صحافة

حدود الدبلوماسية في الحرب الإيرانية

خليل حسين

المشاركة
حدود الدبلوماسية في الحرب الإيرانية

من الواضح أن مسار الأزمة الإيرانية قد تخطى حدود السياقات الدبلوماسية، وباتت السياقات العسكرية تطغى على أي تحرك ممكن، لاسيما أن الأطراف المعنية التي يمكن أن تؤدي دوراً ما قد باتت ضمن البيئات الضعيفة التي يمكن أن تترك أثراً إيجابياً، ومرد ذلك طبيعة العلاقات والمصالح التي تربط هذه الدول بإيران.

وعلى الرغم من أن مجمل الأزمات الإيرانية قبل الحرب قد أخذت مساحات دبلوماسية كبيرة وفي بعضها توصلت إلى اتفاق برعاية مجلس الأمن الدولي (الدول الخمس الكبرى إضافة إلى ألمانيا)، فإن انسحاب الولايات المتحدة قضى على الاتفاق المبدئي، وفتحت الأبواب إلى ما وصلت إليه وقائع الحرب القائمة حالياً.

لقد تلاشت مسارات التفاوض الممكنة، بخاصة ما صدر من مواقف أمريكية واضحة لعدم الاستعداد حالياً للدخول في مفاوضات لحل الأزمة وإيجاد مخارج ممكنة لبعض الملفات، لاسيما أن جلسات التفاوض الثلاث التي انطلقت قبل الحرب لم تتوصل إلى نتيجة يُبنى عليها، خاصة أن المطلب الأمريكي الإسرائيلي تعدى ملف البرنامج النووي ليشمل أيضاً البرامج الصاروخية، وهي قضايا رفضت طهران في المطلق مناقشتها أو طرحها على طاولة المفاوضات سابقاً وحالياً.

لقد أطاحت طهران بأي إمكانية لمسارات دبلوماسية تفاوضية يمكن أن ترعاها دول الخليج العربية، إذ لم توفر أي دولة من عملياتها العسكرية، حيث قصفت بالصواريخ الثقيلة كلاً من الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر والبحرين والكويت، وعلى الرغم من الصورة التي اشتهرت بها طهران لجهة التروي في العمل الدبلوماسي، فإن ما فعلته مع الدول الخليجية يمثل تهوراً غير مفهوم في العمل الدبلوماسي ويغلق الباب أمام أي مبادرات يمكن أن تقوم بها هذه الدول.

لقد تمكّنت طهران من نسج علاقات ودية متميزة مع دول كثيرة بهدف الاستناد إلى مواقفها التي يمكن أن تؤيدها، كالصين وروسيا وفرنسا، إلا أن سرعان ما ظهرت صور أخرى لمواقف هذه الدول، جلها اتسمت بالحذر وعدم اتخاذ قرارات أو مواقف يفهم منها دعم واضح لطهران، رغم أن قراءة العلاقات بين البلدين، كانت تشير إلى اتفاقات استراتيجية مبرمة، بشكل مدروس ونوعي دقيق، تلامس حدود الدفاع ولو لم يعلن عنها واقعياً ورسمياً، وبالتالي لن تتمكن بكين من القيام بمشاريع وساطة لحل الأزمة، لاسيما أن ثمة إشارات أمريكية واضحة لجهة عدم تحبيذها إعطاء بكين قدرات فاعلة في هذا المجال.

في المقلب الآخر المتصل بروسيا ومواقفها من الحرب القائمة، فهو لا يختلف عن الموقف الصيني، رغم الاتفاقات الاستراتيجية المعقودة مع موسكو أيضاً التي لم تستثمر بمواقف نوعية تتسم بالمواجهة، فمعظم المواقف التي أطلقتها موسكو حتى الآن، هي في سياقات دبلوماسية معنونة بالدعوة للحلول الدبلوماسية والابتعاد عن الأعمال العسكرية التي تؤجج الحرب. في الواقع تبدو إيران اليوم وحيدةً في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد تراجع وتخلي دول كثيرة إقليمية وعالمية عن مساندتها ولو بمواقف دبلوماسية، وباتت اليوم في عزلة إقليمية ودولية غير مسبوقة.

فالوضع معقد جداً ويبدو أنه يتجه نحو مخاطر أكبر في حال اتسع نطاق الحرب وتجاوز حدوده الحالية، وانخرطت فيها قوى أخرى في إطار الصراع القائم على تشكيل نظام دولي جديد قائم على العدالة والمساواة، بديلاً للنظام الحالي الذي تسعى الولايات المتحدة للبقاء على رأسه، في إطار استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتكريس سيطرة أمريكا من خلال القوة.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن