النزاعات وافتقادها آليات تطبيقية مستقلة عن المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى، يشجّع الدول على اللجوء إلى القوة. وإذا كانت الأزمة الأوكرانية قد مثلت بداية انكشاف مدى تخبّط الشرعية الدولية، فإن السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية تمثل الشكل الأكثر مأساوية لانهيار منظومة العلاقات الدولية وبداية سيادة قانون الغاب.

ونستطيع أن نؤكد أن التهديد المستمر باستعمال القوة من طرف ترامب يدفعنا إلى إعادة توظيف مفاهيم كنا نظن أن صلاحيتها قد انتهت مع نهاية الحرب الباردة وانهيار منظومة الثنائية القطبية، وقد يكون مفهوم الإمبريالية من أبرز المصطلحات السياسية التي يمكنها أن تقدّم وصفاً مقنعاً لسلوكيات ترامب في عهده الثاني. ويشير فريدريك أنسل في هذا السياق إلى أن الإمبريالية كانت توظف منذ سنة 1960 كوصف يهدف إلى شتم الخصم، ومن ثم فإن الإمبريالي هو دائماً الآخر والخصم، وكان هذا المصطلح كثير الاستعمال من طرف مناضلي التيارات اليسارية، ويُقصد منه نزع المصداقية عن كل سياسة عنيفة وتوسعية أو تحمل طابعاً استعمارياً.

ويرى برتراند بادي من جانبه، أن الإمبريالية يمكنها أن تتجلى في سياقات مختلفة، ويقول إنها بمثابة سلوك لدولة تمارس قوتها سواء من خلال غزو أراض جديدة أو من خلال القيام بإلغاء سيادة دولة أخرى خدمة لمصالحها، وقد برز المفهوم في إطار لغة العلاقات الدولية في بداية القرن العشرين، وأخد معنيين مختلفين يحمل الأول بعداً اقتصادياً يتصل بحرص القوى الرأسمالية على الحصول على موارد جديدة وعلى أسواق لتصريف فائض إنتاجها، بينما يذهب المعنى الثاني الذي يتبناه أصحاب الواقعية السياسية في العلاقات الدولية، إلى أن التوجه الإمبريالي يمثل غاية في حد ذاته بالنسبة لإرادة القوة التي تؤسّس هوية الدول، والآن ونتيجة لضعف سيادة العديد من الدول فإن الإمبريالية تمارَسُ بطرق غير تقليدية ولا مركزية.

ويسمح لنا هذا التوضيح الاصطلاحي بفهم سلوكيات واشنطن في عهد ترامب الثاني الذي بات يملك سلطة أوسع في مواجهة المؤسسات التقليدية للدولة الأمريكية، التي كانت ترتدي قفازات من حرير وتحصل على ما تريد دون إثارة زوبعة أو استفزاز خصومها وحلفائها ووضعهم في مواقف حرجة في مواجهة رأيهم العام الداخلي. وبالتالي فإن إمبريالية ترامب الحالية تتميّز بكونها تمارس عملها من دون قيود ودون تحفظات أو مساحيق من شأنها أن تحافظ على ما بقي من تجليات خارجية للقانون الدولي.

وإذا كانت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي قد وجدت من يدعمها في المعسكر الغربي بدعوى تحرير الشعب الفنزويلي من استبداد رئيسه، فإن رغبة ترامب في تجاوز سيادة الدنمارك والاستيلاء على جزيرة غرينلاند، تثير ردود فعل معارضة داخل الدول الغربية التي ترى أن الهجوم على دولة عضو في الحلف الأطلسي من شأنه أن يقوّض وحدة الحلف الذي يتكون بشكل أساسي من الدول الأوروبية التي عبّرت عن دعمها للدنمارك في مواجهة التهديدات الأمريكية. ويرى المراقبون أن أوروبا تعتبر الخاسر الأكبر بالنسبة للسياسة الخارجية التي تعتمدها إدارة ترامب، حيث عبّر المسؤولون الأمريكيون عن دعمهم لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، وطالبت القارة العجوز بالاعتماد على إمكانياتها الذاتية من أجل حماية نفسها من التهديدات الخارجية.

ويمكن القول إن العلاقات الدولية لم تشهد حالة من الفوضى وانعدام الثقة في القانون الدولي مثلما تشهده الآن في "عهد ترامب الثاني"، وتحوّلت أمريكا البلد الذي أسّسه المهاجرون إلى أكثر الأماكن خطورة بالنسبة للمهاجرين، وفقدت في اللحظة نفسها الدبلوماسية الدولية ضوابطها الأخلاقية وأصبحت الإدارة الأمريكية تبتز خصومها وحلفاءها على حد سواء، وتستعمل أسلوب التهديد والوعيد للحصول على مكاسب تعلم هي نفسها أنها غير مشروعة، وتعتمد بالتالي على أكثر تجليات السلوكيات الإمبريالية قبحاً لتحقيق مصالحها وبسط نفوذها بالاعتماد على قوتها العسكرية والتكنولوجية الهائلة.

(الخليج الإماراتية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن