بدأ يتكشفُ تدريجيًا هولُ الخسائرِ البشرية والأضرارِ المادية، التي سبّبتها الغارات الإسرائيليّة الأعنف على لبنان، يوم الأربعاء الماضي. إذ مُحِيَت عشرات العائلات من السجلات المدنية وتشرّدت أخرى، فيما يستمر بحث بعضها الآخر عن أحبّتِها بين أنقاضِ الأبنية التي دمّرها العدو فوق رؤوسِ قاطنيها من دون أي إنذار. وبلغت الحصيلة الجديدة غير النهائية للعدوان 303 قتيلًا وأكثر من 1150 جريحًا، في عدوانٍ فتح جروحًا لا يمكن أن تندملَ بسهولة. وهذا الحجمُ الكبيرُ من الدمارِ والخرابِ، مع إعلانِ الحداد الوطني الذي لفّ لبنان بجميع محافظاته، لم يستطع توحيدَ اللبنانيين لتبنّي موقفٍ واحدٍ. إذ بدأت تتعاَلى الأصواتُ ضدَ رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وتطالب بإسقاطِ حكومتِه، فيما سَارَعت الدولةُ بأركانِها إلى محاولةِ اتخاذِ خطواتٍ "جريئةٍ"، علّها تُوقِفُ حمّامَ الدّمِ الجاري، انطلاقًا من مبدأين أساسيين هما: بدء مفاوضاتٍ مع إسرائيل، شرط التوصلِ إلى اتفاقٍ لوقفِ النار أولًا، والتمسّك برفض أن تكون أي جهة أو دولة هي المتحدث الرسمي باسم لبنان وشعبه ثانيًا، ما برز في كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون حين قال: "إننا دولة لها كيانها وموجودة، والدولة هي التي تفاوض، ولا نقبل بأن يفاوض أي أحد سوانا. فنحن نملك القدرة والإمكانيات".
وهنا يكمن جوهرُ المشكلةِ، فطهران تريدُ أن يكونَ ملفُ لبنان مرتبطًا بها وأن تفاوضَ عنه وباسمِه، ما يُعيدنا إلى المربّعِ الأول، ويجعلُ هذه الساحةُ أشبهَ بـ"تابعٍ" من دون أن تملك القدرة على حسمِ قرارِها الداخلي، وهو أمرٌ ترفضُهُ الحكومةُ الحالية التي تصرُّ على عقدِ مفاوضاتٍ وإبرامِ تسويةٍ بنفسها. هذا الملفُ المُعقّد، تَلَقّفَهُ رئيسُ الوزراءِ الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الساعي إلى التشويشِ على محادثاتِ إسلام آباد، التي ستُعقَد غدًا السبت بين واشنطن وطهران. فقرّرَ "قلب الطاولة" والإعلان عن قبولِه الدخول في المسارِ التفاوضي، بعد شهرٍ من المماطلة. بينما ترتبطُ هذه الموافقةُ حصرًا بالضغوطِ الأميركية ِومساعيها، من أجل أن تسلكَ المباحثاتُ طريقَها وتُفضِي إلى نقاطٍ مشتركةٍ، على الرغمِ من الاختلافِ الحادِّ بين الجانبين و"سخونةِ" الملفاتِ العالقة، من تخصيبِ اليورانيوم إلى مضيقِ هُرمز ودور إيران في المنطقةِ عبر وكلائِها الإقليميين. فالقاصي والداني يعلمُ أن نتنياهو كان وراءَ "تحريض" الرئيس الأميركي دونالد ترامب على فتحِ جبهةِ الحربِ مع النظامِ الإيراني، وها هو يخطّطُ اليوم لعرقلتِها مستعينًا بالساحةِ اللبنانية، التي تقفُ عند منعطفٍ شديد الحساسية، وسطَ مخاوف حقيقية من مشكلةٍ داخليةٍ بين "حزب الله" من جهة والدولة اللبنانية من جهةٍ أخرى، خصوصًا في ظلِّ إصرارِ نتنياهو على التفاوضِ تحت النار.
وفي التفاصيلِ، أعلنَ نتنياهو عن إصدارِه توجيهاتٍ لعقد مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع لبنان في أقربِ وقتٍ ممكن، موضحًا أنها ستتناولُ نزعَ سلاحِ "حزب الله" و"إقامةَ علاقاتِ سلامٍ بين إسرائيل ولبنان". وجاءَ هذا الموقفُ بعد ساعاتٍ من انعقادِ جلسةٍ لمجلسِ الوزراء خرجت بقراراتٍ عدةٍ، كان أبرزُها بسط سيطرةِ الدولةِ الكاملة على محافظة بيروت، وحصرُ السلاحِ فيها بالقوى الشرعية وحدها، كما تضمّنت تقديمَ شكوى عاجلةٍ إلى مجلسِ الأمنِ الدولي بشأنِ تصاعدِ الاعتداءاتِ الإسرائيليّةِ على لبنان وتوسّعها. واعترضَ وزيرا "حزب الله" محمد حيدر وركان ناصر الدين على طرحِ "بيروت منزوعة السلاح"، في وقتٍ أكدَ فيه وزيرُ العدلِ عادل نصّار أنه "لم يعُدْ مسموحًا تحويل لبنان إلى قاعدةٍ عسكريةٍ مرتبطة بالدفاع عن إيران". وأشار الوزير إلى أنه يعمل على إعدادِ ملفٍ قانوني وسياسي في هذا الخصوص، وإلى ضرورةِ حمايةِ لبنان من الاعتداءاتِ ومنعِ التضحيةِ بأمنِ اللبنانيين دفاعًا عن مصالح خارجية. ويزيدُ هذا الاختلافُ الحادّ "الطين بلة"، وسطَ محاولاتٍ لإخراجِ لبنان من عنقِ الزجاجةِ، عبر الاتصالاتِ التي تَجرِي مع دولٍ عدة، وفي صدارتِها مصر وتركيا، من أجل الحدَّ من الاعتداءاتِ الإسرائيليةِ والدفع نحو هدنةٍ يليها مسارٌ تفاوضي. أما الرئيس سلام، فأكد أنه سيُجري جولةً خارجيةً لدعمِ الموقفِ اللبناني، وحشد التأييد لمساعي وقف الحرب، إذ يُتَوَقَّع أن يزورَ واشنطن ويلتقي وزير الخارجية ماركو روبيو، بحسب المعلومات المتداولة.
ولا يزال الغموض والضبابية يلفّان المسارَ الذي ستَسلُكُه المباحثات وشكل الوفد، الذي قيل إنه سيكون مصغرًا، وسيرأسه السفير سيمون كرم من الجانب اللبناني، وسطَ توقعاتٍ بأن يقودَ سفيرُ إسرائيل في واشنطن يحيئيل ليتر المفاوضات نيابةً عن الجانبِ الإسرائيلي. وبين هذين الحدّين، ينتظر اللبنانيون بفارغِ الصبرِ ما ستؤولُ إليه الأمورُ، خصوصًا بعد أن فقدوا عامل "الأمان" ودُكّت عاصمتهم بيروت بالصواريخ التي انهمرت على أحيائِها السكنية، مع مواصلةِ جيشِ العدو تأكيدَه أن عناصرَ "حزب الله" نقلوا أعمالهم إلى خارج الضاحية الجنوبية، وانتشروا في مناطق أخرى، في إشارةٍ واضحةٍ إلى توسيع نطاقِ العمليات وعدم حصرها بمناطق نفوذ الحزب، وما يستتبعه ذلك من خلق المزيد من الاحتقان واللعب على وتر الفتنة الداخلية. وأمس الخميس، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء جديدة، لكنها وسّعت نطاقها، إذ أنذرت للمرة الأولى سكان منطقة الجناح بمغادرة منازلهم فورًا، بالإضافة إلى سكان منطقتي الأوزاعي وحي السلم، ما أدى إلى موجةِ نزوحٍ جديدة. وفي حين لم تُسجَّل أي غارة على الضاحيةِ الجنوبيةِ أو المناطق المستهدفة بالإنذار – حتى الساعة، شنّت إسرائيل هجماتٍ جويةٍ ومدفعيةٍ على أكثر من 52 مدينة وبلدة في جنوب لبنان، أسفرت عن مقتل 24 شخصًا من بينهم أطفالٌ ونساء، فضلًا عن إصابةِ 5 آخرين. بالتزامن، أعلن "حزب الله" عن خوضِه اشتباكاتٍ "من مسافةِ صفر" مع قواتٍ إسرائيليّةٍ في مدينة بنت جبيل، في معركةٍ تُوصَف اليوم بأنها "أم المعارك"، لما تتمتّع به من أهميةٍ استراتيجيةٍ ومعنوية، لا سيما أن الجيش الإسرائيلي فشل في دخولها في العام 2024.
وبعد فترةٍ من الهدوءِ في انتظارِ وضوحِ التضاربِ الذي حصلَ في موضوعِ ضمِّ لبنان إلى اتفاقِ وقفِ النار مع إيران، عاد "حزب الله" وأعلنَ، في بياناتٍ منفصلةٍ، عن استهدافِه مستوطناتٍ وقواتٍ وآلياتٍ ومواقعَ عسكرية إسرائيلية، متوعدًا بمواصلة عملياته. في الأثناء، أعلن الجيشُ الإسرائيلي مقتلَ أحدَ عناصرِه خلال اشتباكٍ مباشرٍ في جنوبِ لبنان. وقال إنه عثرَ على عبواتٍ وقاذفاتٍ وصواريخ في مُنشأةٍ تحت الأرض، مؤكدًا استمرارَ عملياتِ الفرقةِ 162 جنوبي البلاد. وفي سياقٍ متّصلٍ، واصلَت فرقُ الإسعافِ والدفاع المدني البحثَ عن ناجين وسحب المصابين، بعد يوم الأربعاء الدموي، بينما خرج وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليقول إن "أكثر من 200 إرهابي جرت تصفيتهم أمس الأربعاء" في لبنان. وتباهى نتنياهو أيضًا بما جرى، معلنًا أن السكرتير الشخصي للأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، وهو ابن شقيقه في الوقت عينه، كان من ضمن أهداف الغارات على العاصمة بيروت. وندّدت مجموعةٌ من الدولِ العربيةِ والغربيةِ، بالإضافة إلى روسيا والصين وإندونيسيا، بالتصعيد الإسرائيلي على لبنان. فيما اتّخذت الدولُ الأوروبية موقفًا أكثر تشددًا، منتقدةً تل أبيب ومكررةً الحديث عن اتفاقِ الشراكةِ بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، الذي سبق أن طالبت إسبانيا الاتحاد الأوروبي بتعليقه. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فجدّد دعوته إلى إدراجِ لبنان في اتفاقِ الهدنة، معتبرًا أنه يُشكّل "شرطًا ضروريًا لضمان مصداقية وقف إطلاق النار واستدامته".
وتأتي هذه المواقفُ في ذروةِ تصاعدِ الخلافِ الأميركي – الأوروبي، خصوصًا بعد الحربِ الأخيرةِ مع إيران التي وقفَت فيها هذه الدولُ على الحياد. فأثار هذا الأمر غضبَ الرئيس دونالد ترامب، الذي تارةً يُهدد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتارةً أخرى يُنقل عنه توجّهه نحو سحب بعض القوات الأميركية من أوروبا. وفي ظلِّ جميع هذه التطورات، يبقى الموقف الإيراني على حاله من تهديدٍ بالتصعيد ووقف مفاعيل التسوية القائمة، ردًا على استمرارِ قصفِ لبنان وتعكيرِ صفوِ مباحثاتِ باكستان. لكن على أرضِ الواقع، انطلقَ المسارُ مع تردّدِ معلوماتٍ عن وصولِ الوفد الإيراني إلى العاصمة إسلام آباد، ما نفاه الإعلام الإيراني، تمهيدًا للمباحثات التي ستجري وسط إجراءاتٍ أمنيةٍ مشدّدةٍ اتخذتها الحكومة، شملت إغلاق مداخل العاصمة وتوسيع الانتشار الأمني وإعلان عطلةٍ رسمية يومي 9 و10 نيسان/أبريل الجاري. وأكد البيت الأبيض أن نائب الرئيس جاي دي فانس سيترأس وفد واشنطن في المفاوضات، في خطوةٍ تعكس ثقل التمثيل السياسي في هذه الجولةِ الحاسمةِ، إلى جانبِ كلَّ من المبعوثِ ستيف ويتكوف وصهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر. أما طهران، فقررت أن يمثلَها رئيسُ البرلمان محمد باقر قاليباف، بمشاركةِ وزير الخارجيةِ عباس عراقجي. واسم قاليباف ليس عابرًا، كم أن التمسك به يحمل أكثر من دلالةٍ نظرًا إلى ما يتمتّع به من قدراتٍ تفاوضيةٍ ومكانةٍ في قلب النظام، إذ كان مقربًا من المرشد السابق علي خامنئي، ويحظى بثقة نجله وثقة "الحرس الثوري" الإيراني، الذي كان الواجهة الأساسية في إدارة العمليات العسكرية خلال الحرب.
وأعرب الرئيسُ الأميركي دونالد ترمب عن "تفاؤلٍ كبيرٍ" بالتوصلِ إلى اتفاقِ سلامٍ مع إيران بعد وقفِ إطلاقِ النار، قائلًا إن إسرائيل "بصددِ خفضِ وتيرةِ" ضرباتِها في لبنان، في محاولةٍ لمنعِ أيّ عرقلةٍ للمفاوضات في الحدِّ الأدنى. كما حذّر إيران، في تصريحاتٍ أخرى، من فرض رسومٍ على ناقلاتِ النفطِ العابرةِ في مضيقِ هُرمز، داعيًا إياها إلى التوقف فورًا عن مخالفة الاتفاق. ويتمسك النظام الإيراني بورقة المضيقِ الاستراتيجي، الذي يحاولُ توظيفَه لمصلحتِه، بينما يستمرُ في تكبيدِ العالمَ خسائرَ جسيمةً، وسطَ تزايدِ المؤشراتِ على إمكانيةِ تحركٍ دوليٍ لتأمينه. وفي هذا الصدد، أعلن الأمينُ العام لـ"الناتو" مارك روته، أن الحلف قد يساهمُ في مهمةٍ محتملةٍ لحمايةِ الملاحةِ في مضيقِ هُرمز. ولفت إلى أن المشاورات جارية مع واشنطن لتحديد نطاق وتوقيت هذه المهمة، مؤكدًا أن التحالف المرتقب لن يقتصر على دول الناتو، بل قد يشمل تحالفًا متعدد الجنسيات، ليضم دولًا كاليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا إلى جانب دولٍ خليجيةٍ أخرى، ضمن جهودٍ تقودُها بريطانيا بقيادةِ رئيسِ وزرائِها كير ستارمر. وسيشكّل مستقبلُ المضيق وحريةُ الملاحةِ فيه، إلى جانب فرض رسوم "العبور الآمن"، محاورَ رئيسيةً، تترتّب عليها تحالفاتٌ وتوازناتُ جديدةٌ في المنطقةِ التي اختبرت معنى "التهديد" الإيراني. إذ تواصل هذا التهديد عبر الكلمة المكتوبة للمرشد الجديد مجتبى خامنئي، في مناسبة مرور أربعين يومًا على اغتيال والده المرشد الأعلى السابق علي خامنئي. إذ أكد أن الجمهورية الإسلامية عازمةً على الارتقاء بإدارة مضيق هُرمز إلى مستوى جديدٍ، مكررًا التمسك بجميع جبهات المقاومة باعتبارها "كيانًا موحدًا"، مع التشديد على الصمود والثبات في مواجهة الضغوط الخارجية، على حدّ قوله.
وعلى الرغم من الهدنةِ لمدةِ أسبوعين التي جرى التوافقُ عليها بين واشنطن وطهران، فإن إيران لا تفوّت فرصةَ استهدافِ جيرانِها العرب، على الرغم مما يخلّفُه ذلك من تباعدٍ وزيادةٍ في الشرخِ وتآكلٍ في الثقة. وأعلنت الكويت، أمس الخميس، أنها تعاملَت مع "مسيّراتٍ معاديةٍ" استهدفَت عددًا من المنشآتِ الأساسيةِ في البلاد، وأسفرَت عن أضرارٍ جسيمةٍ. بينما أوضحَت السعوديةُ أن منشآت الطاقةِ الحيويةِ في البلادِ تعرّضَت لاستهدافاتٍ متعددةٍ مؤخرًا، ما أدى إلى مقتلِ سعودي وإصابة 7 آخرين، كما نتج عنها تعطل عددٍ من العملياتِ التشغيلية في مرافق رئيسية ضمن منظومةِ الطاقة. وشملَت الاستهدافات مرافقَ إنتاجِ البترول والغاز والنقل والتكرير، ومرافق البتروكيميائيات وقطاع الكهرباء في مدينةِ الرياض والمنطقةِ الشرقية وينبع الصناعية. وفي البحرين أيضًا، اعترضَت الدفاعاتُ الجويةُ 7 طائراتٍ مسيَّرة، في حين استأنف مطار البحرين الدولي الرحلات عقب إعادة فتح المجال الجوي. هذه التداعيات وغيرها، حضرت خلال اتصالاتٍ ولقاءاتٍ ديبلوماسيةٍ تُجرِيها الدولُ الخليجية، التي بدأت تفكر في "اليوم التالي"، عقب جرّها إلى مستنقعِ الحرب الذي رفضت زج نفسها به منذ البداية. فضمن هذا السياق، بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظرائه الأميركي ماركو روبيو والإيراني عباس عراقجي والإسباني خوسيه مانويل ألباريس، ومع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، تطورات الأوضاع الإقليمية وسبل الحدّ من وتيرة التوتر، بما يسهم في عودةِ أمنِ واستقرارِ المنطقة. في غضون ذلك، حطَّ رئيسُ الوزراء البريطاني كير ستارمر في البحرين، بعد زيارةٍ شملت كلًا من السعودية والإمارات، واستقبلَهُ العاهلُ البحريني الملك حمد بن عيسى، وجرَى بحثُ المستجداتِ الأخيرة.
وفي هذا السياق، يسود ترقبٌ لمآلاتِ المباحثاتِ في باكستان، في ظلِّ إصرارِ الولايات المتحدة على إبقاءِ قواتِها العسكريةِ في الشرق الأوسط حتى التوصل إلى اتفاق سلام. ولأن "الشيطان يكمن في التفاصيل"، يتخوف كثيرون من الدور الإسرائيلي، ومن سخونة الملفات المطروحة التي قد ترسم ملامح مسار بقية الساحات الموالية لطهران. ففي العراق، تبرز محاولاتٌ لضبطِ الأوضاعِ ومنعِ تدهورِ الأوضاعِ، في بلدٍ يشهد أزمةً سياسيةً مستفحلةً، بينما أفادت وزارةُ الخارجية الأميركية، في بيانٍ، بأن نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو استدعى السفير العراقي نزار الخير الله للحديثِ عن "إخفاقِ الحكومةِ العراقيةِ في منعِ الهجماتِ على منشآتٍ ديبلوماسيةٍ أميركيةٍ"، على الرغمِ من إقرارِه بجهودِ قواتِ الأمنِ في التعاملِ مع التطورات. أما جماعة الحوثي في اليمن، فقالَ زعيمُها عبد الملك الحوثي، إن العمليات تجري ضمن خطةٍ مدروسةٍ، مضيفًا أنها "تأخذ في الاعتبارِ أي مدى زمني للعدوان". كما أوضح أن "العدو لن ينجحَ في ضربِ معادلةِ وحدةِ الساحات"، وأن "استمرارَ الهجماتِ الإسرائيليّةِ على لبنان قد يؤدي إلى عودةِ المعركة". وتملك طهران مفاتيح هذه الجبهات، وبالتالي فإن وقف التصعيد أو تهدئة الأوضاع مرتبطٌ بشكلِ الاتفاقِ وآلياتِه والنتائجِ المترتبةِ عليه.
على صعيدٍ متصل، أعلن الرئيسُ الروسي فلاديمير بوتين وقفًا مؤقتًا لإطلاقِ النارِ مع أوكرانيا، في مناسبةِ عيدِ الفصحِ الأرثوذكسي، في خطوةٍ قال الكرملين إنها تهدف إلى تهدئةٍ ميدانيةٍ محدودةٍ تمتدُ لنحو 32 ساعة. أما في كوبا، فرفض الرئيس ميغيل دياز كانيل، أمس الخميس، الاستقالة تحت ضغط الولايات المتحدة، ودعا إلى حوارٍ مفتوح، في أول مقابلةٍ تلفزيونيةٍ له مع محطةٍ إذاعيةٍ أميركية. وقال: "مفهوم استسلام الثوار وتنحيهم عن مناصبِهِم ليس جزءًا من مفرداتِنا".
وفي الآتي، موجزٌ بأبرز ما تداولته الصحف العربية الصادرة اليوم:
أشارت صحيفة "الوطن" القطرية إلى أن "استقرار لبنان يُعد ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأكملها". وشددت على أن "التصعيد الخطير الذي يشهده لبنان بسبب الغارات الوحشية الإسرائيلية لا بدّ وأن يكون محل إدانة العالم بأسره، حيث يتعين العمل بسرعة من أجل وقف هذا العدوان الغاشم وضم لبنان إلى اتفاقية وقف إطلاق النار، قبل أن تتمكن إسرائيل من جرّ المنطقة مرة أخرى إلى حرب مدمرة، عبر الاستمرار في الجرائم المروعة التي ترتكبها بحق الشعب اللبناني، دونما رادع من ضمير".
صحيفة "نداء الوطن" اللبنانية، من جانبها، رأت أن "حزب اللّه كان يتحضّر لإعلان الانتصار الإلهي الكبير. الهدنة التي تمتدّ لأسبوعين كان يظن أنها تشمله، ولم يتخيّل للحظة أن إيران ستتركه وحيدًا في ساحة المعركة يواجه الهلاك". وأضافت: "تحاول الدولة اللبنانية فعل شيء ما من أجل إيقاف حمام الدم الذي تسبّب فيه "حزب اللّه" والحرس الثوري الإيراني، وموقفها السيادي برفض أي جهة أجنبية التفاوض عنها، قد يؤشر على استعادة دورها في مكان ما. والحزب (ورئيس مجلس النواب نبيه) برّي اللذان رفضا دخول لبنان في مفاوضات مع إسرائيل يعتبران أن جلوس إيران على طاولة التفاوض مع أميركا، "الشيطان الأكبر" بحسب وصفهما، هو انتصار لها ولهما وللمحور، وبالتالي دخل لبنان دوّامة صراع هي الأعنف ولا يوجد أي أفق للحلّ، بانتظار كيف ستنتهي الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران".
الواقع العربي تطرقت له صحيفة "الوطن" البحرينية، التي أوضحت أن "دول الخليج العربي لم تنتصر في حربٍ سعت إليها، بل في حربٍ اجتهدت مخلصةً في تجنّبها، ثم فُرضت عليها، فواجهتها من موقع الدفاع المشروع عن السيادة والكرامة والمنجزات. ولذلك، فإن ما تحقق لا يُقرأ باعتباره مجرد عبور ناجح من لحظة الخطر، بل بوصفه شاهداً على رسوخ الدولة الخليجية، وصلابة قياداتها، وتماسك شعوبها، وكفاءة مؤسساتها في إدارة أصعب اللحظات بأعلى درجات الانضباط والثبات". وأكدت أن "الخليج اليوم يدخل مرحلة جديدة وهو أكثر خبرةً، وأشد تماسكًا، وأعمق إدراكًا لطبيعة التحديات المحيطة به. وهذه لحظة تؤكد أهمية المزيد من التنسيق بين دول مجلس التعاون، وتوحيد الأولويات، والبناء على متانة البيت الخليجي، مع توسيع البدائل الاستراتيجية في الشراكات والمنافذ ومسارات الإمداد، وتعزيز الأمن الذاتي والغذائي، بما يرسخ الاستقرار ويعزز الجاهزية للمستقبل".
في إطارٍ متصل، لفتت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أنه "عندما يتم استهداف دول لم تعلن الحرب على إيران كما حدث في حالات متعددة في منطقة الخليج، فإن ذلك يثير تساؤلات قانونية كثيرة، فالقانون الدولي يفرض احترام سيادة الدول ويحظر الاعتداء على أراضيها دون مبرر قانوني واضح، وإذا كانت هذه الهجمات تستهدف مناطق مدنية أو منشآت اقتصادية حيوية، فإنها قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب خاصة إذا أدت إلى إلحاق الضرر بالمدنيين". وتسائلت: "إن انتقائية الرئيس الإيراني في استخدام مصطلح "جريمة حرب" لا تعكس جهلًا بالمفهوم بقدر ما تكشف توظيفًا سياسيًا له، فكيف يمكن لمن يدين تصريحًا بوصفه جريمة حرب أن يغضّ الطرف عن أفعال موثّقة على الأرض تمثّل انتهاكًا صارخًا لكل قواعد القانون الدولي؟".
(رصد "عروبة 22")

