كانَ الطَّلَبَةُ المَغارِبَةُ يَقْصِدونَ مِصْرَ لِأَخْذِ العِلْمِ مِنْ كِبارِ عُلَمائِها، وَظَلَّتِ الحَواضِرُ الكُبْرى تَسْتَقْبِلُ الطُّلّابَ وَالعُلَماءَ الوافِدينَ إِلَيْها مِثْلَ مَكَّةَ وَالمَدينَةِ وَدِمَشْقَ وَبَغْدادَ وَالقاهِرَةَ وَالإِسْكَنْدَرِيَّة. وَيُعْتَبَرُ الخَطيبُ مُحَمَّد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْزوقٍ التِّلِمْسانِيّ (1379) مِنْ أَبْرَزِ عُلَماءِ المَغْرِبِ الإِسْلامِيّينَ الَّذينَ كانَ لَهُمْ أَثَرٌ مَلْحوظٌ في مِصْر، وَارْتَبَطَ كِبارُ المُتَصَوِّفَةِ في المَغْرِبِ الإِسْلامِيِّ مَعَ نُظَرائِهِمُ المَشارِقَة. في المُقابِل، وَمُنْذُ أَنْ سَمِعَ المَشارِقَةُ بِكِتابِ "العِقْدِ الفَريدِ" وَبِأَحْداثِهِ الأَنْدَلُسِيَّة، سارَعَ الخُلَفاءُ وَالأُدَباءُ إِلى طَلَبِ نُسَخٍ مِنْهُ في العِراقِ وَمِصْرَ وَبِلادِ الشّام (د. واسيني الأَعْرَج).
لا يُمْكِنُ طَرْحُ وَضْعِيَّةِ وَشَكْلِ رُؤْيَةِ المُثَقَّفِ المَغارِبِيِّ تُجاهَ الْمَشْرِقِ العَرَبِيِّ إِلّا فِي السِّياقاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَالمَحَلِّيَّةِ المُعَقَّدَة. وَهِيَ لَيْسَتْ قَرارًا، وَلٰكِنَّهَا صَيْرورَةٌ حَقيقِيَّة، وَأُضيفَ إلى حِوارِ الضِّفَّتَيْنِ ثَقافَةُ البَحْرِ المُتَوَسِّط (د. عِزِّ الدّينِ غَبّاشَة). وَكانَ لا بُدَّ مِنِ انْتِظارِ سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ الْماضِي لِتُصْبِحَ الكَثيرُ مِنَ الأَجْناسِ الأَدَبِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ ظاهِرَة، وَتَتَحَرَّرَ مِنْ مَوْروثِهَا المَرْكَزِيِّ وَالاسْتِعْمارِيِّ وَالكَنَسِيِّ وَالحَضارِيِّ عَلى حَدٍّ سَواء، وَالانْتِقالِ مِنْ مَغْرِبِ الهامِشِ إلى مَغْرِبِ العُبورِ المُرَكَّبِ وَالسّائِل (لَيْسَ بِالمَعْنى الجُغْرافِيّ)، عَلى نَحْوِ ما كَتَبَهُ عَبْدُ اللهِ العَرْوِيّ، وَما قَدَّمَ لَهُ مُحَمَّد عابِدِ الجابِرِيّ كَمَشْروعٍ نَقْدِيٍّ مُتَكامِلٍ لِما سَمّاهُ العَقْلَ العَرَبِيّ، أَوْ ما رَكَّزَ عَلَيْهِ مُحَمَّد أَرْكون "أَنْسَنَةَ التّاريخِ الإِسْلامِيّ"، وَأَعادَ الصّادِقُ النَّيْهومُ قِراءَتَهُ مِنْ مُنْطَلَقٍ مُعاصِر.
ينبغي تدارُك وضع اللغة العربية قبل السقوط في المحظور
وَمِثْلُ أَعْمالِ الشَّيْخِ طاهِرِ الحَدّادِ الَّذي هَزَّ اليَقِينِيّاتِ وَانْتَصَرَ لِلْمَرْأَةِ فِي رُؤْيَةِ الأَكاديمِيّاتِ وَالنّاشِطاتِ المَغارِبِيّاتِ في الفِكْرِ وَالثَّقافَةِ وَالحَداثَةِ وَنَقْدِ الذُّكورِيَّةِ المُهَيْمِنَة (فاطِمَةُ المَرْنيسي في نَقْدِها النِّسْوِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ العَرَبِيِّ الإِسْلامِيّ)، وَمُغَنِّيَةُ الأَزْرَقِ فِي نَقْدِها لِلِاسْتِعْمارِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ السَّلَفِيَّة، تَمامًا مِثْلَ ما تَرَكَهُ قاسِم أَمين في المَشْرِقِ في بِدايَةِ مَعْرَكَةِ المُساواةِ بَيْنَ النِّساءِ وَالرِّجالِ في الأَوْساطِ السِّياسِيَّةِ وَخارِجَها.
مِنْ أَبْرَزِ المَوْضوعاتِ الَّتي حَصَدَتِ العِنايَة: "خِطابُ الحَداثَةِ فِي الدُّوَلِ المَغْرِبِيَّة" (د. شُكْري السَّموني)، "إِشْكالِيّاتُ الهُوِيَّةِ وَالقِيَمِ" (د. محمد المَعْزوز)، "السِّياساتُ الثَّقافِيَّةُ فِي دُوَلِ المَغْرِبِ العَرَبِيّ" (د. محمد الحَدّاد)، حَيْثُ يَحْظى المَسْرَحُ التُّونُسِيُّ بِاهْتِمامٍ كَبيرٍ خُصوصًا بَعْدَما أَلْقى الزَّعِيمُ التُّونُسِيُّ الحَبيب بُورْقيبَة خِطابَهُ الشَّهيرَ الَّذي قالَ فيه: "أَعْطوني مَسْرَحًا جَيِّدًا، أُعْطِكُمْ شَيْئًا عَظيمًا".
روح التعاون يجب أن تُستكمل بين المغرب والمشرق العربي
يَبْقَى وَضْعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَأَحْوالُها فِي بُلْدانِ المَغْرِبِ العَرَبِيّ، حَيْثُ يَنْبَغي تَدارُكُ وَضْعِها قَبْلَ السُّقوطِ فِي المَحْظور (د. محمد السَّعيدي)، وَهِيَ تَتَخَبَّطُ وَتُواجِهُ المُنافَسَةَ الدّاخِلِيَّةَ وَالْخارِجِيَّة، وَيَقْتَرِحُ المُتابِعونَ لِلشَّأْنِ اللُّغَوِيِّ إِحْداثَ مُؤَسَّسَةٍ عَلى شاكِلَةِ "المُنَظَّمَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلْفْرانْكوفونِيَّة".
إِنَّ روحَ التَّعاوُنِ الَّتي يَتِمُّ اكْتِشافُها بَيْنَ المَغْرِبِ وَالمَشْرِقِ العَرَبِيِّ يَجِبُ أَنْ تُسْتَكْمَل، وَهَذا يَرْتَبِطُ بِمَدى تَجْسيدِ التَّعاوُنِ في الفَتْرَةِ المُقْبِلَةِ لِمُواجَهَةِ الانْشِقاقاتِ وَالْخِلافاتِ حَوْلَ قَضايا عالَمِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ لا حُدودَ لَها. تَقْريرٌ في 700 صَفْحَةٍ في تاريخِ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ عَنْ "مُؤَسَّسَةِ الفِكْرِ العَرَبِيّ".. فِي أَبْحاثٍ لا تُؤَدّي إلى نَوْعٍ مِنَ الِاخْتِزال، بَلْ إلى تَرْسيخِ الواقِعِ الَّذي كانَ حَضارَةً مَغارِبِيَّةً - مَشْرِقِيَّةً مُشْتَرَكَة.
(خاص "عروبة 22")

