لم تكن زيارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية ومصر، يومي 3 و4 فبراير الجاري، مجرد جولة بروتوكولية عابرة، بل شكّلت أول مناورة جيوسياسية كبرى في عام 2026، ويمكن قراءتها بوصفها "شيفرة الشرق الأوسط الجديد". فهي تحركات ترسل إشارة حاسمة مفادها، أن مرحلة "التطبيع" أغلقت، وأن زمن "الشراكات الاستراتيجية" قد بدأ الآن.
على مدى السنوات الأربع الماضية، جرى إلى حد كبير تجاوز التوترات الدبلوماسية على خطي أنقرة ـ الرياض وأنقرة ـ القاهرة. لكن اليوم لم يعد الأمر متعلقا برأب الصدوع، بل ببناء مستقبل مشترك. ذلك أن الشرق الأوسط يُدفَع كل يوم إلى حافة أزمة جديدة؛ غزة تحترق، وسوريا هشة، والسودان يتفكك، والصومال تتسع فيه خطوط الصدع، وملف إيران ساخن إلى حدّ قد ينفجر في أي لحظة، وفي قلب كل ذلك لا تُخفي العدوانية الإسرائيلية نيتها دفع المنطقة نحو حريق أوسع.
من هنا تأتي زيارة أردوغان إلى الرياض والقاهرة، بوصفها الجواب الاستراتيجي على هذا المشهد. فتركيا لم تعد تكتفي بمراقبة الأزمات في الشرق الأوسط، بل تطمح إلى إدارتها، وصناعة التوازن، وإعادة بناء طاولة الإقليم. وما قاله أردوغان في طريق العودة من الزيارة على متن الطائرة: "أجرينا لقاءات مفيدة للغاية مع قادة ووفود البلدين، وتناولنا علاقاتنا الثنائية بجميع أبعادها بشكل شامل" ليس مجرّد عبارة مجاملة دبلوماسية، بل إعلان لمرحلة جديدة.
في الرياض، جاءت أقوى الرسائل عبر الصناعات الدفاعية، وعندما قال أردوغان إن "قآن ليست مجرد طائرة مقاتلة، بل هي رمز لقدرة تركيا الهندسية وإرادتها الدفاعية المستقلة"، فقد كانت رسالته موجّهة في الحقيقة إلى المنطقة بأسرها، ومفادها أن تركيا لم تعد دولة تشتري السلاح، بل دولة تنتجه وتشاركه. والأهم من ذلك، قوله، "إن هناك استثمارا مشتركا مرتقبا مع السعودية في هذا المجال، ويمكننا تنفيذ هذا الاستثمار في أي وقت"، الأمر الذي يدلّ على أن فكرة الإنتاج المشترك والمستقبل المشترك بين تركيا ودول الخليج في مجال الدفاع تنمو بسرعة.
أما في قطاع الطاقة، فإن الاتفاق الموقّع بين تركيا والسعودية بقيمة ملياري دولار لا يعبّر عن تعاون اقتصادي عابر، بل عن تشابك استراتيجي طويل الأمد. فإقامة محطات طاقة شمسية ورياح بقدرة إجمالية تصل إلى 5000 ميغاواط داخل تركيا تمثّل خطوة نوعية على طريق الاستقلال الطاقي. وإطلاق المرحلة الأولى بقدرة 2000 ميغاواط في ولايتي سيواس وقرمان، لا يسرّع التحول الطاقي فحسب، بل يكشف أيضا عمق اندماج رأس المال الخليجي في البنية الاقتصادية التركية. أما توسيع إطار التعاون ليشمل الاستخدام السلمي للفضاء، فيؤكد أن هذه الشراكة لا تنتمي إلى اقتصاد اليوم فقط، بل إلى تقنيات الغد.
لا شك أن انتقال أردوغان من الرياض إلى القاهرة لم يكن حركة رمزية، بل اختيارا استراتيجيا محسوبا. فالرياض تمثّل قلب الخليج، فيما تجسّد القاهرة الوزن التاريخي والسياسي للعالم العربي. وجمع هاتين العاصمتين في مسار دبلوماسي واحد، يعني فعليا رسم معادلة توازن إقليمي جديدة. وفي القاهرة، عكس تشديد أردوغان على أن أي تدخل خارجي ضد إيران سيعرّض المنطقة بأسرها للخطر، وتصريحه بأن "حلّ الأزمات يجب أن يتم عبر القنوات الدبلوماسية"، تحوّل أنقرة نحو مقاربة إقليمية عقلانية تضع الدبلوماسية فوق منطق الحرب. أما حديثه عن الملف السوري بقوله "إن منطقتنا ستكون المستفيد الأكبر، عندما تُصان سلامة أراضي سوريا وتتحقق وحدتها السياسية"، فيكشف أن أنقرة لا تنظر إلى هذا الملف بوصفه قضية حدود فحسب، بل باعتباره مفتاح الاستقرار الإقليمي برمّته. وجاء تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بأن "مصر تعد الشريك التجاري الأول لتركيا في القارة الافريقية" وأنه من الضروري العمل على رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار، ليعكس تحوّل القاهرة إلى رؤية تركيا كشريك استراتيجي، اقتصاديا وسياسيا في آن واحد.
يمكن القول إن غزة هي القوة الدافعة الحقيقية خلف كل هذه التحركات. فالحرب في القطاع لم تعد شأنا فلسطينيا محضا، بل تحوّلت إلى زلزال يضرب البنية الأمنية للشرق الأوسط بأسره. وعندما يقول أردوغان: "يجب البدء دون تأخير بإجراءات التعافي وإعادة الإعمار، ويجب أن تنسحب القوات الإسرائيلية تدريجيا من غزة، وسوف تسهم تركيا بشكل نشيط في هذه العمليات، بصفتها عضوا في مجلس السلام"، فإنه لا يعبّر عن موقف أخلاقي فحسب، بل يقدّم تصورا دبلوماسيا متكاملا يحوّل الموقف السياسي إلى خطة عمل. يدخل الشرق الأوسط طورا جديدا يمكن تسميته "التملّك الإقليمي"، أي مرحلة تُدار فيها الأزمات وتُصاغ الحلول في الرياض والقاهرة وأنقرة، لا في واشنطن. وفي هذا السياق، فإن الحديث عن مشاورات أمنية على محور تركيا ـ السعودية ـ باكستان لا يعني ولادة حلف تقليدي، بل تشكّل منصة استراتيجية تقوم على الصناعات الدفاعية، والتنسيق الدبلوماسي، وإدارة الأزمات الإقليمية.
وخلاصة القول؛ إن زيارات أردوغان إلى الرياض والقاهرة، لا تندرج في إطار تنشيط العلاقات الثنائية فحسب، بل تمثّل الانطلاقة الفعلية لمسار جديد يبحث عن استقرار مختلف للشرق الأوسط. فعندما يكون الحديث في الرياض عن قآن، فالأمر لا يتعلّق بطائرة مقاتلة فقط؛ وعندما تستهدف القاهرة رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار، فذلك ليس رقما اقتصاديا فقط؛ وحين توضع إعادة إعمار غزة على الطاولة، فهذه ليست قضية إنسانية معزولة. كل هذه المسارات تتقاطع عند حقيقة واحدة؛ تركيا لا تريد فقط أن تبقى فاعلا في هذه الجغرافيا، بل تسعى إلى إعادة هندسة توازنها بالتعاون مع قوى المنطقة نفسها. وأبلغ تعبير عن هذه الرؤية ما قاله الرئيس أردوغان: "قآن هي رمز لقدرة تركيا الهندسية وإرادتها الدفاعية المستقلة".
(القدس العربي)

