من يطالع بنود خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوصول إلى اتفاق مع إيران ينهي الحرب المشتعلة بينهما منذ حوالي شهر، سوف يكتشف أنها خطة لاستسلام إيران وليس للتسوية أبدا، وتمتلئ بالعديد من الألغام مثل خطة وقف إطلاق النار في غزة وربما أصعب. نتذكر أن ترامب، وخلال المفاوضات مع إيران التى سبقت شن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير الماضي، طرح غالبية هذه البنود على إيران خلال المفاوضات بين مبعوثه ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجى في جنيف وبوساطة عمانية.
يومها ردت إيران بالقول إن تكلفة الحرب مع أمريكا ستكون أسهل بكثير من تكلفة قبول هذه المطالب الأمريكية، ونتيجة لهذا الرد، شنت أمريكا وإسرائيل الهجوم، بعد أن اكتمل الحشد العسكري حول إيران. في تقديري أن هدف خطة ترامب الحالية إما أنه يطرح شروطا صعبة حتى يضمن الحصول على ما يريده أو إنه يدرك أن إيران سترفض الشروط لا محالة، وبالتالي يبرر لنفسه أمام الجميع، خصوصا الأمريكيين الغاضبين، الاستمرار في الحرب بعنف أكبر. السؤال الآن: ما الذى سيدعو إيران إلى قبول الشروط التي رفضتها قبل أن تتعرض للحرب والدمار الكبير طوال الشهر الماضي؟!
الإجابة هى أنها لن تقبل بالعديد من هذه الشروط، لكن بشرط جوهري هو أنها ما تزال تملك أوراق قوة، خصوصا المخزون من الصواريخ والمسيرات، ما يمكّنها من مواصلة المعركة رهانا على رفع تكلفة الحرب على الطرف الآخر. قراءة سريعة للبنود الخمسة عشر للخطة سوف نكتشف أن هناك 11 بندا صعبا على إيران بدرجات متفاوتة.
البند الأول سهل لأنه يتحدث عن وقف إطلاق النار لمدة شهر يتم فيها التفاوض. وهذا البند سترحب به إيران لأنه سيتيح لها التقاط أنفاسها وإعادة ترميم ما خسرته طوال الحرب. البند الثاني يدعو لتفكيك القدرات النووية الإيرانية الحالية، وهو أمر ترفضه إيران. البند الثالث ستوافق عليه إيران فورا وهو التعهد بعدم السعي أبدا لامتلاك سلاح نووى، وهي تعلن ذلك منذ وقت طويل، بل صدرت فتاوى من المرشد الأعلى تنص على حرمانية ذلك. وبالطبع نعلم أن امتلاك المعرفة والتقنية هي الأهم، لأنها تتيح لمن يملكها إنتاج الأسلحة النووية في أى وقت. البند الرابع منع تخصيب أي مواد نووية على أراضي إيران، وهو أمر مرفوض إيرانيا لكنه قابل للتفاوض.
والبند الخامس مرتبط بالرابع وينص على تسليم اليورانيوم المخصب للوكالة الدولية للطاقة الدولية، وهذا البند يمكن الوصول فيه إلى حلول وسط، حيث طرح من قبل الحرب نقل هذا اليورانيوم إلى طرف ثالث مثل روسيا وأمريكا تريد أن تتسلمه هي أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية. البند السادس إخراج المواقع النووية مثل نظنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها، وهذا البند صعب جدا لكنه ليس مستحيلا. البند السابع سهل التحقق وسبق الموافقة عليه من قبل وينص على منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية الوصول الكامل إلى جميع المعلومات بشأن برامج إيران النووية.
البند الثامن أن تتخلى إيران عن نهج الوكلاء ويرتبط به البند التاسع الخاص بوقف تمويل وتسليح الميليشيات في المنطقة، والبندان مطاطان لأنه يمكن الالتفاف عليهما. البند العاشر إبقاء مضيق هرمز مفتوحا من دون أي إغلاق، وهو شرط سهل طالما أن هناك وقفا لإطلاق النار واتفاقا للسلام. لكن طهران تطالب في ردها على الشروط الامريكية بأن يتحول هرمز إلى مضيق إيراني تدفع السفن المارة فيه رسوما لطهران.
البندان رقما 11و12 يطالبان بأن تكون الصواريخ الباليستية الإيرانية للدفاع فقط وتحديد حجمها ومداها، بحيث لا تصل إلى إسرائيل في كل الأحوال. وهذا البند هو الأصعب على الإطلاق لأنه لو قبلته إيران فسيعني ذلك أنها سوف تصبح مستباحة أمام إسرائيل وغيرها. البنود 13 و14 و15 في صالح إيران لإغرائها بقبول بقية البنود وتتحدث عن رفع جميع العقوبات المفروضة عليها ودعم تطوير برنامج نووي مدني في بوشهر وإلغاء تهديد إعادة فرض العقوبات تلقائيا "سناب باك".
المؤكد أن أمريكا تطرح الحد الأقصى من المطالب مثلما أن إيران تطرح شروطا صعبة أيضا من قبيل أن يصبح هرمز مضيقا إيرانيا فقط، وأن تعترف أمريكا بالعدوان على إيران وتدفع لها تعويضات. وبالتالي فالسؤال الجوهري هو: ما قدرة الوسطاء المصريين والأتراك والباكستانيين على ابتكار حلول وسط خلاقة تتيح لكل طرف أن يقول لشعبه إنه حقق الحد الأقصى من أهدافه؟
(الشروق المصرية)

