صحافة

هل سيصبح العراق ضحية صراع الآخرين؟

أمير المفرجي

المشاركة
هل سيصبح العراق ضحية صراع الآخرين؟

يرى الكثيرون أن العراق يُمثل البلد التائه والضائع في صراع الولايات المتحدة وإيران، وهو الصراع الذي يجري على أراضيه ويضعه على حافة طريق قد لا يحمد عقباه، ما قد يوقعه في مأزق خطير قد يصبح من الصعب معالجته، أو التنبؤ بما ستؤول إليه التداعيات القادمة، بعد أن اعتمد في بناء أسس نظامه السياسي الطائفي، إلى حد كبير، على العلاقة العقائدية التي تربطه بإيران، إذا أخدنا بعين الاعتبار حجم الاختلاف والتناقض الواضح في أهداف وأجندات القوى المتصارعة في ما يتعلق بمستقبل المنطقة، ناهيك من حجم التأثير المباشر للوجود الإيراني، الذي تدعمه روسيا والصين على الأمن القومي الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط، ما يجعل العراق صورة لأمة منقسمة وتائهة في صراع الآخرين، ويظهر في النهاية هذا البلد العريق، ككيان ضعيف ومغلوب على أمره بامتياز.

مع تصاعد الحملة العسكرية الأمريكية على إيران، بات العراق أشبه بضحية للصراعات الإقليمية والدولية، وأضحى عاجزا حتى هذه اللحظة، عن اختيار طريق واضح، قادر على قيادة شعبه نحو السلام الاجتماعي والازدهار الاقتصادي، في بلد أنهكته حروب الميليشيات الولائية، الهادفة إلى نشر ثقافة التوسع الأيديولوجي الفارسي، التي خلقت الاحتقان الطائفي والفساد، وساهمت في تفاقم مأساة سكّانه، وصراع الغرب الأمريكي وحليفته إسرائيل، في السعي لبسط النفوذ الإقليمي وتحجيم التفوق الصيني، ومن ثم إعادة رسم شكل وطبيعة الخريطة الجغرافية للشرق الأوسط، وعدم فسح المجال لتموضع نظام شيعي فارسي هدفه تقاسم النفوذ في المنطقة، الذي ترجمه تصريح نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانتشي.

الرفض الأمريكي لتقاسم النفوذ مع إيران حقيقة الهدف الرئيسي للسياسية التوسعية الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان، من خلال ما سمي بمصطلح "تصدير الثورة الإسلامية"، وإقامة ما سمي بالهلال الفارسي الشيعي المراد منه تقاسم إيران لبلدان الشرق الإسلامي مع إسرائيل والغرب، ما دفع وما زال يدفع نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، ومن خلال الأحزاب والميليشيات الولائية، العمل على تكرار إقامة كيان أشبه بالدولة الصفوية، وعلى غرار ما حدث في إيران في السادس عشر الميلادي على يد الشاه إسماعيل، من خلال نشر الإسلام السياسي المذهبي، وتجييره في تغيير المجتمع الإيراني السني، وفرض المذهب الشيعي على إيران، لأسباب وأهداف سياسية وأيديولوجية ، أملاً في إضعاف الدولة العثمانية وإعاقة توسعها في العالم العربي والإسلامي.

ما أدى إلى انقسام العالم الإسلامي إلى معسكرين: معسكر سني بزعامة الدولة العثمانية، ومعسكر شيعي بزعامة الدولة الصفوية، ليزيد من حدة انقسامات العالم العربي بصورة عامة وإضعاف العراق بصورة خاصة، بعد الانقسام الطائفي الكبير الذي فرضة الصراع الفارسي ـ العثماني على شعوب المنطقة، والذي أحسن قراءته المفكر الإيراني د. علي شريعتي بموضوعية في وصفه لهيكلة الدولة الصفوية، على إنها عبارة عن أيديولوجية لمزيج من الثقافة القومية الفارسية التوسعية والمذهب الإسلامي الشيعي، تدعو لإحياء التراث الوطني والاعتزاز بالهوية الإيرانية، وتفضيل العجم على العرب، وفصل الإيرانيين عن تيار النهضة الإسلامي المتسامح.

ونتيجة لهذا التطور الاجتماعي وخطورة تداعياته، وفي ظل الأحداث والتطورات التي توالت على العراق منذ 2003، عبر خطاب النظام الإيراني الرسمي لمواليه في العراق، عن إعادة لإحياء الأيديولوجية القومية التوسعية، وخطاب للكراهية والتحريض، وإثارة الخلافات الطائفية، بدلا من أن يكون خطاب الرسائل السماوية التي تحمل قيم العدل والرحمة ووحدة جميع المؤمنين.

لا شك في أن تحريف الأهداف الدينية وتحويلها إلى وسيلة سياسية للتسلط من خلال ربطها مع أهداف الاستراتيجية القومية الفارسية المبطنة بالعباءة الإسلامية، هو إساءة للعراقيين ومعتقداتهم المقدسة. كما إنها تمثل انحرافا عن أهداف ثورة العراقيين في إعادة بناء البلد منذ احتلاله، ونبذ التفرقة والانقسام، التي تروج لها الأحزاب الطائفية الحاكمة في بغداد، لتجييش الخلافات المذهبية، خدمة للمشروع القومي الإيراني، وأحلام ملالي قم وطهران التوسعية التي لا ناقة للعراقيين فيها ولا جمل.

في المقابل، ومع استمرار حدة الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، تتزايد التساؤلات وتكثر علامات الاستفهام حول خفايا التداعيات الحقيقية لطبيعة هذا الصراع، ومكانته على مستوى خريطة التحالفات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى الأهمية الكبيرة التي يبديها الجانب الأمريكي للتحالف الإبراهيمي، لبلورة خريطة جديدة للشرقِ الأوسط تُرسم ملامحها عبر بوابةِ "اتفاقيات إبراهام"، برعاية غربية واضحة تتجاوز حدودَ اتفاقية سايكس ـ بيكو لتطالَ إعادة تشكيل المنطقة، سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً، يرى كل من له بصيرة وطنية في رد الفعل الإيراني في توسيع نطاق الهجمات ليشمل مواقع وقواعد مرتبطة بالولايات المتحدة في العراق، وفي عدة دول الخليج العربي، على أنه الدليل الواضح لدفع اتساع رقعة المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي مفتوح قد يشمل العراق المتأثر والمغلوب على أمره.

ثمة من يرى أن مستقبل البلد ونظامه السياسي وسيادته، لم يعد شأنا داخليا يسيطر عليه العراقيون، في ظل غياب بوصلة وطنية، نتيجة لارتباط النظام السياسي المباشر بأجندات واشنطن وطهران، اللتين تتشاركان معا في الحرب في العراق، بعد تصاعد حدة الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الثيوقراطي في إيران، كونه يمثل صراع الاستراتيجيات وصراع المصالح، الذي لا يربطه أي رابط، مع الثقافة الوطنية الحريصة على وحدة التراب العراقي، الذي لم يُكتب ويُرسم أبداً على جدول أعمال الإدارات الأمريكية وملالي قم وطهران.

وفي خضم الصراعات والحروب التي تنفذها الأذرع الإيرانية التي نشهدها اليوم في العراق، ترجمت الأحداث الأخيرة في منطقة الخليج العربي استفزازا جديدا لاستقرار النظام الإقليمي، وخطراً على مستقبل السلام المجتمعي في الدول العربية المتعددة الطوائف والأديان، ما يفرض على العراق ضرورة العمل على تأقلم نظام سياسي وطني مع التغيرات القادمة الناتجة من انتهاء الدور الإيراني في حكم العراق، للوصول إلى إفشال إعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية لبلاد الرافدين، وعدم القبول بالأمر الواقع، الذي تفرضه شروط الفائز في هذه الحرب والتعامل بذكاء وبراغماتية مع "إدارة ترامب" للخروج من هذا الفخ الخطير حفاظاً على العراق ووحدة أهله وترابه، من خلال نظام وطني متماسك، وليس الكيان الضحية وكبش الفداء من تداعيات سقوط امبراطورية خميني، التي قسمت العراقيين بالطائفية الرثة، والخروج بسلام وثبات للحفاظ على تاريخه وحضارته من التغيرات القادمة في خرائط الشرق الأوسط الجديد التي رسمتها أجندات القوى العظمى.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن