صحافة

أمريكا وإيران.. مفاوضات صعبة وحرب أصعب

مصطفى السعيد

المشاركة
أمريكا وإيران.. مفاوضات صعبة وحرب أصعب

اعتقدت الإدارة الأمريكية أن حشودها العسكرية سوف تدفع إيران إلى تقديم تنازلات تحت تهديد الضربات، منتشية بما حققته في عملية سريعة وناجحة في فنزويلا، باختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، ولوحت بقدرتها على تكرار العملية مع المرشد الإيراني، ومنحت الإدارة الأمريكية مهلة ضيقة للرد، إما التخلي عن تخصيب اليورانيوم والتخلص مما في حوزتها، أو اندلاع الحرب، بل رفعت سقف المطالب بضغوط إسرائيلية إلى الحد من ترسانتها الصاروخية والتخلي عن حلفائها.

كانت المفاجأة أن إيران لم تمتثل، ورفضت التهديد الأمريكي، وكان رأي جنرالات وزارة الحرب الأمريكية "البنتاغون" أن الحرب ليست مضمونة النتائج، وأن الحشود الأمريكية غير كافية، وأن إسرائيل ليس لديها ما يكفي من صواريخ اعتراضية تحميها من الضربات الصاروخية الإيرانية، وطلبت إسرائيل أن تنقل روسيا عرضا إلى إيران، بعدم إقدام أي منهما على ضربة استباقية، فكان رفض إيران القاطع، الذي قال إن إسرائيل ستكون الهدف الأول للصواريخ الإيرانية، وأن ضرباتها ستطول كل القواعد الأمريكية في المنطقة، وكل دولة تسمح باستخدام القواعد الأمريكية على أراضيها بضرب إيران.

ترددت الإدارة الأمريكية في اتخاذ قرار الحرب، خاصة مع وصول أسلحة ومعدات إلى إيران من الصين وروسيا في جسر جوي غير مسبوق، ولأول مرة تظهر الصين علانية على الجبهة الإيرانية، لتؤكد أن الصين وروسيا لن تتركا إيران وحدها، فمن شأن سقوط إيران أن تفقد الصين أهم مواردها النفطية، وقطع مسار مشروع "الحزام والطريق". أما روسيا فستتعرض خاصرتها الجنوبية الرخوة للاضطرابات، إلى جانب قطع طريق شمال جنوب، الذي سيربط سان بطرسبرج مع موانى جنوب إيران، ليمنح روسيا إطلالة على المحيط الهندي. دخول كل من الصين وروسيا على خط المواجهة في إيران سيجعل من أي حرب بين أمريكا وإيران تطول وتستنزف القوات الأمريكية، ويحرمها من تنفيذ تكتيك "الصدمة والرعب"، أي ضربات سريعة ومكثفة تربك الخصم، وتشل قدراته، وتجبره على التنازل.

لم تكن المساعدات الصينية والروسية السبب الرئيسي في صعوبة تحقيق أمريكا نصرا سريعا ومضمونا على إيران، بل كانت القدرات الإيرانية، خصوصا ما تمتلكه من آلاف الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية بعيدة المدى، وعشرات آلاف الصواريخ المتوسطة والقصيرة التي يمكن أن تطول القواعد الأمريكية وسفن وحاملة الطائرات الأمريكية، إلى جانب العدد الهائل من الطائرات المسيرة، التي اعتمدت على بعضها روسيا في الحرب الأوكرانية، فالهجوم على السفن وحاملة الطائرات بأعداد كبيرة من الصواريخ والمسيرات دفعة واحدة كفيل بإحداث إصابات لا يمكن أن تتحملها الولايات المتحدة، ولهذا انسحبت حاملة الطائرات الأمريكية إلى مسافة 1400 كيلو متر عن اليابسة الإيرانية، ومع ذلك طارت بالقرب منها عددا من المسيرات الإيرانية، في رسالة مفادها أننا قريبون ونرصد تحركاتكم.

أما أهم ما تمتلكه إيران فهي جغرافيتها المعقدة، وسلاسل جبال زاجروس الممتدة على مسافة 1600 كم في قوسين يحيطان بالهضبة المركزية، وسلاسل جبال البرز الممتدة لمسافة 900 كم بمحاذاة بحر قزوين، وسلاسل شرق إيران لمسافة 1050 كم، وتعد حائط الدفاع الطبيعي عن إيران، زاد من مناعته إقامة عشرات المدن العسكرية تحتها، تربطها شبكة أنفاق معقدة، ومقسمة إلى 54 وحدة عسكرية، مزودة بالصواريخ والطائرات المسيرة والدفاع الجوي، ولكل منها إدارة تتمتع باتخاذ القرار إذا انقطع الاتصال.

هذه الشبكة المعقدة من الدفاعات المنيعة على مساحة تبلغ مليونا و640 ألف كيلو متر مربع تجعل أي حرب خاطفة مسألة شبه مستحيلة، يزيد من ذلك قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، وإحداث اضطرابات خطيرة في سلاسل الإنتاج والصناعة في العالم، حيث يخرج منه أكثر من 22% من نفط وغاز العالم، وتسيطر عليه إيران بعشرات الغواصات المسيرة، ومئات الزوارق السريعة، وكهوف تحت الماء يصعب رصدها.

إن أهم عناصر القوة الأمريكية تتركز في تفوقها الجوي والبحري وتكنولوجيا التشويش والاتصالات، لكن وجود معظم القوات الإيرانية في مدن تحت الجبال، وتسلحها برادارات ومنصات صواريخ روسية وصينية متقدمة سيحد من التفوق الأمريكي. أما التفوق البحري فقد تقلص بوجود صواريخ فرط صوتية مضادة للسفن إلى جانب الطائرات المسيرة، ويتبقى التفوق التكنولوجي، الذي تمتلك إيران فيه قدرات لا بأس بها، وعززته المعدات الصينية والروسية.

هكذا تجد الولايات المتحدة أنها أصبحت في مأزق، فلا تستطيع فرض استسلام عبر المفاوضات على إيران تحت تهديد بوارجها وقواعدها، والأصعب أن تخوض مقامرة عسكرية في بيئة صعبة ومعقدة وقدرات كبيرة، وأخرى لا تعرفها، لهذا يصعب أن تنجح المفاوضات بسبب التفاوت الكبير في المواقف، والأصعب الإقدام على حرب لا يمكن التكهن بمداها ونتائجها.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن