صحافة

العراق يدفع ثمن الأزمة الأمريكية - الإيرانية

محمد السعيد إدريس

المشاركة
العراق يدفع ثمن الأزمة الأمريكية - الإيرانية

سؤالان مهمان يشغلان العراق الآن، سواء على مستوى الطبقة السياسية، أو على مستوى الرأي العام. السؤال الأول يقول: ماذا لو كان قد حُسم منصب رئيس الحكومة العراقية الجديدة، لنوري المالكي زعيم (دولة القانون) رئيس الوزراء الأسبق بتكليف من "الإطار التنسيقي" الذي يُعبّر عن "الكتلة الشيعية" المنوط بها منصب رئيس الحكومة، وفقاً للعرف السياسي القائم؟. هل كان هذا الترشيح للمالكي سيواجه بعاصفة الرفض الأمريكية الحالية الواضحة والصريحة، كما عبّر عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووزير خارجيته ماركو روبيو، ومبعوثه الإقليمي لسوريا توماس براك، أم كان من الممكن أن يمرّ هذا الترشيح من دون هذه العاصفة؟.

والسؤال الثانى يقول: ماذا لو لم يبارك المرشد الإيراني على خامنئي اختيار "الإطار التنسيقي" ترشيح المالكي؟ هل كان الرفض الأمريكي للمالكي سيكون بهذه الحدة التي أربكت عملية استكمال انتخاب رئيس الجمهورية، وفق ترتيبات سابقة، اتُفق عليها بين المالكي ومسعود برزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، بدعم "الإطار التنسيقي" لمرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني رئيساً للجمهورية، مقابل دعم هذا الحزب لانتخاب المالكي رئيساً للحكومة في ذات الجلسة التي كان سينتخب فيها رئيس الحكومة، أم أن الرفض الأمريكي للمالكي كان سيكون أقلّ حدة، وكان يمكن القبول به وفق تفاهمات يجريها مع الإدارة الأمريكية، تؤكد التزامه بدعم علاقات عراقية قوية مع الولايات المتحدة في ظل رئاسته للحكومة الجديدة؟

الدافع لهذين السؤالين، أن جوهر الموقف الأمريكي الرافض لترشيح المالكي هو إصرار أمريكي على تصفية النفوذ الإيراني في العراق، والدفع بالعراق إلى الانخراط في العملية السياسية الأمريكية الراهنة، التي تمتد من ترتيبات قطاع غزة، إلى سوريا، إلى لبنان، إلى توسيع نطاق الانخراط الإقليمي في هذه العملية. ما يعني أن الصراع الحقيقي هو صراع أمريكي – إيراني، وأن العراق هو من يدفع الأثمان، وعليه أن يختار بين القبول بالمطالب والشروط الأمريكية التي تتجاوز في واقع الأمر مسألة انتخاب رئيس الحكومة الجديد إلى مجمل السياسات العراقية، الداخلية والإقليمية، ومن ثم يحظى بالدعم الأمريكي، وبين أن يرفض هذه الشروط والمطالب، ومن ثم يُعرض نفسه لمخاطر يصعب تحمّلها.

ففي اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، مع رئيس الحكومة الانتقالية العراقية محمد شياع السوداني، أكد روبيو أن "حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تضع مصالح العراق الخاصة في المقام الأول بنجاح، ولا أن تبقيه خارج الصراعات الإقليمية، ولا أن تعزز الشراكة ذات المنفعة المتبادلة بين الولايات المتحدة والعراق". جاء ذلك بعد يومين من إعلان قوى "الإطار التنسيقي" ترشيح المالكي (المحسوب على إيران) لشغل منصب رئيس الوزراء. أما الرئيس ترامب، فقد هدّد بوقف كل دعم لبغداد في حال عودة المالكي إلى السلطة، مهدداً بأنه "بسبب سياساته وأيديولوجيته المجنونة، إذا تم انتخابه، فإن الولايات المتحدة لن تقدم مستقبلاً أي مساعدة للعراق".

في ذات الوقت، كان "الإطار التنسيقي" قد تلقى اتصالاً أمريكياً مفاجئاً فجر يوم الاثنين (26/1/2026) ، أُبلغ فيه باعتراض واشنطن على استمرار الهيمنة الإيرانية على آليات تشكيل الحكومة، "وأن واشنطن ترى في دعوة "الإطار التنسيقي" إلى تشكيل حكومة تباركها إيران خياراً لا يراعى التحفظات، المحلية والإقليمية، ويعزز الشكوك في استمرار النفوذ الإيراني في العراق، ما يُعرِّض البلاد لمخاطر وعقوبات، وسنعتبرها حكومة تحت سيطرة خبيثة، ومن حقنا عدم التعامل معها".

هذه التهديدات الأمريكية صعّدت الخلافات داخل "الإطار التنسيقي"، وعادت الأصوات الرافضة لاختيار المالكي، أو المتحفظة عليه مثل عمار الحكيم وحيدر العبادي، إلى تجديد رفض اختيار المالكي، لكن الأهم هو تراجع مسعود برزاني عن الوفاء بوعده لدعم اختيار المالكي، خشية إغضاب الولايات المتحدة، حيث لم تحضر الكتلة الكردية بشقيها: الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، جلسة انتخابات المرشح الكردي لرئاسة الجمهورية، الذي كان من المقرر أن يقوم بإعلان اسم مرشح الحكومة الجديد، الذي اتفق عليه "الإطار التنسيقي".

لم يجتمع مجلس النواب، ولم يُنتخب رئيس الجمهورية، ومن ثم ازدادت عملية دعم ترشيح المالكي رئيساً للحكومة تعقيداً، في ظل صعوبة الاختيار بين الوفاء للالتزامات مع إيران، أو القبول بالشروط الأمريكية، خاصة أن الضغوط الأمريكية تفوق قدرة أيّ حكومة على تحمّلها، وبالذات ما يتعلق بقاعدة تمويل ميزانية الحكومة العراقية التي تتحكم فيها الولايات المتحدة، بشكل كامل واحتكاري، نظراً لأن عائدات صادرات العراق النفطية تودع في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بموجب ترتيبات تم التوصل إليها بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ما يعني أن العراق سيبقى عاجزاً عن تحدّي المطالب الأمريكية، وليس في مقدوره تحمّل تبعات الابتعاد عن إيران.

تعقيدات تفرض أن يبقى العراق لأجل غير مسمى رهينة للمواجهة الأمريكية - الإيرانية، وعاجزاً عن تحقيق ما يأمله من توازن في علاقاته، الدولية والإقليمية.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن