من ينظر اليوم إلى سوريا، من خارجها، من المحتمل أن يرى مجموعة غير متجانسة من "الشعوب" يراد توضيبها في إطار واحد بعدما فرط عقدها أثناء الثورة والحرب التي تلتها وامتدت لنحو عقد ونصف من السنوات؛ وسلطة تتلمس طريقها لترسيخ نظام جديد على أنقاض نظام الأسد، من المفترض أنها انتقالية، تتمثل وظيفتها في إدارة مرحلة انتقالية تنتهي إلى وضع دستور تجرى في ظله انتخابات تنبثق منها حكومة تمثيلية.
هذا على أي حال هو التصور الشائع والمأمول. مدفوعة بدعم عربي وإقليمي ودولي قوي، اختارت هذه السلطة الإخضاع بالقوة طريقاً لفرض سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية بدلاً من البحث عن توافقات وطنية لا يمكنها أن تقوم إلا على المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن "المكونات" القومية أو الدينية أو المذهبية أو الجهوية التي قد ينتمون إليها. في حين أن العالم الإيديولوجي الضيق للمجموعة الحاكمة لا يتضمن مفاهيم كالوطن والمواطنة، ناهيكم عن مفاهيم الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وتداول السلطة والفصل بين السلطات وسيادة القانون وغيرها من المفاهيم التي لا تكون الدولة الحديثة إلا بها.
في غياب معارضة وطنية قوية عابرة للانتماءات الجزئية، برز دور "المكونات" من جهة لأن المجموعة الحاكمة ترى السوريين من هذا المنظور، ومن جهة أخرى لأن بنية هذه المجموعة بأيديولوجيتها والهوية الطائفية لأفرادها كما بمسالكها وإعلامها تثير مخاوف تلك المكونات، لم تبق مجرد مخاوف نظرية، على أي حال، بل تحققت في انتهاكات يومية تجاه الهويات المغايرة بلغت حد المجازر في وقائع عدة كان أبرزها تجاه العلويين والدروز.
لقد فوّتت السلطة فرصة ثمينة لجمع شمل السوريين حين عقدت ما أسمته مؤتمر الحوار الوطني بتلك الطريقة التي حولته إلى مجرد استعراض إعلامي بلا مضمون. ثم فوتت فرصة ثانية حين شكلت حكومتها الثانية التي “زيّنتها” بثلاثة وجوه من خارج الهوية الواحدية لكنها بلا حيثية تمثيلية ولا هي صاحبة قرار، لتقول إنها تستوفي شروط الشمول التي تطالب بها الدول صاحبة النفوذ. غير أن الفلتان الأمني عموماً والمجازر المذكورة بصورة خاصة قد جعلت الثقة مفقودة بالسلطة في البيئات المتوجسة أصلاً. أما المتن الاجتماعي المتسق مع هوية الجماعة الحاكمة والمفترض أنه مؤيد لها فقد استفاق بعد "سكرة التحرير" في الأشهر الأولى التالية على سقوط نظام الأسد، ليرى أن شيئاً لم يتغير في حياته المعاشية، بل تفاقم بؤسه بلا نافذة أمل على المستقبل المنظور، وسرعان ما تبددت أوهام الاستثمارات التي من المفترض أن تتدفق كما حاول إعلام السلطة أن يشيع، فحلت محل نشوة الانتصار خيبة أمل تتسع دوائرها كل يوم، وبات جمهور السلطة يشعر بالاستفزاز من الاحتفاليات الباهرة ومواكب رجال السلطة بالسيارات الفارهة.
وإذا أمعنا النظر في بنية السلطة ونهجها السياسي لوجدنا أنها أقرب ما تكون إلى سلطة انقلابية، لا سلطة انتقالية منبثقة عن ثورة شعب دفع الكثير ثمناً لانتصارها، مثابرة على بناء نظام سلطوي بجهاز قمع منتفخ، وسعي لترسيخ رقابة يمكن توقع مآلاتها، وجشع هائل للسيطرة على الموارد العامة، ومحسوبية طاغية في إشغال المناصب، بما يجعل السوريين الذين أمضت أجيال منهم حياتها في ظل النظام البعثي والأسدي لا يشعرون بأي غربة في الوضع الجديد.
تريد القوى الخارجية الداعمة للسلطة أن يتحقق الاستقرار، ولا تهمها الوسائل التي تختارها السلطة لتحقيقه، كما لا يهمها شكل النظام السياسي الذي ستستقر عليه الأمور في نهاية المرحلة الانتقالية. يبقى السؤال هل يمكن أن يتحقق الاستقرار المنشود بالنهج الذي تسير عليه السلطة؟ لقد كثر الكلام، في الآونة الأخيرة، عن تغيير حكومي جديد يتم تداول أسماء بشأنه من خارج البنية الضيقة للمجموعة الحاكمة، يقال إن دولاً داعمة تضغط بهذا الاتجاه بعدما أدركت الطريق المسدود الذي اتضحت معالمه. كما عاد خطر الإرهاب ليطل برأسه مجدداً بعد أشهر طويلة من توقف عملياته، فتكرر استهداف قوات السلطة في ظل بيان جديد لتنظيم داعش يعلن سلطة دمشق “المرتدة” وفقاً لنصه، هدفاً لـ"الجهاد". وتداولت تقارير أممية وقوع خمس محاولات اغتيال لأحمد الشرع وبعض رجاله.
مضى الآن أكثر من أربعة عشر شهراً على حكم السلطة، وبدلاً من انهماكها المأمول في إعادة الإعمار وإطلاق عجلة الاقتصاد ولو بخطوات أولية، نجد أنها ما زالت بعيدة عن السيطرة على الفصائل التي تشكل منها جيشها الجديد، وعن بناء توافق اجتماعي على الوجهة التي تمضي إليها البلاد، وعن منح الأمل بغد معقول بعيداً عن الأوهام والدعاية الصاخبة. تبدو السلطة وكأنها لا تملك أي خطة في السياسة والاقتصاد وغيرهما من الميادين، بل يطغى الطابع التجريبي على إجراءاتها، وبكادر "موثوق" يفتقر للعلم والخبرة والمهارات المطلوبة لإدارة الدولة. مثال هذه التجريبية كان إصدار الشرع لمرسوم رئاسي بالعفو العام. من المحتمل أنه أراد أن يعطي انطباعاً إيجابياً بالانفراج. لكنه خرق بذلك الإعلان الدستوري الذي لم يمض عام كامل على إصداره، فكانت ردود الفعل سلبية بمجملها. فما فعله يشكل مؤشراً خطيراً مبكراً على أنه يتبنى مقولة أن القوانين والدساتير توضع لكي يتم خرقها!
(القدس العربي)

