صحيحٌ أنّ الحَرْبَ هِيَ السَّبَبُ المُباشِرُ لِتَضَرُّرِ مِصْرَ مِنِ ارْتِفاعِ أَسْعارِ النَّفْطِ وَالْغاز، إِلّا أَنَّ ذَلِكَ عائِدٌ لِسوءِ إِدارَتِها لِمَلَفِّ هَذا القِطاعِ مُنْذُ سَنَواتٍ طَويلَةٍ عِنْدَما تَمَّ تَصْديرُ النَّفْطِ في ثَمانينِيّاتِ وَتِسْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي بِأَبْخَسِ الأَسْعارِ التي كانَتْ في أَدْنى مُسْتَوَياتِها خِلالَ الفَتْرَةِ مِنْ عام 1986 حَتّى عام 1999، وَذَلِكَ على الرَّغْمِ مِنْ مَحْدودِيَّةِ الِاحْتِياطِيِّ الْمِصْرِيِّ الذي كانَ مِنَ الضَّرورِيِّ السَّحْبُ مِنْهُ لِلِاسْتِهْلاكِ المَحَلِّيِّ فَقَط.
منافع نفطية كبيرة يمكن تبادلها بين مصر والسعودية والعراق والكويت
النَّتيجَة، هِيَ أَنَّ احْتِياطِيَّ مِصْر مِنَ النَّفْطِ يَبْلُغُ حالِيًّا 2,9 مِلْيار بَرْميلٍ فَقَط. وَبِالتّالي فَإِنَّ أَيَّ تَحْسينٍ لِوَضْعِ مِصْر النَّفْطِيّ، يَرْتَبِطُ بِقِيامِها بِدَوْرٍ إِقْليمِيٍّ وَحَتّى عالَمِيٍّ لِاسْتيرادِ وَتَكْريرِ النَّفْطِ وَإِعادَةِ تَصْديرِه، وَمِصْرُ لَدَيْها فُرْصَةٌ اسْتِثْنائِيَّةٌ لِاسْتيرادِ النَّفْطِ الرّوسِيِّ وَتَكْريرِهِ وَإِعادَةِ تَصْديرِه، وَاسْتيرادِ النَّفْطِ السُّعودِيِّ الذي يُصَدَّرُ عَبْرَ خَطِّ "شَرْق – غَرْب" لِلْغَرَضِ نَفْسِهِ خاصَّةً في ظِلِّ التَّعَطُّلِ الجُزْئِيِّ لِإِنْتاجِ الخامِ وَالمُنْتَجاتِ بِسَبَبِ تَداعِياتِ الحَرْب.
وَحَتّى بَعْدَ صَمْتِ المَدافِعِ عَلَيْها أَنْ تَقومَ بِذَلِكَ وَأَنْ تَمُدَّ البَصَرَ وَالأُفُقَ إلى فِعْلِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّفْطِ العِراقِيِّ وَالكُوَيْتِيِّ عَبْرَ طَرْحِ مَشْروعاتٍ لِنَقْلِهِ إلى مَوانِئِ مِصْرَ عَبْرَ السُّعودِيَّة، لِتَكْريرِهِ وَإِعادَةِ تَصْديرِه، أَوْ حَتّى لِتَصْديرِهِ في صورَتِهِ الخامِ بَعيدًا عَنِ الخَليجِ المُلتْهِبِ بِنيرانِ الحُروبِ وَالتَّوَتُّراتِ شِبْهِ الدّائِمَة.
وَهَذا التَّصَوُّرُ المُسْتَقْبَلِيُّ يَعْتَمِدُ على تَوَفُّرِ الإِدْراكِ وَالإِرادَةِ لَدى الدُّوَلِ الأَرْبَعِ (مِصْرَ وَالسُّعودِيَّةِ وَالعِراقِ وَالكُوَيْت) لِلْمَنافِعِ الكَبيرَةِ التي يُمْكِنُ تَبادُلُها عَبْرَ هَذا التَّعاوُن.
خَطَأُ تَصْديرِ الْغازِ وَخَطيئَةُ الِاسْتيرادِ مِنَ الكِيانِ الصُّهْيوني
ارْتَكَبَتْ حُكوماتُ مُبارَك خَطَأَ تَصْديرِ الْغازِ الطَّبيعِيِّ على غِرارِ ما حَدَثَ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّفْطِ بِالضَّبْط. وَكانَ الأَمْرُ الحاكِمُ في ذَلِكَ هُوَ قِصَرُ النَّظَرِ وَالبَحْثُ عَنْ حُلولٍ لِأَزْمَةِ العَجْزِ التِّجارِيِّ بِصورَةٍ لا تَتَّسِمُ بِأَيِّ ذَكاءٍ وَلا تَحْتَرِمُ حُقوقَ الأَجْيالِ المُتَعاقِبَةِ في ثَرَواتِ الوَطَن.
وَيَبْلُغُ احْتِياطِيُّ مِصْر مِنَ الغازِ حالِيًّا نَحْوَ 2209 مِلْيارات مِتْرٍ مُكَعَّب. وَبَلَغَ حَجْمُ إِنْتاجِ مِصْر مِنَ الْغازِ نَحْوَ 57,1 مِلْيارِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ عام 2023، مُتَراجِعًا عَنْ مُسْتَواهُ البالِغِ 67,8 مِلْيارِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ عام 2021. وَتُثارُ التَّساؤُلاتُ حَوْلَ أَسْبابِ هَذا التَّراجُع: هَلْ تَضَرَّرَتِ الحُقولُ بِسَبَبِ تَجاوُزِ مُعَدَّلاتِ الِاسْتِخْراجِ لِلْمُعَدَّلاتِ المُمْكِنَةِ عَمَلِيًّا وَعِلْمِيًّا، أَمْ تَراجَعَ الإِنْتاجُ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ بَعْضِ الشَّرِكاتِ العامِلَةِ في هَذا المَجالِ لِعَدَمِ حُصولِها على مُسْتَحِقّاتِها، أَمْ تَضَرَّرَتْ لِلأَمْرَيْنِ مَعًا؟ الإِجابَةُ عِنْدَ الحُكومَة، لَكِنَّ النَّتيجَةَ أَنَّ التِّجارَةَ الخارِجِيَّةَ في النَّفْطِ وَالغازِ التي حَقَّقَتْ فائِضًا بَلَغَ 4,4 مِلْياراتِ دولارٍ عام 2021/2022، تَحَوَّلَتْ إلى العَجْزِ الذي بَلَغَ نَحْوَ 7,7 مِلْياراتِ دولارٍ عام 2023/2024، وَنَحْو 13,9 مِلْياراتِ دولارٍ عام 2024/2025.
الطاقة الشمسية تُـمَـكّن مصر من تقليل الاعتماد على النفط والغاز في توليد الكهرباء
وَهَذا التَّراجُعُ في حَجْمِ الإِنْتاجِ الذي أَصْبَحَ أَقَلَّ مِنَ الِاسْتِهْلاكِ المَحَلِّيّ، أَدّى إلى لُجُوءِ مِصْرَ إلى اسْتيرادِ الْغازِ مِنَ الكِيانِ الصُّهْيونِيِّ الذي يَنْهَبُ ثَرَواتِ الغازِ التي تَخُصُّ فِلَسْطينَ المُغْتَصَبَةَ عام 1948، وَيَعْتَدي على حُقوقِ غَزَّة وَلُبْنان وَحَتّى مِصْر نَفْسِها في مَجالِ اسْتِخْراجِ الْغازِ مِنَ البَحْرِ المُتَوَسِّط!
وَتُقَدِّمُ الطَّبيعَةُ لِمِصْرَ حَلًّا نَظيفًا وَصَديقًا لِلْبِيئَةِ هُوَ تَوْليدُ الكَهْرَباءِ مِنَ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، حَيْثُ إِنَّ مُتَوَسِّطَ مُعَدَّلِ السُّطوعِ وَدَرَجاتِ الحَرارَةِ وَزَاوِيَةِ مَيْلِ الشَّمْس، تَمْنَحُ لِمِصْرَ إِمْكانِيَّاتٍ هائِلَةً لِتَوْليدِ الكَهْرَباءِ مِنَ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، بِما يُمَكِّنُها مِنْ تَقْليلِ الِاعْتِمادِ على النَّفْطِ وَالغازِ في تَوْليدِها.
خَسائِرُ حِسابِيَّةٌ في البورْصَةِ وَارْتِفاعُ أَسْعارِ الأَسْمِدَةِ بَيْنَ تَضَرُّرِ الزِّراعَةِ وَخَطايا الخَصْخَصَة
مِنَ الطَّبيعِيِّ أَنْ تَضْطَرِبَ الحَرَكَةُ في البُورْصَةِ المِصْرِيَّةِ تَحْتَ تَأْثيرِ العَوامِلِ المَعْنَوِيَّةِ وَضَبابِيَّةِ التَّوَقُّعاتِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ وَارْتِفاعِ دَوالِّ التَّكْلِفَةِ وَالتَّراجُعِ المُحْتَمَلِ في أَرْباحِ الشَّرِكاتِ بَعْدَ ارْتِفاعِ أَسْعارِ النَّفْطِ وَالْغاز. لَكِنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرابَ مُؤَقَّتٌ، وَالخَسائِرَ في أَسْعارِ الأَسْهُمِ حِسابِيَّةٌ طَالَما لَمْ تَتَضَرَّرِ الأُصولُ التي يَتِمُّ تَداوُلُ أَسْهُمِها. وَيُمْكِنُ لِلْبورْصَةِ المِصْرِيَّةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى بورْصَةٍ جاذِبَةٍ لِاسْتِثْماراتِ الحافِظَة (غَيْرِ المُباشِرَة) الهارِبَةِ مِنَ الأَسْوَاقِ الخَليجِيَّةِ وِفْقًا لِكَفاءَةِ إِدارَتِها وَلِما يُمْكِنُ أَنْ تُقَدِّمَهُ مِنْ طُروحاتٍ وَاكْتِتاباتٍ مُغْرِيَة، وَضَوابِطَ تَحْمي صِغارَ المُسْتَثْمِرين.
أَمّا القِطاعُ الزِّراعِيُّ فَسَوْفَ يَتَضَرَّرُ مِنِ ارْتِفاعِ أَسْعارِ الأَسْمِدَة، بِما يَفْتَحُ مَلَفَّ التَّفْريطِ عَديمِ الكَفاءَةِ في شَرِكاتِ الأَسْمِدَةِ المِصْرِيَّةِ بِبَيْعِ حِصَصٍ كَبيرَةٍ فيها لِلْإِماراتِ وَالسُّعودِيَّة. كَما أَنَّ ارْتِفاعَ أَسْعارِ المُنْتَجاتِ النَّفْطِيَّةِ سَوْفَ يُؤَثِّرُ سَلْبِيًّا على ذَلِكَ القِطاعِ الذي تَعْتَمِدُ إِدارَةُ الآلاتِ المُسْتَخْدَمَةِ فيهِ على تِلْكَ المُنْتَجات.
طَفْرَةٌ مُمْكِنَةٌ في السِّياحَةِ وَتِجارَةِ التّْرانْزيت وَصِيانَةِ وَتَمْوينِ السُّفُن
توجَدُ فُرْصَةٌ كَبيرَةٌ لِتَحْقيقِ مَكاسِبَ ضَخْمَةٍ في قِطاعِ السِّياحَةِ وَالفَنادِقِ وَالطَّيَران، في ظِلِّ بَحْثِ السُّيّاحِ مِنْ دُوَلِ الخَليجِ عَنِ الأَمانِ بَعيدًا عَنْ نيرانِ الحَرْبِ التي طالَتْ بُلْدانَهُم. كَما أَنَّ السُّيّاحَ الذينَ كانوا يَتَوَجَّهونَ إلى دُوَلِ الخَليج، سَوْفَ يَبْحَثونَ عَنْ بَدائِلَ في الإِقْليم، وَمِصْرُ بِبُنْيَتِها السِّياحِيَّةِ المُتَطَوِّرَةِ يُمْكِنُها أَنْ تَكونَ مَقْصِدًا لَهُم.
وَفي السِّياقِ نَفْسِه، يُمْكِنُ لِلْمَوَانِئِ المِصْرِيَّةِ وَالسُّعودِيَّةِ على البَحْرِ الأَحْمَرِ بِكُلِّ ما فيها مِنْ مَرافِقَ لِلصِّيانَةِ وَالتَّمْوينِ بِالوُقودِ وَالأَغْذِيَة، أَنْ تُشَكِّلَ بَديلًا يَسْتَقْطِبُ السُّفُنَ التي كانَتْ تَحْصَلُ على تِلْكَ الخدماتِ مِنْ مَوَانِئِ الخَليجِ المُشْتَعِلِ بِالحَرْب، وَالتي طالَتْ نيرانُها تِلْكَ المَوانِئَ وَمَرافِقَها بِأَضْرارٍ جَسيمَةٍ وَجَعَلَتْها غَيْرَ آمِنَةٍ حالِيًّا وَرُبَّما بِصورَةٍ دائِمَة. كَما يُمْكِنُ لِلْمَوَانِئِ تِلْكَ أَنْ تَقومَ بِدَوْرٍ كَبيرٍ كَمَراكِزَ لِتِجارَةِ التّْرانْزيت الإِقْليمِيَّةِ وَالعالَمِيَّةِ لَوْ سَعَتْ بِجِدِّيَّةٍ لِذَلِك، مَعَ تَطْويرِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ الضَّرورِيَّةِ لِهَذا الدَّوْر.
(خاص "عروبة 22")

