أصبح مضيق هرمز رمزا لتحولات كبرى، فالمضيق هو صمام 20% من نفط وغاز العالم، بإغلاقه تضطرب الأسواق، وترتفع الأسعار، وتنهار شركات وبورصات، وتظلم مدن ومصانع، وتنهار تحالفات وتنشأ أخرى، وتسقط عقوبات اقتصادية، ومحاولة فتحه بالقوة يمكن أن تكون لها نتائج خطيرة للغاية .. المضيق يتحكم في الخليج وما به من موانى نفط وغاز لكل من إيران في الشرق و6 دول عربية في الغرب هي سلطنة عمان والإمارات والسعودية والبحرين وقطر والعراق. وفي خضم الحرب على إيران من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، أغلقت إيران المضيق، ومنعت مرور سفن الشحن سوى للدول الصديقة.
سيطرة القوات الإيرانية على المضيق وضعت الولايات المتحدة في مأزق صعب، فالقدرة على فتح المضيق بالقوة مغامرة خطيرة، لأن الإنزال البحري يعرض القوات للألغام والغواصات المسيرة والقصف بالطائرات المسيرة والصواريخ المتربصة في الكهوف الساحلية، وعند الإنزال ستجد قوات برية إيرانية تنتظر الالتحام بالقوات الأمريكية، مما سيكبدها خسائر يصعب احتمالها. أما خيار انسحاب القوات الأمريكية، وإعلان ترامب الانتصار دون تحقيق الأهداف التي أعلنها في بداية الحرب فلن يكون مقنعا، وسيعد هزيمة لأكبر قوة عسكرية في العالم.
كان الرئيس ترامب قد طلب من حلف الناتو المشاركة في فتح مضيق هرمز، ورفضت دول الحلف الطلب الأمريكي، ليصفهم ترامب بأنهم جبناء وضعفاء وأنه لا يحتاجهم، وذهب بعيدا ووجه انتقادات لحلف الناتو، ووصفه بأنه "نمر من ورق"، وأنه يدرس بجدية الانسحاب من الحلف، ولم تفلح جهود ترامب في دفع أي دولة من الحلف للانضمام إلى الحملة الأمريكية، بل تلقى انتقادات من عدة رؤساء، أبرزهم الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي وصف العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران بأنها لن تحقق أي جدوى، وأشار ترامب عن تدمير البرنامج النووي لإيران في حرب الـ12 يوما. ويتسع الشقاق بين طرفي الأطلسي مع منع أربع دول أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وسويسرا وإيطاليا الطائرات العسكرية الأمريكية من عبور مجالها الجوي، ليكون بمنزلة لطمة قوية للعلاقة بين أمريكا وأوروبا.
وامتدت آثار إغلاق مضيق هرمز لتلقي بظلالها على الحرب الأوكرانية، فقد حققت روسيا مكاسب هائلة من إغلاق المضيق بعد أن أصبحت أهم مورد للغاز والنفط في العالم، وارتفعت عوائدها بمعدل كبير، وتحطمت المقاطعة للصادرات الروسية، وليس النفط والغاز فقط، بل الأسمدة والبتروكيماويات التي ارتفع الطلب العالمي عليها، وعلى جانب آخر وجهت الولايات المتحدة إنتاجها من الأسلحة إلى الحرب على إيران، لتفقد أوكرانيا أهم مورد للسلاح، وقلصت أوروبا دعمها المالي لأوكرانيا بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز، لتصبح روسيا أكبر المستفيدين من إغلاق المضيق، وتبحث دول أوروبا التوجه نحو روسيا للحصول على الغاز والنفط والأسمدة، بما يحرم الرئيس الأوكراني زلينيسكي من معظم الموارد، بما يجعله في موقف صعب وضاغط ليجبره على الاستجابة لمطالب روسيا ووقف الحرب، وهذه واحدة من أهم التحولات الناجمة عن إغلاق المضيق.
أما المحطة الأهم فهي ما ستفعله الولايات المتحدة، وهل ستقدم على المضي في الحرب؟ جاء خطاب الرئيس الأمريكي ترامب شديد الالتباس، وتحدث عن الإنجازات التي حققها في الميدان وأنه حقق أهدافه، ودمر معظم إيران، بما قد يشير إلى احتمال تراجعه عن خوض حرب برية، لكن ما يحدث على الأرض كان عكس ذلك، فالمعدات القتالية من حاملات طائرات وسفن وطائرات متخصصة في الحروب البرية، واستقدام قوات من شرق آسيا لتشارك في العملية البرية ظل يسير على قدم وساق رغم تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة توشك على الانتهاء من مهامها.
وكان قرار وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث بإقالة رئيس أركان القوات البرية راندي جورج مؤشرا على المضي في العملية البرية، رغم المخاطر الكبيرة التي يبدو أن راندي جورج اعترض على المخاطرة بعملية برية. وأنهت القوات الأمريكية استعدادها لتلك المعركة البرية التي يرى الرئيس ترامب أنها ضرورية قبل التوصل إلى اتفاق، وستكون ورقة الضغط لانتزاع تنازلات من إيران، وإجبارها على تنفيذ بعض الشروط، وعلى رأسها فتح المضيق، غير أن المخاوف كبيرة من نتائج تلك الحرب، التي ستودي بعدد كبير من أرواح الجنود، مهما نفذت القوات الأمريكية من عمليات تمشيط بالنار للسواحل والجزر المستهدفة، فالالتحام البري سيؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من القوات الأمريكية، وستكون معركة مضيق هرمز من أبرز وأهم المعارك، التي ستصبح رمزا للتحولات الكبرى التي ستشهدها المنطقة والعالم.
(الأهرام المصرية)

