برغم تضارب تصريحات الرئيس الأميركي ترامب بشأن ما يجري في مسار المواجهات الراهنة، وإعلانه عن بدء مفاوضات مع الجانب الإيراني وإعطائه مهلة مجدداً ما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة، إلا أن كل الشواهد تمضي في التأكيد على استمرارية العمل العسكري بصورة أو بأخرى لحسم الأمر. والإشكالية ليست في وجود تصور استباقي للتفاوض أو استمرار المواجهة، وإنما في تحقيق الأهداف الكبرى للولايات المتحدة في إيران وفي الإقليم، وإنهاء الخطر الإيراني بالكامل وهو ما يجري في ظل حسابات أميركية قد تتداخل بالفعل، من دون أن تبعد كثيراً عن الهدف الجوهري وبصرف النظر عن خيارات التفاوض نجاحاً أو فشلاً..
فالمؤكد أنه وعلى الرغم من التباين داخل الكونجرس على التعامل الراهن، واحتمالات تحول المواجهات إلى عملية عسكرية كاملة مع الاستعدادات لإنزال القوات البحرية ما يتطلب الرجوع للكونجرس للحصول على موافقته واقراره بالتمويل، فإن الرئيس ترامب لن يقبل بنصف حل في التعامل مع إيران أو تركها تروج بأنها نجحت في المواجهة، وأنها خرجت منتصرة في إطار خطاب إعلامي إيراني سطحي موجه إلى الجمهور الإيراني المغلوب على أمره، والذي يسعي الرئيس ترامب بل ورئيس الوزراء الإسرائيلي لتحريكه على الأرض، ودفعه إلى أن يؤدي دوره في إطار المواجهة الراهنة، وإحداث حراك داخلي..
ما يجري في الإدارة الأميركية من تطورات يعكس مضيها قدماً في إتمام الأهداف المخطط لها جيداً بصرف النظر عن أي أطروحات طارئة، أو حتى الإعلان عن بدء مفاوضات لا يقودها مبعوثا ترامب (ستيف وتكوف – جاريد كوشنر) بشأن التعامل في ظل ما قد يطرحه القادة العسكريون الذين يطالبون بمزيد من الإجراءات والتدابير للتعامل، خاصة وأن الوصول لهذه الأهداف الرئيسة، قد يتأخر بالفعل في إحداث تغيير حقيقي يقوض القدرات الإيرانية بالفعل، برغم أنه ما زالت القوات الأميركية تعمل على أهداف منتقاة ووفق تسلسل تدريجي، وبدون حسم كامل للإبقاء على سياسة الباب الموارب للجانب الإيراني للعودة للتفاوض من منطق محدد، لن تتخلى عنه الإدارة الأميركية.
ولن تقبل وزارة الدفاع الأميركية التراجع (طلبت مخصصات ب200 مليار دولار)، خاصة وأن بنك الأهداف ما زال يتضمن الكثير من البنود، والتي تبدأ بالمنشآت النووية ومحطات الكهرباء ومحطات التحلية والمنشآت البترولية وعشرات الأهداف الأخرى، وهو ما تدركه إيران جيداً برغم مناوراتها المعتادة. والواقع أن الرئيس الأميركي ترامب لن يقبل بأي خيار في ضوء الضغوطات الرئيسة من قبل جنرالات البنتاجون الذين يتحركون وفق عقيدة قتالية محددة، ولا يريدون أن يحيدوا عنها في التعامل الحاسم مع الخطر الإيراني، وإنهائه على الأرض لأن بقاءه سيؤدي إلى تهديدات حقيقية قد تطول المصالح الأميركية ليس فقط في منطقة الخليج العربي، وإنما أيضاً على المصالح الأميركية في مناطق النفوذ الاستراتيجية.
ومن ثم فإن الحديث على أن الرئيس الأميركي ترامب سيقبل بإنهاء المواجهات من خلال آلية التفاوض، قد يثير علامات استفهام عديدة خاصة وأن الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة وليس لإسرائيل بقاء إيران في وضعها الراهن دولة ضعيفة منهكة سيظل مطروحاً، الأمر الذي قد يدفع للتغيير من الداخل لاحقاً، مع عدم التأثر باستطلاعات الرأي المتأرجحة على توجه الرئيس ترامب ومجموعات العمل السياسية والعسكرية التي تدير المواجهات الحالية في مسارها بصرف النظر عما يجري بما في ذلك وضع الاستحقاقات الدستورية، وقرب إجراء الانتخابات الخاصة للتجديد النصفي للكونجرس في حدودها وبدون مغالاة في الطرح أو التخوف من ردود فعل معاكسة قد تغير الوقائع على الأرض.
ويرتبط بهذا الموقف الراهن أميركياً أن الحكومة الإسرائيلية - التي انهمكت في مواجهات جنوب لبنان لتغيير الواقع الراهن - ماضية في مسارها، ولن تتراجع بدليل ما يجري في العمليات العسكرية المخطط لها ولعل استدعاء الفرق القتالية النخبوية (لواء جولاني) تباعاً للعمل في الجنوب اللبناني ما يؤكد على هذا التوجه.
والمؤكد أن اسرائيل لن تقبل بوقف إطلاق النار إلا بعد أن تنفذ أهدافها الرئيسة مع العمل على نزع سلاح "حزب الله" وتصفية الصف الجديد في بنية الحزب بالكامل مع تغيير كامل لديموغرافية الجنوب بل وتوسيع نطاق ما يعرف بالمنطقة العازلة، التي ستتسع بصورة كبيرة كثمرة للعمل العسكري الراهن، والتي لن تحيد عنه وفي نفس التوقيت العمل على الأرض في إيران مع الاستمرار في تصفية العناصر الرئيسة في الحرس الثوري، والانتقال تدريجياً إلى عناصر الباسيج ثم العمل على تخريب المنشآت النووية بالكامل بصرف النظر عن أي تفاوض أميركي إيراني حالي.
الرسالة المهمة في هذا السياق أنه لن يكون هناك تراجع لا من الولايات المتحدة أو إسرائيل قبل تنفيذ المخطط له برغم كل القيود والمراجعات السياسية والعسكرية التي قد تتم في سياق مفاوضات ممتدة والتي ستكون تحت النار، ولكن لن توقف الهدف الاستراتيجي التي تعمل عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، ولهذا ستستمر إسرائيل في دفع الإدارة الأميركية على المضي قدماً في العمل العسكري، وتنفيذه بهدف تركيع النظام الإيراني ودفعه إلى حافة الهاوية، وحتى إشعار آخر سيظل الخيار العسكري المحدد الرئيس للذهاب إلى الخيار السياسي من منطق القوة والتي ستفرضها الولايات المتحدة على الأرض.
(الاتحاد الإماراتية)

