الهدنة ومضيق هرمز!

ليس معروفا حتى اللحظة إذا ما كانت الهدنة التي أعلنت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ستصمد إلى نهاية الأسبوعين، بسبب الاختلاف الكبير بين السردية الأمريكية والسردية الإيرانية حول شروط هذه الهدنة! ومراجعة النقاط الخمس عشرة التي تضمنتها الورقة الأمريكية، والنقاط العشرة التي تضمنها الورقة الإيرانية، تكشف عن أن الهوة (وليس الفجوة) بين الطرفين لاتزال كبيرة، وأن الحرب لم تنجح في أن تفرض شروطها على الطرفين.

فالولايات المتحدة مصرة على خطة التجريد الشاملة فيما يتعلق بالملف النووي (حظر التخصيب نهائيا داخل الأراضي الإيرانية، وتسليم 450 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وتفكيك مفاعلات نطنز وفوردو وأصفهان، والرقابة المطلقة عليها)، وهي مصرة أيضا على وضع مدايات محددة للصواريخ البالستية المسموح لإيران حيازتها وتكون لأغراض دفاعية حصرا، فضلا على حرية الملاحة في مضيق هرمز، والتخلي عن وكلائها في المنطقة ووقف تمويلهم! في المقابل تطالب إيران بوقف الحرب ضدها وضد وكلائها، وضمان حقها في تخصيب اليورانيوم، مع استعدادها للتفاوض حول مستويات ذلك، ثم رفع شامل للعقوبات، وسيطرة إيرانية على مضيق هرمز، وتعويضات تدفع لها عن الحرب، وخروج القوات الأمريكية القتالية من المنطقة!

وكما هو واضح فإن هذه النقاط لا تعيدنا إلى وضع مفاوضات ما قبل الحرب وحسب، بل تضيف إليها شروطا جديدة أكثر إشكالية؛ فالحديث عن فرض رسوم إيرانية على السفن العابرة لمضيق هرمز يعني عمليا اعترافا بسيادة إيرانية المطلقة على المضيق، وهو ما يتعارض مع حقيقة أنه ممر مائي دولي أولا، وينتهك أحكام اتفاقية "تحديد الحدود البحرية في بحر عمان بين سلطنة عمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية" لعام 2015! فمضيق هرمز يمتد لمسافة 90 ميلا بحريا، ولا يتجاوز عرضه 11 ميلا بحريا في أضيق نقطة فيه، و52 ميلا بحريا في أوسع نقطة فيه، وهو ما يجعل سلطنة عمان شريكا في السيادة عليه وفقا للقانون الدولي بوصفهما الدولتين المشاطئتين، بل إن الجزء الأكبر من الملاحة يمر عمليا في المياه الإقليمية العمانية!

هذا فضلا عن أن هذه السيطرة ستمثل انتهاكا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 التي نصت المادة 38 منها، على تمتع السفن بحق "المرور العابر الذي لا يجوز أن يعاق" في المضايق، بينها مضيق هرمز. وقد قررت المادة 42 من الاتفاقية أنه يجوز للدول المشاطئة تشريع قوانين وأنظمة تتعلق بالمرور العابر في المضايق، لكن ليس من بينها ما ينكر حق المرور العابر، أو يعيقه، وبالتالي فإن فرض رسوم على المرور ينتهك أحكام هذه الاتفاقية!

وقد جاء الهجوم الهمجي الذي شنته إسرائيل ضد لبنان يوم 8 نيسان، ليثبت أن ما ورد في الورقتين الأمريكية والإيرانية لا يمثل "شروطا" للهدنة؛ فالورقة الإيرانية تحدثت عن وقف العمليات ليس ضدها فقط، بل ضد وكلائها في العراق ولبنان، وهو ما أكدته تغريدة الوسيط الرئيسي وهو رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التي تحدثت عن "وقف إطلاق النار في كل مكان بما في ذلك لبنان". ولكن الولايات المتحدة، وعلى لسان المفاوض الرئيس نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بأن "الإيرانيين اعتقدوا أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، لكنه لا يشمله، لم نقطع وعدا بذلك إطلاقا".

إن مقارنة التصريحات الأمريكية والإيرانية تكشف عن حقيقة وحيدة، وهي أنه ليس ثمة اتفاق حقيقي سوى على نقطتين؛ وقف العمليات القتالية لمدة أسبوعين في مقابل فتح مضيق هرمز أمام الملاحة. كما أن مراجعة الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى رئيس الوزراء ورئيس الأركان الباكستانيين، تشرح بوضوح أن النقاط الأمريكية الخمس عشرة، والنقاط الإيرانية العشر، ليست “شروطا” متفقا عليها، بل هي "أساس للتفاوض" القادم ليس أكثر!

لهذا لا يمكن النظر إلى السرديتين الأمريكية (والإسرائيلية ضمنا) من جهة، والإيرانية من جهة أخرى حول "الانتصار"، سوى على أنها بروباغاندا لأغراض التسويق الداخلي، وأن المفاوضات ومخرجاتها فقط هي التي ستوضح أيهما سينجح في تحقيق أهدافه من هذه الحرب؛ فترامب سيستطيع تسويق "انتصاره" في حالة تمكنه من الوصول إلى صفقة جيدة فيما يتعلق بالملف النووي، حتى وإن لم يتمكن من تحقيق ما ورد في الورقة الأمريكية حول "التجريد الشامل". وحتى وإن لم يتمكن من فرض شروطه فيما يتعلق بالصواريخ البالستية أو وكلاء إيران في المنطقة، خاصة وأن الولايات المتحدة قد اختارت طريقها في مواجهة وكلاء إيران في العراق، وتركت لإسرائيل قرار التعامل مع حزب الله في لبنان.

أما إيران، فهي ستسوق سرديتها عن النصر، المرتبط بشكل رئيسي ببقاء النظام نفسه، فضلا عما يمكن أن تتوصل إليه فيما يتعلق بمستوى التخصيب، أو في تسويق سردية وهمية عن سيادتها المطلقة على مضيق هرمز، أو الإبقاء على وكلائها في العراق ولبنان واليمن. أما نتنياهو فسيسوق سرديته عن النصر من خلال الحديث عن التدمير المنهجي للبنى العسكرية الإيرانية، وضرب البنى الاقتصادية التي تمول الحرس الثوري، وأخيرا سيطرته على جنوب الليطاني، ودفع حزب الله إلى شمال الزهراني، مع الاستمرار في استهداف قدراته القتالية وشبكاته الاقتصادية.

بعيدا عن تسويق الانتصارات، لا يمكن إغفال متغيرات جوهرية على الأرض، أولها وأهمها تصنيف إيران بشكل لا لبس فيه بوصفها عدوا في دول الخليج العربي، يشمل ذلك حتى الدول التي كانت لها علاقات جيدة بإيران، مثل عمان وقطر. فالقصف اليومي للبنى التحتية للطاقة، والتهديد بقصف محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه، من دون أدنى اعتبار لما يمكن أن يترتب على ذلك من أزمة إنسانية، في حال تنفيذ ترامب لتهديده بقصف محطات الكهرباء والجسور في إيران، لا يمكن لدول الخليج أن تلقيه خلف ظهرها، إذا ما صمدت هذه الهدنة، أو في حالة التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، وهو سيفرض عليها أن يبحث عن آليات لمنع تكرار ذلك في المستقبل، من بينها التفكير بأنظمة دفاع جوي لتعقب وأعتراض وتدمير الصواريخ والمسيرات، والبحث عن تحالفات عسكرية بعد فشل مجلس التعاون الخليجي في القيام بمهمة حماية الدول الأعضاء فيه، مع كل ما يترتب على ذلك من توتر في منطقة الخليج العربي.

حتى اللحظة، وفي حالة صمود وقف إطلاق النار الهش، على الرغم من أن كل المؤشرات تقول إن إيران ستمضي في احترامه والالتزام بفتح مضيق هرمز، ولو بشكل مقنن، بمعزل عما يحدث في لبنان. ليس ثمة ضمانة أنه يمكن الوصول الى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران خلال مدة الهدنة المقترحة، وعلى الأغلب سيكون هناك تمديد لهذه الهدنة، خاصة وأن ثمة شكوكا في أن يغامر ترامب بالعودة إلى الحرب، بسبب اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس التي ستجري في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، وإمكانية أن تؤثر تبعات الحرب على حظوظ الجمهوريين فيها!

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن