صحافة

"المشهد اليوم".. المُفاوضاتُ الإيرانية تَتَعَثَّرُ وتَحذيراتٌ مِن "كارثةٍ نووية"!فرنسا تدعو إلى "مقاربةٍ سلميةٍ" لِفَتْحِ مَضيقِ هُرْمُز... ولبنانُ بَينَ تَعقيداتِ الداخلِ والتَّأَزُمِ الإقليمِي


فرق الطوارئ تعاين الدمار بعد سقوط صاروخ باليستي إيراني في منطقة صناعية بمدينة بتاح تكفا (الفرنسية)

تشتعلُ المنطقةُ بالنيرانِ مع انسدادِ فرصِ التفاوض، وتصاعد التهديداتِ والعملياتِ العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بينما التبعاتُ الاقتصادية تَتعاظَمُ والتحذيراتُ الأمميةُ تتزايدُ من مخاطر ما يجري على الأمنِ الغذائي وسلاسلِ الإمداد. لكن، لا يبدو أن لغةَ الدبلوماسية والحوارِ التي تتبناها بعضُ الدولِ، خصوصًا الأوروبيةَ منها، قادرةٌ على خلقِ معادلاتٍ جديدة. فالتعنّتُ الإيراني ورفضُ الحلولِ "الوسطية" يبدو سيدَ الموقف، في وقتٍ أوشكت فيه مهلةُ الرئيس الأميركي التي منَحها لطهران على النفاد، من دون أي تقاربٍ عملياتيٍ لعقدِ اتفاقٍ، ومن دون أي حلحلةٍ في مضيق هُرمز، الذي شهدَ ارتفاعًا ملحوظًا في عددِ السفنِ التي تمرُّ عبرَه لكن بموافقةٍ إيرانيةٍ بحتة. أما في دولِ الخليج العربي، فـ"بلغ السّيلُ الزّبى" بعد تضاعف هجماتِ النظامِ في طهران عليها، بهدفِ توجيه ضرباتٍ اقتصاديةٍ إليها وإجبارها على تكبُّد "فاتورة" مرتفعةٍ من الحرب الجارية، التي تؤكد عواصمُها أن "لا ناقة فيها لها ولا جمل".

وترسم هذه الصورةُ القاتمة مرحلةً جديدةً، إذ ستُنتِج هذه الحربُ وقائعَ مُغايرةً وترسم آفاقًا مختلفة، خصوصًا في علاقةِ إيران بجيرانها العرب الذين استجدّت عداءهم، ما سيزيد عُزلتَها، حتى وإن استطاعت إبرام تسويةٍ ما مع الإدارة الأميركية. وأمس السبت، بلغ التصعيدُ ذروتَه، إذ أفادت وزارةُ الكهرباء الكويتية بخروج وحدتين لتوليد الكهرباءِ عن الخدمةِ بعد تعرضهما لأضرارٍ ماديةٍ كبيرةٍ نتيجة هجماتٍ بمسيّرةٍ إيرانيةٍ، مشيرةً أيضًا إلى أضرارٍ جسيمةٍ في مجمعِ الوزارات، فيما أكدت مؤسسةُ البترول أن حريقًا اندلعَ في مجمعِ القطاع النفطي في الشويخ. أما الإمارات، فأعلنت وزارةُ دفاعِها عن التصدي لـ23 صاروخًا باليستيًا و56 طائرةً مُسيّرةً آتيةً من إيران، موضحةً أنها اعترضت، منذ بدء الهجمات يوم 28 شباط/فبراير الماضي، 498 صاروخًا باليستيًا و23 صاروخًا جوالاً و2141 طائرةً مسيّرةً، أسفرت عن مقتل 13 شخصًا وإصابة 217 آخرين. ولم يكن الوضع أفضلَ حالًا في البحرين، التي جددَّت إدانتها لاستهداف المنشآت المدنية والممتلكات الخاصة، واصفةً الأمر بـ"الانتهاكِ الصارخِ للقانونِ الدولي الإنساني وميثاقِ الأمم المتحدة"، مشدّدةً على أن هذه "الهجماتِ الآثمةَ العشوائية، تُمثّل تهديدًا مباشرًا للسلمِ والأمنِ الإقليميين". هذه الاستهدافاتُ وغيرها من "نقاشات الحرب"، كانت محطَ اهتمامٍ وبحثٍ خلال زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى العاصمة القطرية الدوحة، التي وصلتها قادمةً من المملكةِ العربيةِ السعودية، بعد زيارةٍ التقت خلالها وليَ العهدِ السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان. وفي كلتا الزيارتين، كانت تطوراتُ الأوضاعِ الإقليميةِ والدوليةِ وانعكاساتُها على حريةِ الملاحةِ الدولية وأمنِ إمداداتِ الطاقةِ في صميمِ المحادثاتِ، بينما دعا أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى تغليبِ الحوارِ السياسي والمسارِ الدبلوماسي، بوصفه الطريقَ الأمثلَ لاحتواءِ الأزمةِ الراهنةِ في الشرق الأوسط.

هذه الزيارةُ تعكسُ مدى القلقِ الأوروبي على أمنِ الطاقة، الذي يُعتبرُ اليوم الشغلَ الشاغل للدول الغربية، خصوصًا أنها تستورد معظَم احتياجاتِها النفطية من الدول الخليجية. في غضونِ ذلك، يَنشَط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، معتمدًا "سرديةً جديدةً" قوامُها "السلميةُ" في مواجهةِ الانتقاداتِ الأميركيةِ الحادةِ إلى بلادِه وإليه شخصيًا، كما إلى حلفِ شمالِ الأطلسي (الناتو)، الذي يمرُّ بمنعطفٍ خطيرٍ مع تهديدِ الرئيس ترامب بالانسحابِ منه، في خطوةٍ سيكونُ لَها الكثيرُ من الارتداداتِ والتداعيات – إن حَصلَت. فوفقَ ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" عن دبلوماسي ومسؤول أممي، أَحبَطت روسيا والصين وفرنسا محاولةً في مجلسِ الأمن لتسهيلِ عملٍ عسكريٍ ضد إيران، معلنةً معارضتها أي صيغةٍ تسمحُ باستخدامِ القوة. وتعكسُ هذه الخطوةُ رغبةَ باريس في إيجادِ حلٍ قانونيٍ وعملي، يَضمن مرور السفنِ التجاريةِ من دون مواجهاتٍ عسكريةٍ، ويحمي المصالحَ الأوروبيةَ في الخليج، ما عَكَسته تصريحاتُ ماكرون نفسه، حين دعا إلى تشكيلِ "طريقٍ ثالثٍ" تَقودُه "القوى المتوسطة" لمواجهةِ ما وصفَه بـ"هيمنة الولايات المتحدة والصين"، خلالَ جولةٍ آسيويةٍ شَمَلت كوريا الجنوبية واليابان. وبعد أقل من يومٍ واحدٍ على تصريحاتِه، عبرت سفينةُ الحاوياتِ الفرنسية "كريبي" مَضيق هُرمز، لتكون السفينةُ الأوروبيةُ الأولَى التي تعبرُ المضيقَ منذ إغلاقِه نتيجةَ الحربِ على إيران.

الرفضُ الأوروبي للتورّطِ في الصراعِ الدائرِ يُقابلُه، على الضفةِ الأخرى، الوعيدُ الأميركي بـ"جحيمٍ عظيم". إذ أكّد الرئيسُ الأميركي أن مهلةَ الأيامِ العشرة التي كان منحها لإيران الشهر الماضي تنفد، وذلك بعد الإعلانِ عن فشلِ جهودِ الوساطةِ التي كانت تَقُودُها دولٌ إقليميةٌ عدة، وعلى رأسِها إسلام آباد والقاهرة وأنقرة. في حين كَشفَت مصادر لصحيفةِ "وول ستريت جورنال" أن قطر "غيرُ مهتمةٍ" بالقيامِ بدورِ الوسيطِ الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرارِ الهجماتِ الإيرانية على دولِ الخليج. وبحسبِ الصحيفةِ عينِها، فإن إيران أَبلغَت الوسطاءَ رسميًا أنها "غير مستعدة للقاء مسؤولين أميركيين في العاصمة الباكستانية خلال الأيام المقبلة"، وأنها "تعتبرُ مطالبَ واشنطن غيرَ مقبولةٍ". ويَسعَى نظامُ الثورةِ الإسلاميةِ إلى بلورةِ اتفاقٍ نهائيٍ وشاملٍ، والحصولِ على ضماناتٍ لمنع عودةِ الحرب، بينما تتمسَّك بشروطِها العاليةِ السقفِ، وتهدّدُ بتكثيفِ عملياتِها في حال استُهدِفَت منشآتُها الحيوية، لا سيما الخاصة بالطاقة. إلى ذلك، حذّرَ وزيرُ الخارجيةِ الإيراني عباس عراقجي من أن السقوطَ الإشعاعي الناجمَ عن الهجماتِ المستمرةِ على محطةِ بوشهر للطاقةِ النوويةِ "سيقضي على الحياة" في عواصمِ المنطقة، وليس في طهرانَ، متهمًا الحكوماتِ الغربيةَ بالصمتِ تجاه الهجماتِ المتكرِّرة على المحطة. وجاءت تصريحاتُه بعد وقوعِ هجومٍ رابعٍ على مجمع بوشهر أمس السبت، من دون الإبلاغِ عن أي زيادةٍ في مستوياتِ الإشعاع، وفقًا لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

تزامنًا، خَاضَت الولايات المتحدة وإيران سباقًا للعثورِ على أحدِ الطيارَين اللذين تحطّمت طائرتهما داخل الأراضي الإيرانية، منذ يومِ الجمعة، بعد إنقاذِ قواتٍ أميركيةٍ خاصة زميلَه في وقتٍ سابق. وأعلن الرئيس ترامب صباح اليوم، العثور عليه في عمليةٍ وَصفَها بأنها "واحدةٌ من أجرأِ عملياتِ البحث والإنقاذِ في تاريخِ الولايات المتحدة". ويأتي ذلك بعد الغموض الذي لفََّ مكانَ وجودِه، إزاء الصمت الإيراني التام الذي لم يَخرقهُ سوى تصريح "يتيم" نشرته وكالة "تسنيم" فجر الأحد، نقلًا عمّن وصفته بمصدرٍ عسكري، لم تسمّه، قال فيه إن "إيران لن تعلن عما إذا كان الطيارُ في قبضتِها من عدمه". والكشفُ عن مصيرِ الطيارِ لا يقلّ أهميةً عن تحديدِ كيفيةِ إسقاط طهران مقاتلتين أميركيتين فوقَ أراضيها، في وقتٍ يتزايدُ فيه الحديث عن دعمٍ روسيٍ "سري"، وإمكانيةِ تزويدِ النظام الإيراني بتقنياتٍ ومنظوماتٍ حديثة، على الرغم من رفضِ موسكو ذلك جملةً وتفصيلًا. وفي غضون ذلك، برزَ تصعيدٌ إسرائيليٌ في استهدافِ منشآتِ البتروكيماويات داخل إيران، إذ طَالت الضرباتُ مواقعَ في ماهشهر وبوشهر ومناطق أخرى، في مؤشرٍ على انتقالِ العملياتِ من مرحلةِ "التجريد" إلى "التعطيل" للبنيةِ الصناعية. وتَهدفُ تل أبيب اليوم إلى توجيهِ ضرباتٍ قاصمةٍ للاقتصاد الإيراني، إذ أفاد مسؤولون أمنيون بأن إسرائيل أعدّت قائمةَ أهدافٍ لضربِها في الأسابيعِ المقبلة، ومن بينها البنيةُ التحتيةُ الوطنية والجسور، بالإضافة إلى أهدافٍ لم تتعرّض لهجماتٍ كثيرةٍ حتى الآن، مثل منشآت الطاقة والنفط.

وتنتظر إسرائيل "الضوء الأخضر" من الإدارةِ الأميركيةِ للمباشرةِ في استهدافِ هذه المواقع الحيوية، بينما تُواكب المزيدَ من الهجماتِ الإيرانيةِ عليها، وسطَ خروجِ المئات من المتظاهرين إلى الشوارعِ في تل أبيب، مطالبين بوقفِ الحربِ فورًا على جبهتي لبنان وإيران، ومشككين في مبرراتِ الحكومةِ وفي أداءِ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. فعلى الرغم من القيودِ الأمنيةِ الصارمة التي فَرضتهَا قيادةُ الجبهةِ الداخليةِ الإسرائيلية على التجمعاتِ العامة لأسبابٍ أمنية، ضمن تصاعد التوتر في عمق الأراضي الإسرائيلية، استطاع هؤلاء التجمهر رفضًا لاستمرار الحرب وانعكاساتِها. وأعلنت إيران، خلال الساعات الماضية، عن استهدافِ مواقعَ عدة في إسرائيل، من بينها وزارةُ الدفاع في تل أبيب ومطار بن غوريون بالصواريخ والطائرات المُسيّرة. كما نشر "الحرس الثوري" الإيراني بياناتٍ، أشار فيها إلى استهدافِ مواقعَ في بني براك وبيتاح تكفا وتل أبيب وكريات شمونة بصواريخ "قدر" ذات الرؤوس العنقودية. وتفرض إسرائيل تعتيمًا شديدًا على كل ما يتعلق بالخسائرِ الناجمةِ عن سقوطِ صواريخ تطلقها إيران. يحدُث كل ذلك، وسطَ تفاقمِ المعاناةِ البشريةِ وتزايد سوءِ الأوضاع الاقتصادية، فأرقام الضحايا الإيرانيين غير واضحة كما أعداد النزوح. إذ يعاني الاقتصادُ الإيراني من عقوباتٍ منذ ما قبل الحرب، فيما يشدّدُ النظامُ قبضتَه، ويعلن القبضَ على المزيدِ من "العملاء" والجواسيس"، وينفذ أحكامَ الإعدامِ وسطَ غيابِ المحاكمات العادلة، وآخرهم مراهقٌ في الثامنة عشرة من عمره، يُدعى أمير حسين حاتمي كان أُدينَ على خلفيةِ احتجاجاتِ كانون الثاني/ینایر الماضي.

وهؤلاء الضحايا ليسوا مجرد أرقامٍ تُدوَّن، بل هم يُجسّدون الواقع، وسطَ حديثٍ عن تزايدِ العسكرةِ داخل نظامِ الثورةِ الإسلامية، كمحاولةٍ للرّدِ على ما تتعرض له البلاد. يجري ذلك في ظلِّ تضييقِ الخناقِ على الإيرانيين في الولايات المتحدة، إذ أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن توقيفِ ابنة شقيقة القائد السابق في "الحرس الثوري" الإيراني، اللواء قاسم سليماني، حميدة سليماني أفشار وابنتها، على الرغم من نفي العائلة أي صلة بهما. وتأتي هذه الاعتقالات كجزءٍ من حملةٍ أوسع تستهدف الأفرادَ المرتبطين بالقيادة الإيرانية، من إلغاء إقاماتهم ومنع دخولهم إلى البلاد. وتزامنت هذه التطورات المتسارعة مع استمرارِ إغلاقِ مَضيقِ هُرمز واستخدامِه كورقةَ ضغطٍ لإبقاء أسعار الطاقة مرتفعةً. وتتضارب المعلومات بشأن إمكانية شنّ الولايات المتحدة عمليةً بريةً "محددةً"، على الرغم من التحذير من تكاليفها الباهظة، في وقتٍ برز فيه معطىً جديدًا مع مرور 37 يومًا من الحرب، تمثل في إعلان المتحدث باسم "مقر خاتم الأنبياء" العسكري الإيراني إبراهيم ذو الفقاري استثناء العراق من القيود المفروضة في المضيق الاستراتيجي. واعتبر أن "التطورات الحالية "يمكن أن تهيئ للعراق فرصةً تاريخيةً لإنهاءِ الوجودِ الأميركي المفروض على أراضيه وتحقيق أمنٍ مستدام". وليست هذه الخطوة مجرّد تفصيلٍ ثانوي، بل تؤكد محاولة طهران إبقاء الأمور ضمن نطاق سيطرتها، خصوصًا أن العراق بدأ يبحث عن خياراتٍ بديلةٍ بعد الإغلاق، وفداحةِ الخسائر الاقتصادية. في إطارٍ متصلٍ، تَعرّضَ منفذُ الشلامجة الحدودي مع إيران، يوم السبت الماضي، لهجومٍ جويٍ أسفرَ عن مقتلِ وإصابة عددٍ من الأشخاص، وأوقفَ حركةَ التجارةِ والسفر عبره إلى إيران، وسطَ ترجيحاتٍ بأن تسعى واشنطن إلى عزل البلدين عن بعضهما عبر قطع المعابر، في محاولةٍ، على ما يبدو، لقطعِ عبور بعض قوافلِ الدعمِ اللوجيستي من قبل الفصائل الموالية لطهران.

وتتسع رقعةُ المواجهة إقليميًا مع ربط طهران ساحاتها بعضها ببعض، إذ يتكرّر الحديث عن هجماتٍ متزامنةٍ من إيران ولبنان واليمن، الذي دخل الحرب من بابها العريض بعد نحو شهرٍ على اندلاعها، في مؤشرٍ واضحٍ على إبقاءِ تهديدِ مضيق باب المندب والبحر الأحمر قائمًا وزيادة "أوراق التفاوض". ميدانيًا، أعلنت جماعة الحوثيين تنفيذَ عمليةٍ عسكريةٍ خامسة، بهدفِ دعمِ ومساندةِ "محور الجهاد والمقاومة". وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة العميد يحيى سريع، إن هذه الجولة الهجومية نُفّذَت بالاشتراك مع "الحرس الثوري" والجيش الإيراني و"حزب الله" في لبنان، لافتًا إلى أنها حققت أهدافها بنجاح، من دون تقديمِ تفاصيلَ إضافية بشأن حجمِ الخسائرِ أو طبيعةِ الأهداف التي دُمرت. ويَنعكس تشابك الجبهات على لبنان، وسط تصاعدِ العدوانِ الإسرائيلي بوتيرةٍ غير مسبوقة، مع انتقال الاستهداف من خطوط المواجهة التقليديّة إلى البنية التحتية الحيوية، في محاولةٍ لعزلِ المناطق، وضرب مقوّمات الحياة اليومية. وتتعاظم التحذيرات من اتساع رقعةِ الحرب وتَفاقُم كلفتها الإنسانيّة، مع ارتفاعِ أعدادِ الضحايا والجرح والنازحين، وانعكاسات ذلك على الدورةِ الاقتصادية، وسطَ ارتفاعٍ مطردٍ في الأسعار، وغياب أيّ مبادراتٍ أو وساطات. فالدولُ "منغلقةٌ" على همومها اليومية، وتحاولُ الحدَّ من الخسائِر التي تتكبدها على مختلف الصعد، فيما الجبهة اللبنانية "متروكةً لقدرها" وسطَ تعقيداتٍ داخليةٍ تزيد الوضعَ تأزمًا. وفي تفاصيلِ الحرب، شنّ جيشُ العدو غاراتٍ مكثّفةٍ طَاوَلت مناطقَ واسعة في جنوب لبنان والبقاع والضاحية، مدمرًا جسرين رئيسيّين فوقَ نهر الليطاني.

هذا ووجّه تحذيرًا عاجلًا إلى جميع الموجودين في منطقة معبر المصنع على الحدود السوريّة - اللبنانيّة لإخلائها تمهيدًا لقصفها، في خطوةٍ تعكس ضغطًا متزايدًا ومحاولةَ فرضِ حصارٍ بري، إذ تعتبر هذه النقطة شريانًا حيويًا ورئةً اقتصاديةً مهمة. في المقابل، بَرزَت مؤشراتٌ إضافيةٌ على اتساعِ دائرةِ التوتر، مع تحذيرِ السفارة الأميركية في لبنان من احتمالِ استهدافِ جامعاتٍ، وسط تهديداتٍ متبادلةٍ تمثّل تصاعدًا خطيرًا في المشهدِ الإقليمي. أما في الجنوب، فالاشتباكاتُ البريةُ على حالِها، وسطَ محاولةِ الاحتلال فرض منطقةٍ عازلةٍ وتغييراتٍ جذريةٍ ديمغرافيًا وسياسيًا. وفي هذا السياق، يكشف مصدر مطلع أن "إسرائيل تسعى إلى إعادة احتلال 18 موقعًا استراتيجيًا كانت تُسيطر عليها قبل عام 2000. والهدف ليس الانتشار الواسع، بل فرض إشراف ناري شامل يسمح بالتحكم في الميدان من دون تمركز دائم، لتُصبح السيطرة بالنار بديلًا عن السيطرة المباشرة على الأرض". من جِهتِها، دَعت إندونيسيا مجلسَ الأمنِ إلى فتحِ تحقيقٍ عاجلٍ في الهجماتِ المتكررةِ ضد قوات "اليونيفيل"، بعد إصابةِ 3 من أفرادِها، في انفجارٍ وقعَ في منطقةِ العديسة في جنوبِ لبنان.

وفي نظرةٍ على ما يجري سياسيًا وميدانيًا، تناولت الصحف العربية الصادرة اليوم المواضيع الآتية:

رأت صحيفة "الغد" الأردنية أن "تداعيات الحرب الحالية، باتت عالمية على المستوى الاقتصادي، من حيث التأثير على أسعار النفط والغاز وتدفق التجارة والسلع، وكلف الإنتاج، والملاحة، وتداعيات الحرب وصلت الدول العربية، وأوروبا والصين وروسيا وبقية دول العالم التي تتضرر الآن من كلفة الحرب الاقتصادية، والذي يعنيه ذلك على استقرار الدول". وعتبرت أن "نقطة التحول في هذه الحالة سترتبط بعدم حسم الحرب عسكريًا إذا تحولت من حرب أميركية إسرائيلية ضد إيران، إلى حرب أميركية إسرائيلية بشراكة تحالف دولي له أهدافه التي قد تكون مختلفة جزئيُا، وعدم الحسم العسكري، وهو أمر محتمل، سيؤدي إلى توسع رقعة الحرب، واعتداء الدول على بعضها البعض، واللجوء إلى الأسلحة المحرمة دوليًا..".

بدورها، أشارت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أن "لا المنطقة ولا العالم يستطيع تحمّل كُلفة الحرب المستمرة، اقتصاديًا وسياسيًا. فمع تجاوزها شهرها الأول، ليست هناك مؤشرات واضحة على متى وكيف ستكون نهايتها، والخشية أن تنتهي إلى نتيجة غير حاسمة، ووضع قادم أشد قلقًا واضطرابًا من وضع الحرب، لا سيما وتصريحات الرئيس دونالد ترمب تتغير أولوياتها كل يوم تقريبًا، وقد تصل حد التناقض في مضامينها". وقالت إن "الأحداث بدأت تتعقد، طائرات حربية أميركية بدأت تتساقط في إيران، والحديث عن إشراك قوات أميركية على الأرض ما زال حاضرًا، فهل ستكفي الأسبوعان أو الثلاثة لإنهاء حرب تتعقد كل يوم. عيون الدول الكبرى الأخرى كالصين وروسيا مفتوحة على المشهد وتراقب الوضع، ولا نعلم متى أو كيف ستتعاطى معه إذا ساءت الأمور؟".

الأمر عينه كان محط نقاشٍ في افتتاحية صحيفة "الخليج" الإماراتية، التي أكدت أن "التصعيد العسكري الجاري كان أسوأ السيناريوهات المتوقعة على مدى سنوات طويلة، لأنه لا يخدم مصلحة المنطقة، وليست له من أهداف سوى إشاعة الفوضى في الإقليم كله، ومحاولة إعادة رسم خرائطه ونقله إلى مرحلة متزعزعة على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، ضمن مخطط خبيث تلتبس فيه النوايا والأهداف لفرض واقع جيوسياسي جديد يتنافى مع تطلعات الشعوب". وشددت على أن "هذه الحرب، طالت أم قصرت ستنتهي، وستبقى تداعياتها ودروسها أمدًا طويلًا، وستفرض على دول المنطقة، وخصوصًا دول الخليج العربية، قناعات جديدة تتصل بالأمن والعلاقات والتحالفات، كما ستفرض مراجعة شاملة للعلاقة مع الجار الإيراني الذي لم يرعَ حق الجوار ورابطة الدين والتاريخ المشترك، ولن يكون لديه مجال لاجترار سرديته القديمة ولا اختلاق تبريرات لاعتداءاته التي لم تترك مساحة للعذر ولا فرصة لقبول الاعتذار، فما جرى في هذه الحرب لا يغتفر، ولا يمكن التجاوز عنه".

أما صحيفة "الوطن" القطرية، فلفتت إلى وجود تساؤلات جدّية حول "مصير احتمالات المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وحدود ارتباطها بأي تسوية متوقعة بين واشنطن وطهران. فالاحتمال الأول يتمثل في أن تكتفي إيران بوقف النار مع الولايات المتحدة، من دون أن تُدرج الساحة اللبنانية ضمن التفاهمات، والثاني يقوم على إمكانية إصرار إيران على ربط أي اتفاق لوقف النار مع الولايات المتحدة بتهدئة شاملة تشمل لبنان وبقية الحلفاء في المنطقة.هذا السيناريو يمنح حزب الله مظلة سياسية جديدة، ويخفف الضغط العسكري المباشر عنه". وخلصت للقول إنه "من المؤسف أن يبقى لبنان ساحة شديدة التأثر بالصراعات التي تحوله إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين، وبالتالي فإن مصيره وخياراته لا تُحسم داخلياً، بقدر ما تكون ورقة على طاولة التفاوض بين الأطراف الخارجية".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن