تدخل إيران مرحلة تتجاوز معنى "الأزمة" بوصفها ظرفاً اقتصادياً، أو توتراً اجتماعياً عابراً، إذ باتت الأزمة إطاراً حاكماً لإدارة الدولة والمجتمع، معاً. تقارير دولية اقتصادية تؤكد أن النمو ارتبط جزئياً بتعافي قطاع النفط، على الرغم من استمرار العقوبات، مع استمرار هشاشة الاحتياطيات والاختناقات البنيوية. وعلى مستوى البيانات، تُظهر مؤشرات البنك الدولي استمرار النمو، لكن ضمن بيئة قيود وهيكلة اقتصادية تُبقي الاستقرار معرضاً للاهتزاز.
هنا تتجلى "هيمنة الأزمة" في تحويل الاقتصاد إلى لغة سياسية يومية: العملة والتضخم وتكاليف المعيشة، لم تعد أرقاماً محايدة، بل أصبحت معادلة ثقة. وفي هذا السياق، يلفت البنك الدولي إلى ضغوط سعر الصرف وارتفاع توقعات التضخم في ظل التصعيد الإقليمي، وتشدّد العقوبات. كما أن النقاش حول إصلاحات شكلية، مثل إعادة تسمية العملة/حذف أصفار من الريال يُعدّ مؤشراً على عمق إشكال "التضخم المزمن" في الاقتصاد السياسي الإيراني.
لكن الوجه الأخطر هو "أزمة الهيمنة": حين تتراجع القدرة على الإقناع والوساطة السياسية، ويزداد الاعتماد على الأمننة. ويتصل ذلك بما ترصده آليات أممية لحقوق الإنسان من استمرار القمع والتصعيد الأمني في التعامل مع الاحتجاجات، وما يرتبط بها من قتل، واعتقالات، وإجراءات تقييدية. في المعنى السياسي، هذا المسار يرفع كلفة إدارة الداخل، ويضاعف فجوة الثقة، فتغدو "شرعية النتائج" (المعيشة والخدمات والفرص)، معياراً أكثر حسماً من "شرعية التعبئة".
ومن هنا تُفهم سردية "إيران النظام": فصورة إيران -داخلياً وخارجياً- لم تعد تُقرأ عبر الدولة-الأمة وحدها، بل عبر بنية الحكم التي تحدد حدود الاقتصاد، والمجال العام، ونمط العلاقة مع الإقليم. ومع اشتداد التداخل بين الداخل والخارج، يتحول الإقليم إلى ساحة اختبار مزدوج: إما تخفيف الاستنزاف عبر تهدئة محسوبة، وإما زيادة الكلفة عبر تصعيد يضغط على الداخل اقتصادياً، ويغلق نوافذ التخفّف.
إقليمياً، تتغذّى "نبرة الحرب" من ديناميات ردع متبادلة، ومن سوء تقدير محتمل. وفي الأسابيع الأخيرة، ظهر خطاب دولي وإقليمي يُركز صراحة على "تفادي الصراع"، و"منع التصعيد"، ما يعكس إدراكاً لكلفة الانزلاق على المنطقة بأسرها. كما أن مسار الاجتماعات والتصريحات الإقليمية حول التهدئة، يعكس رغبة في احتواء التوترات، ومنع اتساعها.
في المقابل، تُظهر وثائق رسمية خليجية أن الإقليم -خاصة الخليج- يحافظ على مقاربة ثنائية: رفض واضح لأيّ مساس بالسيادة أو الاستقرار، مع إبقاء الباب مفتوحاً لمسارات تخفيف التوتر، وفق قواعد حسن الجوار. وعلى خط موازٍ، يبرز في وثائق مشتركة (EU–GCC) ، مطلب صريح لإيران بالسير نحو خفض التصعيد الإقليمي، وضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي، ووقف الانتشار المتصل بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ضمن هذه اللوحة، يبدو خيار "تغيير سياسة النظام" أقرب إلى الواقعية من "تغيير النظام"، ليس بوصفه تنازلاً، بل بوصفه هندسة بقاء: براغماتية اقتصادية تقلل الانكشاف، وتهدئة اجتماعية تخفف الاحتكاك، وتموضع إقليمي يحدّ من الاستنزاف من دون التفريط في أدوات الردع. وما يهم الإقليم هو أن تُترجم أيّ إشارات تهدئة إلى سلوك قابل للقياس، لا إلى إعادة تموضع تكتيكية قصيرة. خاتمة القول: يستقر الإقليم حين تراجع طهران كلفة الصراع المنهكة، ومقاربة حسن الجوار الفعال، ويوازن من في الإقليم العربي بين الردع، والانخراط المشروط والمتوازن بواقعية.
(الخليج الإماراتية)

